
في أدب الفترة
في الفلسفة الشعبية
من خلال الأساطير والخرافات والروايات
والقصص والأمثال
إياك أعني واسمعي يا جارة
أورد أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني هذا المثل ، في كتابه [مجمع الأمثال] ، ويورد الميداني لهذا المثل ولمضربه مشيرًا إلى أن أول من قال ذلك (سهل بن مالك الفزاري) ، وحسب رواية الميداني أن سهل بن مالك خرج يريد النعمان بن المنذر :"فمرّ ببعض أحياء طي ء ، فسأل عن سيد الحي ، فقيل له ، الحارثة بن لأم ، فأمّ رحله فلم يصبه شاهدًا ، فقالت له أخته : انزل في الرحب والسعة ، فنزل فأكرمته ولاطفته ، فخرجت من خبائها فرأى أجمل أهل دهرها وأكملهم ، وكانت عقيلة قومها وسيدة نسائها ، فوقع ، في نفسه منها شيء ، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها ولا يوافقها من ذلك ! فجلس بفناء الخباء يومًا وهي تسمع كلامه ، فجعل ينشد ويقول (من الرجز):-
يا أختَ خير البدو والحضاره :. كيف ترين في فتى فزاره
أصبح يهوى حرة معطاره :. إياكِ أعني وأسمعي يا جاره
فلما سمعت قوله عرفت أنه إياها يعني ، فقالت : ماذا بقول ذي عقل أريب ، ولا رأي مصيب ن ولا أنف نجيب ، فأقم ما أقمت مكرمًا ثم ارتحل إذا شئت مسلمًا ويقال أجابته نظمًا فقالت (من الرجز):-
إني أقول يا فتى فزاره :. لا ابتغى الزوج ولا الدعاره
إني فراق أهل هذي الجاره :. فارحل إلى أهلك باستخاره
فاستحيا الفتى وقال : ما أردت منكرًا وسوأتاه ّ فقالت : صدقت فكأنها استحيت من تسرعها إلى تهمته ، فارتحل ، فأتى النعمان فحياه وأكرمه ، فلما رجع نزل على أخيها فبينا هو مقيم عندهم تطلعت إليه نفسها - وكان جميلاً - فأرسلت عليه أن أخطبني إن كان لك في حاجة يومًا من الدهر ، فإني سريعة إلى ما تريد فخطبها وتزوجها وسار بها إلى قومه" .
يضرب هذا المثل عند الكناية ، والكناية هي نفي التصريح ، أي أن يورد المتكلم كلامًا ويقصد به غيره ، والكناية في العربية توضع في مقابل التصريح ، وقولهم : لبن صراح ، أي أنه لم يخلط ولم يشب بشيء غيره ، والشب بالشيء هو الاختلاط ، ومنه جاء الشيب ، أي اختلاط البياض يالسواد ، فكأن هذا المفهوم قد استعير إلى الكناية ، ومن الكناية يأتي المكنون ، الذي هو من الفعل :(كن) ، وقد وصف الوحي القرآن بأنه في كتاب مكنون ، أي محفوظ من أن تصل إليه أيدي العابثين بسوء ، ومن مفهوم الحفظ والرعاية والصون يأتي مصطلح الكناية ، فكأن الذي يكني يريد أن يحفظ ويصون المفهوم الذي في ذهنه من خلال استخدام ألفاظ هي غير العادي والمستخدم والمتداول ، حتى إذا أراد أحد أن يصل إلى المفهوم الذي في الذهن أعمل فكرة وشحذ همته كي يدرك ذلك ، والإدراك في العربية اللحاق بالشيء ، ولا يمكن اللحاق بالشيء ، إلا إذا كان هذا الشيء ضمن المدرك أو القابل للإدراك ، والمفاهيم تدرك لأننا نعاملها معاملة الشيء ، والمفهوم هو فرع المعنى وبعضه ، والإنسان بحكم محدوديته لا يمكن أن يدرك المعنى الذي هو أبعد من المفهوم ، ولكن في مقدوره أن يدرك المفهوم ، أو أن يدرك أن هذا المفهوم ضمن المدرك أو القابل للإدراك ، من هنا فإن الكناية تقترب ضمن مشروع البلاغة من الاستعارة ، وكما نعرف فإن البلاغة في العربية هي مشروع البلوغ ، والتبليغ ، والبلوغ هو الوصول إلى حالة النضج ، فكأن البلاغة تحيلنا إلى حالة البلوغ التي يصل إليها الإنسان ، أي الوصول إلى القدرة على الولادة والإنجاب ، وهنا تقدم العربية مرة أخرى المفاهيم ضمن مشروع الولادة ، والكلمة هي حاملة هذا المشروع ، فالكلمة هي بنت الفكرة ، كما يقول العرب ، حيث ينسبون الأفكار إلى البنات ، فيقولون : هذه من بنات أفكارنا ، كما يقولون : فلان لم ينبس ببنت شفه ، والعلاقة بين الفكرة ، والكفر ، أي التغطية ، علاقة واضحة ، فالفكرة تبقى مكفورة حتى يتم إظهارها والإبانة عنها والإفصاح ، ومن هذا يأتي مفهوم البيان والفصاحة في العربية ، وإخراج الكلمة قبل بلوغها ، هو بمثابة الإجهاض ، إذ حتى تتم البلاغة لابد أن تبلغ الكلمة في نفسها ، وأن تخرج من خلال أعضاء النطق ، على أن بلوغها المتلقي هو في ذاته استعداد للتلقي ، كما هي عملية الحمل ، فمصطلح بلاغة يعطي بهذا الامتداد الصوتي في اللام ، مفهوم الامتداد والمشاركة ، كما هي الولادة ، أي ليست من طرف واحد ، وهنا نحيل إلى مفهوم الخطاب في العربية ، فالخطاب حالة مشاركة من خلال هذا الامتداد الصوتي الذي نرسمه ألفًا في كلمة (خطاب) ، فإذا لم يتم هذا الامتداد والمشاركة تحول المشروع إلى خطب ، أي إلى كارثة ، كما هي في الخطابات الأحادية (مونولوج) ، أو الخطابات المنغلقة (سولولوج) ، أو هذا النوع من الخطاب الذي يفترض طرفين متضادين أو متعارضين (دايالوج) ، فالخطاب في العربية كما اشرنا كالبلاغة هي عملية فهم وتفاهم ، وعلاقة تؤسس على المودة والسكن ، تمامًا كالعلاقة الزوجية ، والسكن فيه معنى السكينة ، كما أن الزواج لا يتم دون شرعية ، وقد عبر الرسول ? عن العلاقة بين الرجل والمرأة ، بأنها استحلال للفروج بكلمة الله ، كما ربط القرآن بين الكلمة والشجرة ، فالكلمة الطيبة شجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء ، والكلمة الخبيثة شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، والشجرة رمز يحيلنا إلى مشروع الولادة من الحب والنوى ، الذي ينفلق ، فيبدأ مشروع الحياة ، وعملية الفلق هي عملية هذه القوة التي تبدأ مشروعها الحياة ، ومن ثم يطلق العرب على الشاعر في قمة إبداعه ، أنه شاعر مفلق ، وفي الوحي سورة كاملة هي سورة الفلق ، الذي يقدم القرآن من خلاله هذا الفلق باعتباره خيرًا في مواجهة الشر ، والغسق ، والحسد .
إن الاستعارة هي استعارة ألفاظ لتأدية معان لا يمكن الوصول إليها من خلال هذا المتداول ، ومن ثم فإن الاستعارة هي فرع التشبيه والتمثيل ، ولهذا أفردنا هذا المبحث في الأمثال ، والتمثيل بما في ذلك التمثيل المسرحي ، هو مقاربة لمعنى غائب ، أي أن التمثيل هو عمل غير حقيقي ، فالحقيقة غائبة ، والممثل يقوم بعملية المقاربة لهذا الغائب على سبيل التمثيل وليس على سبيل الحقيقة ، وهذه الغيبة تجعل الأصل ضمن الماهوي ، والممثل لا يقترب من هذا الماهوي إلا بالتماهي ، أو التقمص ، أي مقاربة هذا الغائب الذي هو في الذهن تصورًا ، فإذا صفق المشاهدون للممثل فإنهم لا يصفقون له هو ، بل لقدرته على مقاربة الصورة الماهوية في أذهانهم ، وقد يبكون وقد يضحكون ، أو تعتريهم حالات وجدانية ، وهنا يمكن القول مع الألماني (هايدغر) ، أن الوجدان هو الذي يكشف الماهية ، أي يكشف هذا المخفي ، وبهذا فإن العمل التمثيلي يوصف بالإبداع لأنه بمثابة إعادة خلق لميت ، أو مقاربة تجسيدية لغائب ، وبهذا يمكن أن نعري التـزييف التمثيلي النيابي ، فالتمثيل والنيابة ، مع الفرق المفهومي بينهما ، ولكنه فرق لا يفهم منه الاختلاف ، فالتمثيل هو استحضار لغائب كان حاضرًا ، ولكنه ليس حاضرًا الآن ، والنيابة هي افتراض الغيبة للحاضر ، هذا الافتراض يعطي مبرر التمثيل ، فالنائب يفترض أن الجماهير غائبة ، ومن ثم فإن هذا الغياب يسمح بالتمثيل ، وتأتي عملية الاقتراع بمثابة الشرعية لهذا التمثيل ، أي قبول الجماهير بأنها غائبة ، حتى أن إرادتها تجرد في شكل ورقة ، وهنا نشير إلى الربط بين الاستعارة والتمثيل ومشروع البلاغة ، وبين التمثيل النيابي ، فالتمثيل النيابي أسس على الكلام ، وفي الانجليزية فإن البرلمان Parliament) ، يأتي من الفعل (Parle) ، أي يتحدث أو يتكلم ، ومن ثم وصف النائب أنه (Tribune) ، أي المتكلم والمدافع باسم الشعب ، كما يعطي مصطلح (Tribune) ، مفهوم منبر خطابي ، وقد اشرنا إلى العلاقة بين الخطاب والبلاغة ، فكان الجماهير غير قادرة على أن تبلغ إرادتها ، لأنها غائبة ، ومن ثم يأتي من يتكلم باسمها ، حتى إذا استخدم مصطلح التصويت فإن ذلك لا يعني أن الجماهير تخرج أصواتها لأنها إذا أخذت أصواتها كانت حاضرة ، ولأنها من الناحية الحكمية هي غائبة فإنها والحال كذلك مثل الله ، ولله المثل الأعلى ، الذي يفترض الكهنوت أنه مفصول عن الناس وبعيد عنهم ، ومن ثم يستوجب الوسيط والصنم والنائب .
عن صحيفة الشمس.












