نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
حرية التعبير وتعبير الحرية
 

  أ. د رجب بودبوس

    حرية التفكير والتعبير واعلان الرأي ، مطلب ولا شك مهم بقدر ما هو شرعى ذلك لان قيمة الانسان تكمن في حريته وكل قمح لحرية الانسان هو حط من قيمته واذن ليس في نيتى التقليل من شأن الحرية لكنها ان ظلت تمارس على هذا المستوى تخاطر بان تكون مجانية اى بدون مسؤولية ولكا كانت المسؤولية هي الوجه الآخر للحرية فان معنى الحرية هو في المسؤولية التي تترتب عنها .

  ليس للحرية حدود الا مسؤوليتها وحرية لا مسؤولية تسقط في حالة السواء .

  الحرية تعنى ان لكل انسان حق التعبير عن رأيه وان يعلنه لكن اذا لم يرتب هذا مسؤولية فانه يذهب بجدوى هذه الحرية  ما جدوى حرية التعبير عن رأي واعلانه ، اذا ظل هذا الرأي بدون ادنى تأثير في  موضوعه ؟!

  انها عندئذ حرية صورية مفصولة عن الفصل .

  بالطبع لا اقصد بالمسؤولية هنا ما فيهم عادة اى ما يمكن ان يترتب عن ممارسة حرية التعبير والرأي من اساءة او ضرر يلحق بالآخرين وما يرتب عندئذ الملاحقة القضائية ذلك لان حرية الرأي والتعبير لا تعني حرية الانسان للآخرين لكنى اقصد بالمسؤو لية ابعد من هذا ، انها ترتبط بما يجب ان يقود اليه الرأي نفسه ، عندما يتحول الى ممارسة ، اى فعل مثلا عندما يطرح  رأي في موضوع معين ، وعندما يتحول هذا يتحول هذا الرأي الى ممارسة اى الى فعل فان الرأي الحر يصير مسؤولا عن هذه الممارسة باعتباره رأي  حر تجسد في فعل .

 

 حرية الرأي هكذا يمكن ان تفهم ، عند البعض على انها مجرد طرح رأي بدون مسؤولية عنه عندما يصير ممارسة هذه اللامسؤولية تؤخذ على انها الحرية الرأي الحر عندئذ هو حرية لانه غير مسؤول عن تحوله الى فعل . هذه اللامسؤولية في الحقيقة تعنى مجانية الرأي وليس حريته ومن ناحية اخرى عدم المسؤولية عن الاخذ او عدم  الاخذ به بسبب الفصل بين حرية الرأي والتعبير وبين امكانية الاخذ او عدم  الاخذ به .

 

 هكذا صاحب الرأي المزعوم حرا لا يشارك في قرار الاخذ او عدم الاخذ به ، الحرية الفعلية عندئذ ليست حرية الرأي ، وانما حرية قرار الاخذ به .

 

 في نظم الديمقراطية الليبرالية هناك فصل بين حرية الرأي والتعبير عنه وبين الاخذ او عدم الاخذ به .

 قرار الاخذ او عدم  الاخذ بالرأي ليس من صلاحيات اصحاب الرأي الحر ، يمكن لهؤلا ان يعبروا عن ارائهم ، كما يشاوون ، لكن ليس من شأنهم قرار الاخذ او عدم الاخذ بها .

  هذا يعطينا شكلين من الحرية ، الحرية الصورية والحرية الفعلية.

  الحرية الصورية غير مسؤولة بالنسبة للحرية الفعلية ـ حرية القرار وهذا ما يجعل منها حرية مجانية او صورية ، لكن هذه الحرية ليست الا عدم مسؤولية .

  الحرية الفعلية التي لها قرار الاخذ او عدم الاخذ برأي ما ، هي ايضا غير مسؤولة بالنسبة للحرية الصورية .

  في ندوة مرئية ، بتثها قناة فرنسا 24 ، خلال شهر دسيمبر 2008 طرح احد المشاركين وهو عضو منظمة محامين بدون حدود ان حرية التعبير من اهم حقوق الانسان .

  سألته عندئذ عما يفيد البدون سكن او العاطلين عن العمل او الجياع ان يكونوا احرارا في التعبير عن معاناتهم ؟ هل حرية التعبير هذه تغير ولو قليلا من وضعهم ؟ ثم اذا خير هؤلاء بين حرية رأي وتعبير لا تقود الى ادنى تغيير في شروط حياتهم ، وبين توفير سكن او عمل او رغيف خبز ، اليس من الممكن جدا انهم يختارون سقفا يجميهم وعملا يعيشون منه ورغيف  خبز يشبع جوعهم بديلا عن حرية رأي لا تفيدهم في شئ ؟

  بالطبع لست اميل الى هذا الخيار الحدى ، والذي يجعل حرية الرأي والتعبير في مقابل ضرورات الحياة . انه هكذا خيار صعب بين الخبز والحرية .

  في هذه الحالة اختيار حرية الرأي والتعبير  يجعل منها مجانية  فردية محضة لكن ما جدوى حرية رأي والتعبير عنه ، اذا  لم تحقق لنا ما نحتاجه ؟

  اما اختيار ضرورات الحياة بديلا عن حرية الرأي والتعبير فانه يجعل منها بدون ضمان منحة خارج ارادتنا .

 

 لكن الحرية لا يمكن تجزئتها ، هذه التجزئة ضد الحرية .

 

 من ناحية اخرى ، هذا يقود الى ان الرأي الحر وفق هذا المفهوم الصورى ، قد لا يأخذ في الاعتبار امكانية تحوله الى ممارسة مما يجعله بدون حدود اقرب الى امنيات ليس لها حدود اضافة الى  اضافة الى هذا الاخذ او عدم الاخذ به ، تيقرر على محك الواقع مما يوجد  هوة سحيقة بين الرأي المفترض حرا وبين قرار الاخذ او عدم  الاخذ به .

  الرأي الحر في هذا المفهوم الصورى هو حر لانه غير مسؤول عن تحوله الى ممارسة ، ولانه لا ياخذ الواقع بعين الاعتبار .

  الرأي الحر حقا يجب ان يتحول الى ممارسة ، وان يكون مسؤولا عما يترتب عنه عند الممارسة  وهذا يعنى من ناحية اخذ الواقع في الاعتبار ومن ناحية اخرى عدم وجود فاصل بينه وبين قرار الاخذ او عدم الاخذ به والذي يعنى انه لا يكفى ان يكون الرأي حرا بل ايضا شارك في قرار تحوله الى ممارسة .

  لكن هذا يعنى ان ممارسة الرأي الحر فرديا لا تكون مجدية الا اذا مورس في جماعة ان ما يجعل الرأي الحر الفردى مجانيا وغير مسؤول انه يمارس فرديا  اذن يقتضى الامر تنظيم ممارسة حرية الرأى هذه لكى تمارس جماعيا وليس فرديا فقط .

 

 المهم بالنسبة للحياة في جماعة ليس فقط حرية الرأي فرديا وانما ايضا حرية رأي الافراد في جماعة فيما يعترض حياتهم معا وينظم شؤونهم والذي يجعل منها حرية مسؤولية وينهى وجود فاصل بين حرية الرأي وبين قرار الاخذ او عدم الاخذ به .

  بالتأكيد لا يمكن للرأي الحر الممارس فرديا بمعزل عن الجماعة ان يفرض على الجماعة الاخذ به ، والا  ناقض نفسه ، وتحول الى نوع من السلطوية وادى الى النزاع لكن  ايضا لا يمكن للجماعة تكوين رأي حر الا انقلاقا من اراء افرادها .

  الجماعة التي تقمع حرية رأي افرادها تحرم نفسها من ان يكون لها رأي حر ولافراد خارج الجماعة يخاطرون اما بالوقوع في السلطوية واما المجانية واذن  ضد الحرية .

  هذا من ناحية يتطلب تنظم ممارسة حرية الرأي والتعبير في جماعة ، لكى تكون مجدية ومسؤولية كما ان الرأي الحر الفردى من خلال الجماعة يجب ان يتحمل ما يترتب عنه عندما يصير ممارسة .

  هذا التنظيم ليس حدا من الحرية وانما جعل ممارستها في جماعة ممكنة ومجدية ومسؤولة .

  هكذا حرية الرأي والمسؤولية المرتبطة بها في هذا المفهوم تجعل الرأي جادا ومجديا والرأي الفردى مسؤول على الاقل اخلاقيا عما يقود اليه ، اما على المستوى الاجتماعى فان المسؤولية  تصير سياسية .

  هذا يعنى حدوث تحول جذرى في مفهوم الحرية من حرية الرأي والتعبير والذي يجعل الحرية صفة للرأي والتعبير ، الى تعبير الحرية والذي يظهر من خلال تنظيم الحرية لممارسة الرأي الحر في جماعة ويعنى هكذا ان الحرية تعبر عن نفسها ليس فقط بالاقوال وانما ايضا بالافعال .

  الفرق بين حرية الرأي والتعبير في الديمقراطية الليبرالية ، وبين تعبير الحرية لا يعني التقليل من اهمية حرية الرأي والتعبير وانما يعني تحول الحرية من مجرد ابداء رأي غير ملزم الى قرار ملزم التنفيذ ويرتب مسؤولية الاصرار عما مارسوه من حرية رأي وتعبير وعندئذ من حرية مجانية او صورية تصير حرية فعالة .

  لما كان نظام الديمقراطية الليبرالية يتأسس على الفصل بين الحرية الصورية ـ حرية الرأي الرأي والتعبير ـ وبين الحرية الفعلية حرية الاخذ او عدم الاخذ بالرأي ـ فان تنظيم الحرية من اجل ممارسة حرية الرأي والتعبير جماعة يقودنا بالضرورة الى نظام الديمقراطية المباشرة .

  نظام الديمقراطية المباشرة ليس في الاساس الا تنظيم ممارسة حرية الرأي والتعبير جماعة لكى تتحول من حرية تعبير الى تعبير الحرية.

  هذا النظام لا يكفل فقط ممارسة حرية الرأي والتعبير فرديا وهي شرط ممارسة الديمقراطية وانما ايضا يجعل الرأي الحر مسؤولا في تحوله الى قرار ، هكذا اتخاذ القرار او تحول الرأي الحر الى قرار يعنى ليس فقط حرية الرأي وانما ايضا مسؤولية الرأي الحر وتحوله الى رأي جماعي .

 القرار الحر هكذا ليس الا الرأي الحر لافراد الجماعة او حرية التعبير وقد تحولت الى تعبير الحرية.

  ـ في نفس اليوم ، البدون سكن ، يتظاهرون في شوارع باريس مطالبين بتوفير مأوى لهم ، لقد مارسوا حرية الرأي والتعبير ، لكن مطلبهم لم يستجاب .
.عن صحيفة الشمس


أضف تعليقا

اضيف في 15 يونيو, 2008 04:22 م , من قبل mesterhewar
من فلسطين said:

اخي زيد تحية لك ولما يخط قلمك

حرية الراي والتعبير عنه هما حريتان

اي تقتنع براي هذه حرية

وان تمارس فعل التعبير عنه

ضمن النظم والدساتير هذه حرية اخرى

وصور التعبير عن الراي كثيرة

بعضها يكفله النظام والعقد

وبعضها يصبح مشروعا في حالات

القمع في نظر اصحابه ..

اكثر من سنة استمر الاعتصام في لبنان

وعدم الاصغاء انتج حربا محدودة

تحياتي ودمت جادا ومبدعا ...فيصل عيسى

اضيف في 18 يونيو, 2008 04:15 م , من قبل wa7na said:

تحية للأستاذ الدكتور صاحب المقال

و تحية لأستاذنا زيد على الإختيار لهذا المقال الحساس الذي للأسف بعض الحكومات العربية تفتقدة مره أخرى أحيي الأستاذين على هذا التناول المفيد لقضايا الإعلام



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية