نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
الثقافة والمجتمع الإنساني
بقلم :- زيد ابوزيد

أورد عالم الإنسانيات إدوارد تايلور مصطلح الثقافة لأول مرة للإشارة إلى العلاقات المعقدة لتجربة الإنسان التاريخية في الربط بين الماديات واللاماديات في إطار من التمايز بين مسارات تكوين الشخصية الإجتماعية ،

ولكن هذا المصطلح تطور فيما بعد  ليصبح  نمطاً للأفكار والأفعال التي يظهرها سياق نشاط جماعة إنسانية من أجل تحقيق غاياتها ،ورغبتها بما يميزها عن جماعات أخرى ،والحال ، " أنها تعبر حضارياً إلى ما وصل إليه الإنسان ،كما تحدد أسلوب حياته ونمط تعامله مع البشر .

وعلى الرغم من سيادة لفظ "ثقافة" كمرادف للفظ الإنجليزي "Culture"، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود اختلاف في الدلالات بين المفهومين، "الثقافة" في اللغة العربية من "ثقف" أي حذق وفهم وضبط ما يحويه وقام به، وكذلك تعني: فطن ذكي ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، وتعني: تهذيب وتشذيب وتسوية من بعد اعوجاج، وفي القرآن: بمعنى أدركه وظفر به كما في قوله تعالى: " مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً" (الأحزاب:61). و الفعل " ثقف" ، أي : بمعنى : حذق . و جاء في " لسان العرب " : " ثَقِفَ الشئ ثَقفا وثقافا وثقوفة : حذقه . ورجل ثَقَف ( بفتح الثاء والقاف ) وثَقِف ( بفتح الثاء وكسر القاف ) وثَقُف ( بفتح الثاء وضم القاف ) : حاذق فهم "، أما لفظ " الثقافة " ، فقد ورد كمصدر : بمعنى : الحذق . يقولون : " وثقف الرجل ثقافة : أي : صار حاذقا خفيفا " ، أي : ماهرا ، وبرغم وجود أصله في اللغة العربية القديمة ، الا أن استخدامه كان نادرا . أي بمعنى : الحذق في أي صنعة من الصناعات المادية والفكرية ، وهذا ما نص عليه في لسان العرب لابن منظور .

وبذلك يكون مفهوم "الثقافة" في اللغة العربية نابعاً من الذات الإنسانية ولا يُغرس فيها من الخارج،ويعني ذلك أن الثقافة تتفق مع فطرة الإنسان، و ما يخالف الفطرة يجب تهذيبه، فليس الأمر أن يحمل الإنسان قيمًا بل أن تتفق هذه القيم مع الفطرة الإنسانية ،وبما يحقق قيم الحق والخير والعدل، وكل القيم التي تُصلح الوجود الإنساني، دون أن تدخل تلك المعارف التي تفسد وجود الإنسان وتدمر مستقبل أجياله من بعده، وبالتالي ليست أي قيم وإنما القيم الفاضلة. أي أن من يحمل قيمًا لا تنتمي لجذور ثقافته الحقيقية فهذه ليست بثقافة وإنما غزو وإحلال لقيم الآخر.

ويبرز الاختلاف الواضح بين مفهوم الثقافة في اللغة العربية ومفهوم "Culture"في اللغة الإنجليزية، حيث يربط المفهوم العربي الإنسان بالنمط المجتمعي المعاش، وليس بأي مقياس آخر يقيس الثقافات قياسًا على ثقافة معينة مثل المفهوم الإنجليزي القائم على الغرس والنقل، وبذلك فإنه في حين أن الثقافة في الفكر العربي تتأسس على الذات والفطرة والقيم الإيجابية، فإنها في الوقت ذاته تحترم خصوصية ثقافات المجتمعات، وقد أثبت الإسلام ذلك حين فتح المسلمون بلادًا مختلفة فنشروا القيم الإسلامية المتسقة مع الفطرة واحترموا القيم الاجتماعية الإيجابية.

وإذا كان تايلور أول من اسخدم مصطلح الثقافة غربياً ، فإن المفكر المصري سلامة موسى هو أول من أفشى لفظ ثقافة مقابل "Culture"- متأثراً في  ذلك بالمدرسة الألمانية في تعريف ربط الثقافة بالأمور الذهنية، حيث عرّف الثقافة بأنها المعارف والعلوم والآداب والفنون التي يتعلَّمها الناس ويتثقفون بها، وميَّز بين الثقافة "Culture" المتعلقة بالأمور الذهنية والحضارة "Civilization" التي تتعلق بالأمور المادية.

ويعتبر مصطلح " الثقافة " من  المفردات الشائعة الآن في مجتمعاتنا العربية ،ويعد من أكثر المفردات خطورة لدى كل من المجتمع والدولة ،إذ لا يمكن لكليهما أن يعيشا أبدا من دون ثقافة أو مثقفين إذا ما كان لكل منهما منهج ومشروع للتقدم والتنمية ،وبذلك لا تكون الثقافة  مادة مبتذلة لدى الناس ، بل يستوجب ان تكون مادة حقيقية وقوية لاغناء العقل وتهذيب السلوك واتساع المعرفة وأسلوب حياة وحذاقة العمل .
 إن خصب المعنى يمنحنا القدرة للبحث عن التباينات في الرؤية لـ " الثقافة " لدى أي شعب من الشعوب او مجتمع من المجتمعات . إننا في ثقافتنا العربية التي تعتبر الى حد اليوم أخصب الثقافات بسبب أصالتها وتنوعها، ناهيكم عن حجم ما أنتج في الثقافة العربية مقارنة بالثقافات الأخرى نجد من  الصعب إطلاق صفة " المثقف " على هذا او ذاك ، فالمثقف الحقيقي في أي مجتمع يعد صاحب قيمة لا تتوفر بسهولة أبدا ،وهو الإنسان الحاذق والقادر على أن يحقق اعترافا وطنيا او وقومياً بابداعاته ، وهو القادر بالوقت نفسه على ان يوظّف إبداعاته في خدمة وطنه.

وقد اتخذت الثقافة معناها ايضا في حياتنا المعاصرة من أنماط السلوك المادية و المعنوية السائدة في مجتمع من المجتمعات التي تميزه عن سواه، واتسمت معانيها في العقود الأخيرة لترمز إلى جملة النشاطات و المشروعات و القيم المشتركة التي تكون أساس الرغبة في الحياة المشتركة لدى أمة من الأمم، و التي ينبثق عنها تراث مشترك في الصلات المادية و الروحية يغتني عبر الزمان ويغدو في الذاكرة الفردية و الجماعية إرثا ثقافيا بالمعنى الموسع لهذه الكلمة التي يبنى على أساسها مشاعر الانتماء والتضامن والمصير الواحد .

والثقافة لا يعلو شأنها إذا لم تجسد نسيجا متكاملا لمجتمع أحادي أو متعدد أو متنوع بحيث يعبر عن الأساسيات التي تختص به كله . وهنا يسمى بمجتمع متعدد الثقافات ، فيقبل التعددية مهما كان جنسها ونبذ ثقافة الفكر الواحد والقبول بالرأي الآخر.، هي حرية الفكر وحرية القول، وحرية العمل. وبالطبع هذه العوامل جميعها هي التي يرتقي المجتمع بجميع مناحيه الثقافية المجسدة لعملية التطور الإنساني في المسار الصحيح الحي النابض بكل شيء .

وعلى هذا النحو ، تتشكل  الثقافة في إطار نظام معرفي لا يمكن عزله عن العلاقة بين السلطة السياسية وفئات المجتمع،  لتتحدد على هذا النحو الثقافة النظامية السائدة وعلى هامشها إن صح التعبير يظهر الفكر المعارض الذي يحاول اختراق الأفكار السائدة وتغييرها ، إن تسييس الثقافة لم ينشأ صدفة لأن أدوات السلطة وأجهزتها لا يمكن لها وحدها أن تضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي بدون غلبة مفهوم الميل إلى قبول أو الاطمئنان إلى ما هو موجود إن الثقافة المسيسة عموما تعرض أشكالا من العلاقات غير قابلة للتغيير أو لا يستحسن تغييرها، لأنها العادة وتمنحها قوة البقاء بحكم القناعة أو القهر ،إن لزم الأمر.

ولما كان المثقف عنصرا من عناصر المجتمع ،فإن تحصيل الثقافة ونشرها من الأفعال الاجتماعية يترتب عليه إيجابيات وسلبيات تمس الآخرين أكثر من أي فعل آخر فقد يصدر عنه مقال يقرؤه آلاف الناس ويتأثرون به فيما الأفعال الأخرى قد لا يخرج تأثيرها عن نطاق فرد أو أكثر , على هذا النحو يظهر جوهر الثقافة في التزامها بقضايا المجتمع , إذ عندما يكون هناك حاجة للإعلان عن موقف بين العبودية والحرية لا مجال للحياد .

إن الذي يرفض محاربة الظلم وكبت الحريات وانعدام العدالة الاجتماعية ويرفض تبني قضايا مجتمعه وكفاحه من أجل إقامة مجتمع عادل وسعيد وحر  والذي يدعي الحياد ويرفض الوقوف إلى جانب المحتاجين إليه من أبناء مجتمعه والمحتاجين إلى ثقافته في إنارتهم فإنه في حقيقة الأمر يقف إلى جانب أولئك الذين يظلمون مجتمعه ويكبتون حريته , وبدون هذا الالتزام يصبح الفعل الثقافي تكديس معلومات من هنا وهناك وبدون أي هدف ، إذا استثنينا الفوضى وبلبلة الأفكار والحياد إزاء قضايا وهموم المجتمع .

والحال، إ ذا كانت الثقافة إحدى معالم نهضة المجتمع أو قابليته للنهوض وهي البناء النظري لعلاقاته ،فهي تزدهر بازدهاره وما يعنينا من مقولة ازدهار المجتمع ،لاكمية الإنتاج ونوعيته التي يوفرها ويعرضها المنتجون في السوق بغرض الإستهلاك لأن قيم السوق تظهر في ثقافة منحازة تقدس الملكية الفردية على حساب المجتمع،و تحث على إطلاق مبادرة عنوانها " الغاية تبرر الوسيلة ، و هدفها إنتاج التفوق "على حساب الحق والعدالة ،وفيها تحتل مكانها اللائق سيرة الرئيس العصامي الذي بدأ حياته العملية بائعا للصحف واستطاع من بعد أنيشق طريقه بثبات ليصبح رئيسا للجمهورية ،كما أنها تشرح مفاهيم الحاجة والحرية و الضرورة الصدفة بناء على ما ذكر  بهذا المعنى،أصبحت الثقافة إشباعا لحاجة ، ولا يمكن أن توجد ما لم توجد هذه الحاجة , ولكن مقياس هذه الحاجة هو وجود مستهلكين للمواد الثقافية لديهم الاستعداد لتحمل تكاليفها ،و من هنا تظهر ضرورة لتحفيز الطلب على الثقافة من جهة وحمايتها بتدخل الدولة بمؤسساتها المختلفة من فوضى العرض والطلب أولاً وحماية قيم المجتمع وعلاقاته القائمة على الشراكة والعدالة والمساواة من الإفساد ثانيا ،وهذا ما يعنينا ونحن نشير إلى ثقافة تكرسها الحاجة إلى تطوير سلطة سياسية جماهيرية تتوافق مع نظام معرفي ينتج ثقافة يستحقها عصر الجماهير .

وعليه ثمة ما يقال عن الغزو الثقافي ،إذ لا يمكن لمجتمع يشتق عاداته وأفكاره من الأساطير والتراث الخالص ، ويعجز مثقفوه عن مواكبة تطور المجتمع بإنتاج فكري مناسب ،لا يمكنه ادعاء الحصانة إزاء الثقافة الوافدة من المجتمعات الأخرى الأكثر تطورا حتى إذا كانت لا تناسب حاجاته ولا تقدم حلولا لمشاكله الإجتماعية والسياسية والإقتصادية .

والحال إن المثقف التقدمي ،والذي انطلاقا من التزامه نحو قضايا مجتمعه وقضايا الإنسانية جمعاء ،لا يمكن إلا أن يكون سندا لحركة التغيير التي تنشد عالما جديدا وعصرا جديدا يقوم على دعائم الحرية والإشتراكية وضمان كرامة الإنسانية لكل البشروهو ما تحفظه وتؤكد عليه النظرية العالمية الثالثة للمفكر الأممي "معمر القذافي " ، إبتداءاً من ثورة الفاتح من سيبتمبر حسب وحتى الآن تقدم خلاصة ما يمكن أن يطمح إليه كل تقدمي مخلص "يسعى لخير مجتمعه وأمته ، في إطار الفهم الدقيق لفكرة الديمقراطية والحرية القائمة على الإيمان بحق الشعب المطلق في الحكم والحرية.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية