نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
دراسات في علم الإنسان العربي
 
أ.د المهدي امبيرش

في أدب الفترة

في الفلسفة الشعبية

من خلال الأساطير والخرافات والروايات

 والقصص والأمثال

 

 

إياك أعني واسمعي يا جارة

أورد أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني هذا المثل ، في كتابه [مجمع الأمثال] ، ويورد الميداني لهذا المثل ولمضربه مشيرًا إلى أن أول من قال ذلك (سهل بن مالك الفزاري) ، وحسب رواية الميداني أن سهل بن مالك خرج يريد النعمان بن المنذر :"فمرّ ببعض أحياء طي ء ، فسأل عن سيد الحي ، فقيل له ، الحارثة بن لأم ، فأمّ رحله فلم يصبه شاهدًا ، فقالت له أخته : انزل في الرحب والسعة ، فنزل فأكرمته ولاطفته ، فخرجت من خبائها فرأى أجمل أهل دهرها وأكملهم ، وكانت عقيلة قومها وسيدة نسائها ، فوقع ، في نفسه منها شيء ، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها ولا يوافقها من ذلك ! فجلس بفناء الخباء يومًا وهي تسمع كلامه ، فجعل ينشد ويقول (من الرجز):-

 يا أختَ خير البدو والحضاره  :. كيف ترين في فتى فزاره

 أصبح يهوى حرة معطاره  :. إياكِ أعني وأسمعي يا جاره

 فلما سمعت قوله عرفت أنه إياها يعني ، فقالت : ماذا بقول ذي عقل أريب ، ولا رأي مصيب ن ولا أنف نجيب ، فأقم ما أقمت مكرمًا  ثم ارتحل إذا شئت مسلمًا ويقال أجابته نظمًا فقالت (من الرجز):-

 إني أقول يا فتى فزاره  :. لا ابتغى الزوج ولا الدعاره

 إني فراق أهل هذي الجاره  :. فارحل إلى أهلك باستخاره

 فاستحيا الفتى وقال : ما أردت منكرًا وسوأتاه ّ فقالت : صدقت فكأنها استحيت من تسرعها إلى تهمته ، فارتحل ، فأتى النعمان فحياه وأكرمه ، فلما رجع نزل على أخيها فبينا هو مقيم عندهم تطلعت إليه نفسها - وكان جميلاً - فأرسلت عليه أن أخطبني إن كان لك في حاجة يومًا من الدهر ، فإني سريعة إلى ما تريد فخطبها وتزوجها وسار بها إلى قومه" .

 يضرب هذا المثل عند الكناية ، والكناية هي نفي التصريح ، أي أن يورد المتكلم كلامًا ويقصد به غيره ، والكناية في العربية توضع في مقابل التصريح ، وقولهم : لبن صراح ، أي أنه لم يخلط ولم يشب بشيء غيره ، والشب بالشيء هو الاختلاط ، ومنه جاء الشيب ، أي اختلاط البياض يالسواد ، فكأن هذا المفهوم قد استعير إلى الكناية ، ومن الكناية يأتي المكنون ، الذي هو من الفعل :(كن) ، وقد وصف الوحي القرآن بأنه في كتاب مكنون ، أي محفوظ من أن تصل إليه أيدي العابثين بسوء ، ومن مفهوم الحفظ والرعاية والصون يأتي مصطلح الكناية ، فكأن الذي يكني يريد أن يحفظ ويصون المفهوم الذي في ذهنه من خلال استخدام ألفاظ هي غير العادي والمستخدم والمتداول ، حتى إذا أراد أحد أن يصل إلى المفهوم الذي في الذهن أعمل فكرة وشحذ همته كي يدرك ذلك ، والإدراك في العربية اللحاق بالشيء ، ولا يمكن اللحاق بالشيء ، إلا إذا كان هذا الشيء ضمن المدرك أو القابل للإدراك ، والمفاهيم تدرك لأننا نعاملها معاملة الشيء ، والمفهوم هو فرع المعنى وبعضه ، والإنسان بحكم محدوديته لا يمكن أن يدرك المعنى الذي هو أبعد من المفهوم ، ولكن في مقدوره أن يدرك المفهوم ، أو أن يدرك أن هذا المفهوم ضمن المدرك أو القابل للإدراك ، من هنا فإن الكناية تقترب ضمن مشروع البلاغة من الاستعارة ، وكما نعرف فإن البلاغة في العربية هي مشروع البلوغ ، والتبليغ ، والبلوغ هو الوصول إلى حالة النضج ، فكأن البلاغة تحيلنا إلى حالة البلوغ التي يصل إليها الإنسان ، أي الوصول إلى القدرة على الولادة والإنجاب ، وهنا تقدم العربية مرة أخرى المفاهيم ضمن مشروع الولادة ، والكلمة هي حاملة هذا المشروع ، فالكلمة هي بنت الفكرة ، كما يقول العرب ، حيث ينسبون الأفكار إلى البنات ، فيقولون : هذه من بنات أفكارنا ، كما يقولون : فلان لم ينبس ببنت شفه ، والعلاقة بين الفكرة ، والكفر ، أي التغطية ، علاقة واضحة ، فالفكرة تبقى مكفورة حتى يتم إظهارها والإبانة عنها والإفصاح ، ومن هذا يأتي مفهوم البيان والفصاحة في العربية ، وإخراج الكلمة قبل بلوغها ، هو بمثابة الإجهاض ، إذ حتى تتم البلاغة لابد أن تبلغ الكلمة في نفسها ، وأن تخرج من خلال أعضاء النطق ، على أن بلوغها المتلقي هو في ذاته استعداد للتلقي ، كما هي عملية الحمل ، فمصطلح بلاغة يعطي بهذا الامتداد الصوتي في اللام ، مفهوم الامتداد والمشاركة ، كما هي الولادة ، أي ليست من طرف واحد ، وهنا نحيل إلى مفهوم الخطاب في العربية ، فالخطاب حالة مشاركة من خلال هذا الامتداد الصوتي الذي نرسمه ألفًا في كلمة (خطاب) ، فإذا لم يتم هذا الامتداد والمشاركة تحول المشروع إلى خطب ، أي إلى كارثة ، كما هي في الخطابات الأحادية (مونولوج) ، أو الخطابات المنغلقة (سولولوج) ، أو هذا النوع من الخطاب الذي يفترض طرفين متضادين أو متعارضين (دايالوج) ، فالخطاب في العربية كما اشرنا كالبلاغة هي عملية فهم وتفاهم ، وعلاقة تؤسس على المودة والسكن ، تمامًا كالعلاقة الزوجية ، والسكن فيه معنى السكينة ، كما أن الزواج لا يتم دون شرعية ، وقد عبر الرسول ? عن العلاقة بين الرجل والمرأة ، بأنها استحلال للفروج بكلمة الله ، كما ربط القرآن بين الكلمة والشجرة ، فالكلمة الطيبة شجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء ، والكلمة الخبيثة شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، والشجرة رمز يحيلنا إلى مشروع الولادة من الحب والنوى ، الذي ينفلق ، فيبدأ مشروع الحياة ، وعملية الفلق هي عملية هذه القوة التي تبدأ مشروعها الحياة ، ومن ثم يطلق العرب على الشاعر في قمة إبداعه ، أنه شاعر مفلق ، وفي الوحي سورة كاملة هي سورة الفلق ، الذي يقدم القرآن من خلاله هذا الفلق باعتباره خيرًا في مواجهة الشر ، والغسق ، والحسد .

 إن الاستعارة هي استعارة ألفاظ لتأدية معان لا يمكن الوصول إليها من خلال هذا المتداول ، ومن ثم فإن الاستعارة هي فرع التشبيه والتمثيل ، ولهذا أفردنا هذا المبحث في الأمثال ، والتمثيل بما في ذلك التمثيل المسرحي ، هو مقاربة لمعنى غائب ، أي أن التمثيل هو عمل غير حقيقي ، فالحقيقة غائبة ، والممثل يقوم بعملية المقاربة لهذا الغائب على سبيل التمثيل وليس على سبيل الحقيقة ، وهذه الغيبة تجعل الأصل ضمن الماهوي ، والممثل لا يقترب من هذا الماهوي إلا بالتماهي ، أو التقمص ، أي مقاربة هذا الغائب الذي هو في الذهن تصورًا ، فإذا صفق المشاهدون للممثل فإنهم لا يصفقون له هو ، بل لقدرته على مقاربة الصورة الماهوية في أذهانهم ، وقد يبكون وقد يضحكون ، أو تعتريهم حالات وجدانية ، وهنا يمكن القول مع الألماني (هايدغر) ، أن الوجدان هو الذي يكشف الماهية ، أي يكشف هذا المخفي ، وبهذا فإن العمل التمثيلي يوصف بالإبداع لأنه بمثابة إعادة خلق لميت ، أو مقاربة تجسيدية لغائب ، وبهذا يمكن أن نعري التـزييف التمثيلي النيابي ، فالتمثيل والنيابة ، مع الفرق المفهومي بينهما ، ولكنه فرق لا يفهم منه الاختلاف ، فالتمثيل هو استحضار لغائب كان حاضرًا ، ولكنه ليس حاضرًا الآن ، والنيابة هي افتراض الغيبة للحاضر ، هذا الافتراض يعطي مبرر التمثيل ، فالنائب يفترض أن الجماهير غائبة ، ومن ثم فإن هذا الغياب يسمح بالتمثيل ، وتأتي عملية الاقتراع بمثابة الشرعية لهذا التمثيل ، أي قبول الجماهير بأنها غائبة ، حتى أن إرادتها تجرد في شكل ورقة ، وهنا نشير إلى الربط بين الاستعارة والتمثيل ومشروع البلاغة ، وبين التمثيل النيابي ، فالتمثيل النيابي أسس على الكلام ، وفي الانجليزية فإن البرلمان Parliament) ، يأتي من الفعل (Parle) ، أي يتحدث أو يتكلم ، ومن ثم وصف النائب أنه (Tribune) ، أي المتكلم والمدافع باسم الشعب ، كما يعطي مصطلح (Tribune) ، مفهوم منبر خطابي ، وقد اشرنا إلى العلاقة بين الخطاب والبلاغة ، فكان الجماهير غير قادرة على أن تبلغ إرادتها ، لأنها غائبة ، ومن ثم يأتي من يتكلم باسمها ، حتى إذا استخدم مصطلح التصويت فإن ذلك لا يعني أن الجماهير تخرج أصواتها لأنها إذا أخذت أصواتها كانت حاضرة ، ولأنها من الناحية الحكمية هي غائبة فإنها والحال كذلك مثل الله ، ولله المثل الأعلى ، الذي يفترض الكهنوت أنه مفصول عن الناس وبعيد عنهم ، ومن ثم يستوجب الوسيط والصنم والنائب .

عن صحيفة الشمس.

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية