نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
المساواة من مقومات الحرية

 

 أ.محمد الطابوني
 

يقول « جان جاك روسو» ( إذا بحثنا عما يتكون منه بالضبط أكبر  قدر من الخير للجميع وهو ماينبغى أن يكون هدف كل نظام تشريعي ، سنجد أنه يتلخص في شيئين رئيسين: الحرية والمساواة ... الحرية لأن كل تبعية خاصة هى قدر من القوة  ينقص من جسد الدولة ... والمساواة لأنه لابقاء للحرية بدونها .

أولاً : تأصيل المساواة:« المساواة مفهوم قديم في تاريخ الفكر الإنسانى ، نصادفه منذ عهود الحضارات القديمة ، ففي الحضارة الإغريقية مثلاً ، يدور الحديث عن مطلب المساواة في كتابات ـ بيركليز) في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح عليه السلام ثم عند ( أفلاطون) في كتابه ( جمهورية أفلاطون) وكذلك عند تلميذه ( أرسطو) من بعده ، وتناوله الإغريق في تلك المرحلة والمعاصرة لبداية الأخذ بالنظام الديمقراطي بوصفها مساواة نسبية ، تسلم بالتفاوت الطبيعى في القدرات والمواهب ، ثم اتجهوا بعد ذلك للأخذ بالمساواة المطلقة ، وإن صادف هذا الاتجاه نقداً من الفلاسفة في ذلك العصر ، إذ رأوا أن شأن هذه المساواة إقامة نوع من الاستبداد تطغى فيه الكثرة غير المؤهلة والتي قد تسير وراء من يتقن خداعها ، حقيقة أن ريح الحضارات القديمة قدهبَّت على العصور الحديثة تحمل معها نماذج وصورا من الأفكار والحكم والنصوص التي عبر بها بعض الفلاسفة والمفكرين عن الدعوة إلى المساواة بين البشر . بعد أن وضحت فكرة الإنسان و أفضليته وحقه في التمتع بالحرية والمساواة ، ومع ذلك فمن المعروف أن هذه الحضارات القديمة بنظرتها إلى الإنسانية في تلك العصور ، قد أنكرت تلك الحقوق على غالبية أهليها من الأرقاء والعبيد والأجانب ) فلم يكن ممكنا لمجتمع عبودى يعتمد على الرقيق في العمل ويبلغ التفاوت بين الطبقات أقصاه أن يسوي بين الحر والعبد والنبلاء والدهماء، وأن يعترف بأن الفرد الذى يتمتع بالحرية والمساواة هو الفرد الطبيعى وأن مكان الفرد والمواطن الحر هو وحده صاحب هذه الحقوق وأن كلاً من الحرية والمساواة تستلزم إحداها وجود الأخرى ، فمثلا في المجتمع الاثيني، كان الرقيق محرومين من الحرية والمساواة لأن النظم السياسية والاقتصادية قامت على نظام الاسترقاق ، وبالتالى على التفاوت الطبقى ، ولا مكان للحرية حيث يوجد سادة وعبيد و شرفاء و ضعفاء ، أغنياء وفقراء ، ولهذا السبب يربط كل المصلحين وكل الأديان السماوية بين مفهومي المساواة والحرية .

ثانيا/ تعريف المساواة : يتمثل معنى المساواة في القيمة الإنسانية المشتركة في الاعتقاد بأن الناس جميعاً متساوون في طبيعتهم البشرية ، وأن ليس هناك جماعة تفضل غيرها بحسب عنصرها الإنساني ، وخلقتها الأولى.

 ويرى بعض المفكرين عن العلاقة بين المساواة والحرية «أن المساواة وأساس الحرية ، فلاحرية حيث لامساواة» وأن حقيقة المساواة تتمثل في أن تكون الأحكام سواء على من هم بالنظر إليها سواء ، أي بمعنى أن تجرد النصوص الحكمية عن كل مايجعل بعض الناس فوق الآخرين ، كما أن المساواة ليست حقاً وحسب ، بل هى شرط أساس من شروط كمال الوجود الإنسانى.

ثالثاً : المدلول الحقيقي للمساواة : تعنى المساواة تأكيد أنه لايوجد اختلاف طبيعى بين مطالب الناس في السعادة ، لذلك وجب ألايقيم المجتمع العوائق في وجه تلك المطالب بكيفية أثقل وطأة على البعض دون الآخر ، فلا تحرم مثلاً ممارسة مهنه المحاماة على البعض لأنهم من السود ، فالمساواة إذن محاولة إعطاء الجميع فرصاً وحقوقاً مماثلة ، ولامفر من اعتبار المساواة  مرتبطة بالحرية ، لأن المساواة إنما تعنى قبل كل شيء تنظيم الفرص للجميع ولايجوز لأحد أي كان أن يأخذ حق الآخرين ، وليس صحيحا كما يتصور البعض أن المساواة تتعارض مع الحرية ، وأن تحقيق المساواة يتم على حساب الحرية ، إلا أنه في منظور الديمقراطية المباشرة يتكامل مفهوما الحرية والمساواة. ولايتعارضان ، فالحديث عن المساواة إنما يعنى المساواة في الحريات والمساواة في استقلال الإرادة ، فالمجتمع الديمقراطي هدفه حرية الجميع وإستقلال الجميع حيث « غاية المجتمع الاشتراكى الجديد هى تكوين مجتمع سعيد لأنه حر» وليس حرية واستقلال إرادة الجزء ، وذلك أنه إذا سادت إرادة الجزء دون الكل فإن ذلك سرعان مايتحول إلى إكراه واستلاب لاستقلال المتساوى للكل لأن « الحرية لاتتجزأ» فالديمقراطية الحقيقة تتحقق بالاستقلال المتساوى للكل وتكون المساواة في المنظور الديمقراطي الصحيح هي تعميم الحرية ورفض أن تكون امتيازاً مقصوراً على فرد أو طبقة أو أيه أداة من أدوات الحكم التسلطية ، ومؤدى هذا النظرة أن الحرية لاتكون مكفولة إلا إذا امتزجت بالمساواة ، وكذلك فإن المساواة لاتكون مشروعة إلا إذا كانت تعنى المساواة في الحريات وليس التبعية والاسترقاق ، فالديمقراطية الشعبية هى نفى لكل سلطة شخصية ، والديمقراطية المباشرة وهى ( سلطة الجموع) أو ( سلطة الشعب ) ترفض كذلك كل سيطرة خاصة أو تبعية سواء لفرد أو حزب أو مجموعة احزاب ، بل أن هذا الخطر على الحرية يسرى ولو استندت التبعية إلى مواقعة التابع على نحو الوضع القائم في ظل النظام النيابى ، ففى ظل النظام النيابى تندثر الموافقة على التبعية ثوب الانتخابات الذى يسفر عن الموافقة على سلطة شخصية بينما تقتضى الديمقراطية في ظل النظام الجماهيرى الموافقة على قانون ولذلك تكون الموافقة على سلطة شخصية عاجزة عن إضفاء الشرعية على النظام النيابى « فلانيابة عن الشعب والتمثيل تدجيل»  إن النظام النيابى في صورته الشمولية كما صاغها ( هوبز) لايفسح المجال للمساواة ، ذلك إن إرادة الحاكم أو الملك هى المسيطرة بصورة مطلقة ولايوجد اعتراف بسيادة أحد من المجتمع ، أما النظام النيابى في صورته الليبرالية فما أكثر حديثه عن المساواة ، فالحديث عند ( جون لوك) و( منتسكيو) ومن شايعهما يدور حول مساواة المواطنين ، أمام القانون ، فهى إذن ليست المساواة في إطار استقلال الإرادة وإنما هى مساواة في الخضوع لقانون يطبق على الفرد دون أن يكون قد شارك في صنعه أي أنها مساواة التابعين المحكومين دونا لسادة الحكام ، وباستقراء للتاريخ الإنسانى نتوصل إلى حقيقة أن التفاوت وعدم المساواة يؤدي على انهيار المجتمع والحضارة .

 عن صحيفة الزحف الأخضر



أضف تعليقا

اضيف في 03 اغسطس, 2008 11:20 م , من قبل essamalta
من أوروبا said:

السلام عليكم
في البداية احيي صاحب المدونة على مجهوداته الكبيرة ثم الى اصحاب المقالات والأراء الرائعة التي اتمنى ان تتحول الى مدونات عملاقة يرجع لها الباحث والمثقف والعالم لينهل منها ، ليسهم هو الأخر من بعد
وفي هذا الصدد أحيي كاتب هذه المقالة الأستاذ محمد الطابوني الذي انجز مقالته بأسلوب رائع وبحس بما تعنيه كل كلمة وضعها وكل رأي أتى به مستشهدا
للكاتب منا التوفيق ولكل المهتمين بهذا المجال كل التفوق والابداع



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية