نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
ستون عاماً قد مرت........والجرح نازف
 


بقلم :زيد ابوزيد

إستوقفني هذه الليلة بيتٌ لليلةٍ نابغية من ليالي شاعر الجاهلية ، واصفاً همَه معتذراً لمليكه ، مؤكداً ما يقاسيه قائلاً :-

كليني لهمٍ يا أميمةُ ناصبٍ وليلٍ أقاسيه طويل الكواكب

فقلت :- أيُ هم هذا الذي تتحدث عنه يا نابغة ، وأي ُ ليل هذا الذي تطول كواكبه ، وأنا أرى ليلاً يفوق لَيلُك طولاً ، وهموماً تتجاوز همومك أميالاً ، فليلي هو ليلُ وطني ، وهمومي هي هموم أمتي ، ليلٌ قاساه جدي ووالدي ، وأقاسيه أنا وأبنائي، نجومه سوداء ، وأقماره رمادية ، ومفاتيحه ضائعة كما ضاعت مفاتيح أبواب بيوت كثر في وطن العرب ،على يد من لا يرحم في فلسطين والعراق والجولان وبعض جنوب لبنان.

عصابات ومهاجرون عيونهم سوداء ، وقلوبهم سوداء، لو رآهم النابغة لاستعارها لقسوتها بدلاً من ليله ، فجاز لي يا سيدي الشاعر أن أقول :- إن ليلتي هذه هي ليلة ستينيه ، ليست ستينيه الأيام والأسابيع ، بل ستينية السنين لكل أب جاوز الستين ،ومفتاح البيت الذي أُخرج منه قد أكله الصدأ ، وكأنه يخبرني أن لا سبيل إلى الباب فقد هشمته الأيدي الظالمة ، والحجارة العتيقة التي كانت تحفظ ساكنيها قد طواها النسيان ، لأنها الآن تحمل إسماً آخر في مستوطنة يهودية .

معذرة يا سيدي النابغة ، فليلك نهارٌ إذا ما قيس بليل والدي ، وليلك مقمرٌ جميل إذا ما قيس بليل عراقي يتلمس طريقه للخروج من ظلام الإحتلال ، وليلك قصير قصير إذا ما قيس بليل لبنان الحزين . يا سيدي النابغة يظهر لي أن ليل أمتي سرمدي لا يزول إلا بزوال عقول، فها هي ستون عاماً قد مرت والجرح لا زال ينزف والأخوة الأعداء يتقاتلون و الموت يجثم بلا رحمة فوق كل شي ، ، والشهداء يتساقطون كأوراق الشجر، وإذا كان الشعب الفلسطيني يحيي هذه الايام الذكرى الستين للنكبة الكبرى التي حلت بهذا الشعب العربي في 15 ايار 1948 ، و نتج عنها نشوء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية ، وتم تشريد الشعب الفلسطيني قسراً إلى أرض اللجوء في كافة أنحاء المعمورة ،ليعاني ما يعاني من الهم والغم ، والتشريد من مكان إلى مكان ، يتلمس رغيف الخبز في مكان وحق السفر في مكان آخر، ولا يجد أحياناً إلاَ العذاب والوسم بالإرهاب عند السؤال عن القضية والحل إن وجد ، ورغم ذلك يظهر الرئيس الأمريكي بوش ليحتفل مع الكيان المسخ بالنشوء متحدثاً بالعبرية ، وضامناً لأمن الكيان المسخ ، ناسياً أو متناسياً أن مذابح جماعية وجرائم حرب ضد الانسانية قد رافقت نكبة الشعب الفلسطيني عند تأسيس الكيان المغتصب "إسرائيل "، ولم تكن مذبحة دير ياسين الا واحدة من سلسلة مذابح كانت تستهدف ترويع من تبقى من الفلسطينيين لإجبارهم على الهرب من وطنهم الأم طلباً للنجاة بأرواحهم ، لأن قادة الحرب الصهيوني يريدون دولة عبـرية خالصة نقيـة مـن غير اليهود.

ومن المفارقات التي لم تعد عجيبة ان اليهود المغتصبين يحتفلون بهذه المناسبة كعيد استقلال لدولتهم ؟ ويزيد المفارقة ألماً أن مرشحي الرئاسة الأمريكية يتسابقون في تقديم الدعم وعبارات الإشادة بدمقراطية من قتل الأطفال والشيوخ في قانا وفي صيف لبنان الأخير.

إن الحقيقة المعروفة للجميع ان الكيان الصهيوني ما كان ليقوم كدولة ، لولا تواطؤ قوى عظمى مع الحركة الصهيونية ، فبريطانيا التي خرجت من الحرب العالمية الاولى منتصرة ، اصدرت وعد بلفور في الثاني من تشرين عام 1917 ،وتعهدت فيه باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ، فأعطت أرضاً لا تملكها لمن لا يستحقها ، وتزامن ذلك مع اتفاقية "سايكس - بيكو" بين فرنسا وبريطانيا لتقسيم العالم العربي الى دويلات تخضع لسيادتيهما الاستعمارية ،وهذا يؤكد ان التخطيط لاقامة دولة يهودية في فلسطين لا علاقة له بضحايا النازية من اليهود في الحرب العالمية الثانية، وبريطانيا التي فرضت انتدابها على فلسطين بعد الحرب العالمية الاولى وحتى 15 ايار 1948،هي التي سلحت ودربت عصابات الغزو الصهيوني ، وسلمتها قواعدها العسكرية عند انساحبها ، والكيان الصهيوني الذي إستمد شرعية وجوده من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم -181- المعروف بقرار التقسيم والصادر في 29 نوفمبر 1947 ، لم يكتف بالحدود التي اعطاها اياه قرار التقسيم ، ، بل تعداها الى أبعد من ذلك بكثير ،وما حرب إحتلال العراق إلاَ عنواناً لذلك.

واسرائيل الصهيونية القائمة على الاستيطان والتوسع ، قامت ببناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية ، وفي الجولان السورية ، ونقلت اليها مستوطنين يهود في محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع ، ونكلت بالفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة ،شرّ تنكيل، في محاولة منها لاجبارهم على الرحيل عن وطنهم ، وهي تلقى الدعم اللامحدود على كافة الأصعدة من الدولة الاعظم في العالم . وأتباعها الغربيين

وبما ان الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش الذي يدعم اسرائيل بشكل يفوق توقعات القادة الصهاينة أنفسهم ، قد ورط بلاده في حروب عديدة أهمها حربه العدوانية على العراق وافغانستان ، فإنه يشارك في احتفالات الكيان الصهيوني بذكرى قيامه الستين ، من منطلقات إيمانية يتقرب فيها الى الله تمهيداً لعودة المسيح المنتظر ؟،سامعاً لكلمات الإشادة ومنها أن الكيان الصهيوني لم يجد أفضل منه في الدعم على كل الأصعدة .

واذا كانت أوروبا وأمريكا والكيان الصهيوني تعي ما تقوم به ، وما تخطط له لأسباب كثيرة أهمها موارد العالم العربي وتأمين النفط العربي ليصب عائده في خزائنها ، فإن غالبية الدول العربية إمّا موافقة أو ساكتة على ذلك مغلوبة على أمرها حيناً، أو لا يعنيها الأمر شيئا ، فالسفارات الاسرائيلية في اكثر من عاصمة عربية ، والدبلوماسيون الاسرائيليون يدخلون غالبية العواصم العربية ، والغاز المصري يتدفق الى اسرائيل ، والحصار مستمر على قطاع غزة ، والاستيطان مستمر في الضفة الغربية ، والتحرك العربي يراوح في مكانه كعربة صدئة عفى عليها الزمن ومحى قضبان عجلاتها ولم يعد من سبيل ٍ أمامها إلاَ إنتظار النهاية؟.

ورغم ذلك فهناك من يسأل :- هل ستقوم الدولة الفلسطينية هذا العام بناء على وعود بوش ؟؟ وهل اسرائيل جاهزة لمتطلبات السلام ؟ والجواب ان كل الدلائل تشير الى عكس ذلك تماما ، وواقع الانقسام الفلسطيني يساعد على ذلك ، ولتبقى النكبة مستمرة وتبقى المعاناة مستمرة ،ومن جانب آخر فسوريا مهددة ، ولبنان تتكثف فيها صراعات إقليمية ودولية على حساب الشعب اللبناني ، ومسلسل الإغتيالات متواصل ،والخلاف سياسي بكل المقاييس بين مشروعين متضادين ( مشروع صهيو ني- امريكى ).

ومشروع مقاوم ،والأسماء كثيرة والتوصيف له أكثر من مدلول على ما يحدث في لبنان، والذي كان بعضه متوقع كنتيجة طبيعية لصراع بات بعض أطرافه غير قادر على استيعاب تجارب الماضي وعاجز عن فهم واستيعاب التغيرات التي حدثت في واقع الأمة من احتلال لمعظم البلدان العربية ، وازمة اقتصادية طاحنة تعصف بالشعوب العربية ، وحصار خانق ، وغضب عارم يجتاج الشعوب العربية والإسلامية قاطبة فباتت المنطقة كلها على حافة الانفجار، نتيجة الواقع المأساوي الذى تعيشه الأمة من خراب ودمار وقتل ونهب أموال وحرمان الشعوب من ثرواتها ،و الصورة باتت قاتمة حالكة السواد.

والاحداث في لبنان قد تكون بداية ثورة من اجل تصحيح الأوضاع ،والثورة الحاصلة نتاج طبيعي للفساد المستشري، حيث لم يعد الشعب اللبناني يتحمل ان يعيش الانقسام والتناحر من اجل حفنة من الزعامات،ورجال الأعمال استقوت بالخارج ،وظنت ان بإمكانها البقاء في السلطة إلى مالا نهاية تحت مظلة وحماية أمريكية ،أو صهيونية ، أو فرنسية .

وإذا كانت أنظمتنا الرسمية باتت مقيدة مرة بضغوط تفوق طاقتها ، ومرة بمعاهدات تقيد إنطلاقتها ، فقد بات لزاماً على الأمة أن تنطلق من عقالها للبدء في التفكير بشكل جدي عن طريق الحرية والديمقراطية الحقة ،عبرالمتنورين والمفكرين من أبنائها لتشكيل إطار قومي، يجمع ولا يفرق ، يوحد ولا يشتت ، لأن الأمر بات خطيراً ، ونذر السقوط ما عاد يستهان بها.

خاتماً مقالي قائلاً للنابغة :-

فبتُ كأني ساورتني ذميمةٌ من الرقش في أنيابها السم ناقع

لأن المغتصبون يحتفلون وأبناء أمتي يموتون.



أضف تعليقا

اضيف في 16 مايو, 2008 09:50 م , من قبل amjad68
من الأردن said:

اخي الفاضل زيد ابو زيد
تتميز دائما بطرح لمواضيع في غاية الاهمية
يرجى العلم ان مقالك تم ادراجة ضمن المقالات الخاصة بنكبة فلسطين
على الرابط
http://eshteyak.jeeran.com/palestine/archive/2008/5/569087.html



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية