نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
الديموقراطية بين الليبرالية والمباشرة؟

بقلم :- زيد ابوزيد

 أسمحو لي أن أبدأ  مقالي  بما بدأ فيه بديع الزمان ، في عصر لم يعد للسجع فيه مكان ، ولعلي أردت من وراء ذلك أن ألفت نظر القاريء إلى ترتيب الفوضى السائدة في هذا العالم الذي لم يعد يعرف أين مكان الإنسان في هذا الزمان،فمع تقلب الزمان ، ودوران الإنسان من مكان إلى مكان ، في البحثِ عن الحريةِ تحت أي عنوان ،جرب فيها حكم الفرد وحملة الصولجان ، وانتقل منها إلى حكام إدعى بعضهم الدفاع عن حقوق الإنسان ، بحكم تفويض الإله وعباد الرحمن ، فظهرت أهرام السلطة بأكثر من شكل وأكثر من مكان ، فقد جربت الشعوب من الحكم أشكالاً والوان ، حتى لم يعد الانسان يعرف أين العدل وأين الإمتهان ، فالحكم فيه نماذج إدعى فيها البعض من الحكام تمثيلهم لشعوبهم ودفاعهم عن مصالحها، وأن الديمقراطية تحققت في النموذج الذي إختاروه للحكم ، فظهرت العديد من الهياكل السياسية،وأفرز هذا أيضاً أشكالاً عديدة من الحكومات ، وما دامت عجلة الحياة تدور والصراعات مستمرة للبحث من الشعوب عن الحرية ومن غيرهم عن السلطة، فإن أشكالاً عديدة أخرى ستظهر،والفيصل هو في نضالات الشعوب للبحث عن الشكل الإنموذج الذي يناسبها وترتضيه من بين النماذج التي يدعي أصحابها بشرعيتها الشعبية والقانونية وربما الإلهية.

وأساس البحث من الكثيرين في عنوان الديمقراطية ،هو في كونها المستقبل، الذي تقوم عليه نهضتها وتقدمها ،حيث تدقق الشعوب في خياراتها لتقترب يوما فيوماً من الشكل الذي يستهوي نفسها ويقربها إلى فطرتها ويزيح جانباً الأشكال التلفيقية التي فرضت عليها منذ قرون طويلة، والتي تغيرت أكثر من مرة بنضالات الشعوب نحو الحرية ولكنها لم تصل بعد ،لأن طريق الحرية طويل ويحتاج إلى صبر طويل أيضاً وعمل أكثر.

و الديمقراطية مفهوم قديم يرتبط بالسياسة علماً وممارسة، وهو موضوع يمثل أهمية  كبرى بالنسبة لحياة البشر من أقدم العصور، وحتى يومنا هذا.

وإذا كان مصطلح السياسة قد اشتق من أصول لاتينية تعني في مجملها المدينة أو الدولة، أو من الأصل العربي ساس يسوس سياسة، بمعنى تدبير أمور الناس أو القيام بأمورهم، فقد أضاف الاسلام إلى هذا المعنى أمور الدين بلا فصل بينها وبين أمور الدنيا، ليترتب على هذا المفهوم العربي للسياسة معنى الزعامة والقيادة، لأن القيام بأمورالناس يتطلب بالتأكيد من يتولى هذه الأمور بحيث يصبح الذين يتولون أمور الناس هم الساسة، كما جاء في لسان العرب، وأولي الأمركما ورد في القرآن الكريم.

و كلمة الديمقراطية لغويّاً، كلمةٌ مركبة مِن كلمتين: الأولى مشتقة من الكلمة اليونانية ديمو Δήμος أو Demos وتعني عامة الناس أو شعبي، و الثانية كراسي Κρατία أو kratia وتعني حكم. و بهذا تكون الديمقراطية Demoacratia تَعني لغةً 'حكم الشعب' أو 'حكم الشعب لِنفسهِ'.

وقد قدم أبراهام لنكولن وصفا كلاسيكيا للديمقراطية في خطابه الشهير في جيتزبرج، إبان الحرب الأهلية الأمريكية عندما وصف الديموقراطية بأنها "حكومة الشعب، من الشعب، ومن أجل الشعب." ومعناها أن الشعب هو الذي يحكم السلطة، والشعب هو الذي يختار الحاكم، وهذا من أجل فائدة الشعب.

وقد عرف الفيلسوف هارولد لاسكي الديموقراطية بأنها كالحذاء، وفسرها بأن حذاء شخص لا يصلح بالضرورة لشخص آخر، وقد قال عنها الكاتب الفرنسي جورج بوردو في كتابه عن الديمقراطية:-إن الديمقراطية ترتبط فكرياً وعملياً بفكرة الحرية، فالحرية هي التعبير الخارجي  عن الإرادة، والديمقراطية هي التعبير القانوني عن استعمال الحرية في الجماعة  الانسانية، ومن ثم فإن الحرية لا تنفصل عن الديمقراطية.

وقد قال جون ديوي في كتابه القيم "الديمقراطية والدين":- الديمقراطية هـي أن يتمكن جميـع أفراد الشعب من الإفصاح عن مطالبهم بكامل الحرية ،وأن تناضل سياسياً بالوسائل المشروعة للتداول على السلطة بواسطة انتخابات  حرة ودورية. أما ميلي فيقول:-  الديمقراطية هي الحكم الذي يملك فيه كل فرد نصيباً، أي لكل فرد حرية الاختيار،  وإمكانية الوصول إلى السلطة بنضاله وعمله.

أما العلوم السياسية فقد قالت بأن الديمقراطية معناها حرية الرأي والتعبير والمعتقدات، وللناس الحق أيضاً في تكوين الأحزاب والجمعيات والتساوي أمام القانون لا فرق بين الحاكم والمحكوم، ولا بد من الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية؟، وأن تكون الانتخابات حرة، وأن يجري التداول على السلطة بالإقناع والانتخاب.علماً بأن هذا الفصل غير ممكن ابين السلطات الثلاث عملياً .

والديمقراطية قد تكون مباشرة يحكم فيها الشعب بغير وساطة أجهزة أخرى، وهذه  هي الصورة المثالية للديمقراطية كما عبّرت عنها النظرية العالمية الثالثة، حيث  يشارك الشعب في صنع الإرادة العامة واتخاذ القرار وتنفيذه من الشعب بلا وساطة  أو نيابة ، وشهد العالم القديم صوراً منها كما في نموذج الديمقراطية في أثينا القديمة وقد تكون الديمقراطية شبه مباشرة كما في نموذج الجمعية السويسرية ،وقد تكون ديمقراطية نيابية تقوم على وجود ممثلين عن الشعب في البرلمان مستقلين عن ناخبيهم.

أما أولى أشكال الديمقراطية فقد ظهرت في جمهوريات الهند القديمة، في فترة القرن السادس قبل الميلاد و سبقت ميلاد بوذا،وكانت تلك الجمهوريات تعرف بالـ ماها جاناباداس، ومن بين هذه الجمهوريات فايشالي التي كانت تحكم فيما يعرف اليوم ببيهار في الهند والتي تعتبر أول حكومة جمهورية في تاريخ البشرية. وبعد ذلك في عهد الإسكندر الكبير في القرن الرابع قبل الميلاد، و كتب الإغريق عن دولتي ساباركايي و سامباستايي، اللتين كانت تحكمان فيما يعرف اليوم بباكستان و أفغانستان، " وفقاً للمؤرخين اليونانيين الذين كتبوا عنهما في حينه فإن شكل الحكومة فيهما كان ديمقراطياً و لم يكن ملكياً".

لقد نمت معظم الديمقراطيّات القديمة في مُدنٍ صغيرة ذات ديانات محليّة أو ما يسمَّى بالمدينة-الدولة-،و هكذا فإِنّ قيام الإِمبراطوريات و الدول الكبرى مثل الإِمبراطورية الفارسيّة و الإِمبراطورية الهلّينية-الرومانيّة- والإِمبراطورية الصينية و الإِمبراطورية العربيّة-الإِسلامية- و الإِمبراطورية المغولية في العصور الوسطى و في معظم البلاد التي كانت تضمُّ الديمقراطيات الأولى قد قضى علَى هذه الدويلات الديمقراطية بل علَى فُرص قيامها أيضاً. لكنَّ هذا لا يعني أنَّ تطَوّراً بٱتجاهِ الديمقراطية لم يحصل في العصور الوسطى. و لكنّ معظم هذا التطوّر حصل علَى مُستوَى القِيَم و حقوق الأفراد. و قد ساهمت الدياناتُ الكبرَى كالمسيحية و الاسلام في تَوطيد قِيَمٍ و ثقافات ساعدت علَى ازدهار الديمقراطية فيما بعد.،وتناولت موضوع العدالة والحقوق والحرية.

ويقودنا الحديث عن المساواة والحرية إلى إن مصطلح الديمقراطية بشكله الإغريقي القديم- تم نحته في أثينا القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد والديمقراطية الأثينية عموماً يُنظر إليها على أنها من اولى الأمثلة التي تنطبق عليها المفاهيم المعاصرة للحكم الديمقراطي. كان نصف او ربع سكان أثينا الذكور فقط لهم حق التصويت، ولكن هذا الحاجز لم يكن حاجزاً قومياً و لا علاقة له بالمكانة الاقتصادية فبغض النظر عن درجة فقرهم كان كل مواطني أثنيا أحرار في التصويت و التحدث في الجمعية العمومية. وكان مواطنو أثينا القديمة يتخذون قراراتهم مباشرة بدلاً من التصويت على إختيار نواب ينوبون عنهم في إتخاذها. وهذا الشكل من الحكم الديمقراطي الذي كان معمولاً به في أثينا القديمة يسمى بالديمقراطية المباشرة أو الديمقراطية النقية. وبمرور الزمن تغير معنى "الديمقراطية" و إرتقى تعريفها الحديث كثيراً منذ القرن الثامن عشر مع ظهور الأنظمة "الديمقراطية" المتعاقبة في العديد من دول العالم.

و تعتبر نموذج الديمقراطية اللاتينية القديمة أول صورالديمقراطية الشعبيةعبر التاريخ البشري  كله. وارتكزت على ثلاثة أركان،و هي:-

1-وحدة السلطة:- أي اندماج كل السلطات على اختلافها في أيدي الشعب، لكي يمارسها بصورة  مباشرة.

2- المساواة:- من خلال المشاركة في الحكم وحرية التعبير والمساواة أمام القانون.

3- سيادة القانون:- أي هيمنـة الشعـب علـى تقـرير الحيـاة العامة.

أما بالنسبة للتنظيمات السياسية والإدارية الخاصة بتطبيق الديمقراطية المباشرة في  المجتمع الأثيني، فقد تمثلت في الجمعية العمومية ومجلس الخمسمئة والمحاكم، مما  يعبّر عن ممارسة السلطات العامة الثلاث، وهي:- التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعلى النحو التالي:-

أولاً :-  الجمعية العمومية:- تضم المواطنين الذكور من طبقة الأحرار ممن بلغت أعمارهم عشرين عاماً، وتستثني هذه الديمقراطية طبقة الأجانب، وطبقة العبيد، والنساء من المشاركة، و كانت الجمعيـة العامـة تعقـد في بداية القرن الخامس ق. م  عشر دورات عادية في السنة، مع امكانية دعوتها لعقد دورة طارئة عند الضرورة، وكان جدول الأعمال يعلن قبل أربعة أيام مع امكانية الحذف، أو الإضافة أو التعديل في أثناء الجلسة، وتختص الجمعية العامة، أو المؤتمر العام بوضع القوانين، وتعيين القضاة ومحاسبتهم والرقابة على الموظفين العموميين، كما كان لها أن تقرر أمور الحرب  والسلام، وعقد المعاهدات، ومراقبة الميزانية، وفرض الضرائب، وكان أعضاء هذه الجمعية يمارسون أسلوب الديمقراطية المباشرة في معالجة القضايا المطروحة أمام الجمعية، وأعطيت لهم الحرية الكاملة للحديث، وإبداء وجهة النظر في أي موضوع يثار،أو يطرح للحديث.

ثانياً:-  مجلس الخمسمئة :-كان بمثابة اللجنة التنفيذية للمؤتمر أو الجمعية العامة، ووظيفته الأساسية وضع قرارات الجمعية العامة أو المؤتمر موضع التنفيذ، ويتشكل من ممثلي القبائل  العشر المكونة لأثينا حيث تختار كل قبيلة خمسين ممثلاً لها في المجلس عن طريق  القرعة، وتستمر عضويتهم لمدة سنة فقط، على أن يكون العضو قد بلغ الثلاثين من  العمر فأكثر،ويقوم 59 عضواً من الخمسمئة بمهام الحكم والإدارة لمدة عشرة أيام في السنة ،وهؤلاء هم ممثلوا إحدى القبائل الخمسين، وممثل عن كل قبيلة من القبائل التسع الأخرى.

ثالثاً:-  المحاكم :-تتشكل المحاكم عن طريق اختيار كل من الوحدات الإدارية المائة بأثينا لمرشحين  يمثلونها بالهيئة القضائية، وكان للعضو في الهيئة القضية وظيفتان:- احداهما قاض والأخرى محلف، كما أن لأبناء مدينة أثينا حقاً في مقاضاة القانون نفسه، وامكانية ابطال تطبيق تشريع ما إلى حين البت في قانونيته.

إن المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، والحكم المباشر هي أهم سمات  الحضارة اليونانية، والتي جعلتها تحتل موقعاً فريداً بين الحضارات الإنسانية الأخرى، وما كان تصور المفكرين الأوروبيين في القرون الوسطى لفكرة الديمقراطية إلا انطلاقاً من التراث اليوناني القديم، مما حدا بالمفيلسوف هيجل أن يصفها "بأنها حرية حقة ومساواة حقة".ومبادىء هذه الديمقراطية:-

أ- مبدأ الحكم المباشر:-

لم تعرف الحضارة اليونانية القديمة النظام البرلماني المنتخب أو المعيَّن بل عرفت  نظام الجمعية الشعبية الذي بموجبه يجتمع جميع أفراد الشعب الذين تتوافر فيهم شروط معينة في مكان عام كانت ساحات المدرجات القديمة مكانها لأنها  تتسع لهم، ليتخذوا القرارات التي تخص شأن البلاد السياسية القانونية... الخ.، فالسيادة للشعب ولا يختص بها فرد أو طبقة، وكل القرارات يشرعها الشعب، وكل  القرارات التي تخص الشؤون السياسية والإدارية والقانونية تنبع منه وحده، وذلك  تطبيقاً لمبدأ الحكم المباشر.

ب -المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات:-

يتجلى ذلك في الآلية المتبعة عند الأثينيين عند اختيار من يتولى الوظائف العامة حيث تنعدم الفوارق بين المواطنين الأحرار من الذكور بسبب الثروة أو النفوذ أو الجاه.

ومما سبق يتضح لنا أن التنظيم السياسي لمدينة أثينا قامت من الناحية الفكرية والشكلية على أساس الديمقراطية المباشرة، حيث المشاركة الواسعة لطبقة المواطنين في  القيام بأعباء الحكم في ظـل نظام تتداخـل فيه السلطات الثلاث"التشريعية والتنفيـذية والقضائيـة"، ولكن يتضح لنا أن هذه الديمقراطية المباشرة في أثينا لم تنفذ بصورتها الكاملة المثلى. فعند الممارسة لم يتحقق مفهوم الديمقراطية المباشرة الحقة، لأن كلمة الديمقراطية وتعني حكم الشعب لم تأخذ بعين اعتبارها مشاركة كل المواطنين، فقد اقتصرت على طبقة محددة في المجتمع اليوناني، وهي طبقة الأحرار من الذكور فقط دون النساء، وحرمت طبقتي الأجانب والعبيد أيضاً، أي أن المشاركين يشكلون ثمن سكان المدينة على وجه التقريب، وهذا عيب كبير يسجل على التجربة.كما أن طبقة الأحرار قسمت إلى فئات جرى التفرقة بين هذه الفئات فطبقة الأشراف استأثرت بالحقوق السياسية وتفوق الأغنياء على الفقراء مما ترتب عليه صراع سلطة.

ورغم كل شيء إلاّ أن تجربة أثينا تعتبر الأولى من نوعها في التاريخ البشري ورغم كل القصور والسلبيات فلا شك أنها وضعت حجر الأساس للديمقراطية في صورتها  الطبيعية.،وقد عانت هذه، الديمقراطية من مثالب رئيسية اهمها:-

أ‌-       ِإن الأغلبية تستطيع استخدام قوتها لاضطهاد الأقلية.

ب‌- يمكن بسهولة جر الجماهير إلى موجة من العواطف، دون أن يقودها العقل.

ت‌- أن الناس قد يكونون مدعومين بمصالحهم الخاصة، على حساب مصالح المجتمع ككل.

ث‌- لأن الذين أسسوا النظام الديمقراطي كانوا فئة قليلة من الناس هم الذين قرروا من الذي يستحق أن يدخل في مسمى الشعب الحاكم ومن الذي لا يستحق، فاستثنوا النساء، والرقيق، وكل من كان من أصل ِِغير أثيني مهما طال مكثه فيها؛ وعليه فلم يكن الذين لهم حق المشاركة السياسية إلا نسبة ضئيلة من المواطنين.

ج‌-    كان يكفي لاعتبار الاجتماع منعقداً أن يحضره ستة آلاف مما يقدر بست وثلاثين ألف عضو، أي إن القرارات المتخذة فيه لم تكن قرارات تلك الفئة كلها التي أعطيت حق الحكم.

ح‌-    كانت مدة الاجتماع لا تتجاوز عشر ساعات؛ فلم يكن بإمكان الناس جميعاً أن يشاركوا في المداولات، وإنما كان الذي يستأثر بالكلام بعض قادتهم، وكانت البقية تابعة لهم.

ويرتبط بالديمقراطية المباشرة مبدأ الشورى ،فالإسلام جعل مسؤولية الحكم واجبة على جميع المسلمين، ولم يتركها ليحتكرهـا  شخـص أو جماعـة أو شريحة معينة وُيجسد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :-"إثنان خير من واحد وثلاثة خير من إثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع أمته إلاَ على هدى".

وقوله تعالى:-"وأمرهم شورى بينهم"." صدق الله العظيم"،والإسلام يدعو إلى العدل والإنصاف والمساواة في الحقوق والواجبات، والحرية في  الاعتقاد. ولم يدعو إلى التفرد بالحكم، بل دعا إلى الشورى ، فالإسلام حدد الملامح والإطار العام للدولة، وحدد  الأسس التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الإسلامية، فهي دولة تحترم حقوق الله، وتحترم  حقوق العباد، وتقوم على وحدانية الله، والإيمان وحده مصدر السلطات والتشريع ،ورغم أن هذه المبادئ والأسس كانت مغيبة في غالبية المجتمعات التي يفترض أن  تقوم على هذه الأسس، ولكي تتناغم النظرية العالمية الثالثة التي سنعرض لها لاحقاً مع الأسس والمبادئ  الاسلامية أكدت أن الدين أو العرف هو الشريعة الحقيقية لأي مجتمع، وما دون ذلك  فهو باطل، كما أن الحرية يلزم لها شريعة مقدسة لها أحكام ثابتـة، وقد أقـرت الجماهير في القطـر الليبي الشقيق في الملتقى العـام للمؤتمـرات الشعبيـة واللجان الشعبية والنقابات، وكذلك مؤتمر الشعب الذي انعقد في القاهرة عام 1977م "أن القرآن الكريم هو شريعة المجتمع في الجماهيرية الليبية"، وأن أساس النظام السياسي في الجماهيرية هي السلطة الشعبية المباشرة، وأن الشعب الليبي يمارس سلطته عن طريق مؤتمراته الشعبية والنقابات والاتحادات وروابط المهن ومؤتمر الشعب العام.

ولا بد من الإشارة إلى أن أنظمة الحكم التي عرفها الاسلام من عصر الخلافة إلى عصر الملوك لم تتطابق دوماً مع هذا التوجه الفكري، مما ترك الباب مفتوحاً  للاجتهادات من قبل بعض المفكرين، واستهجان هذا الأسلوب في الحكم، بل وانكاره كونه غير اسلامي، ومنهم من نقدها لدرجة اعتبارها لا تعبر عن مبادئ الإسلام،  التي يستند إليها في الحكم وسنعرض بعض الآراء التي تمثل الطوائف الاسلامية من هذه القضية فمثلاً الخوارج لا يرون أن هناك حاجة في الإسلام لخلافة أو إمامة، لأن الواجب عندهم (واجب الأمة) يتوقف على تطبيق أحكام الله، لأن الإمام لا حاجة  له عندما تقوم الدولة على العدل والمساواة وتنفيذ أوامر الله، وكذلك يرى بعض  المفكرين مثل الأستاذ علي عبدالرزاق أن الرسول عليه السلام كانت دعوته دينية لا نزوع فيها لحكم أو لملك ولا دعوة لدولة، ويضيف إن الدعوة تستلزم لنجاحها أن  يكون لحاملها نوع من الزعامة في قومه، ولكن ليس مثل زعامة الملوك والسلاطين على رعيتهم، إضافة إلى أن ديننا الحنيف ليس بحاجة لتلك الخلافة الفطرية.

ويضيف بعض المفكرين إن إقامة الخلافة ليست من الأمور المفروضة على المسلمين، وليست أصلاً في أصول الدين بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختر من يخلفه في الحكم، وإذا افترضنا أن الإجماع مصدراً للخلافة، فإن أول من خالف الإجماع هو أبوبكرالصديق عندما أوصى بأن يكون عمر بن الخطاب هو من يخلفه في الحكم.

وهنا لا بد من القول بأن الدولة الاسلامية في بداية عهدها كانت أقرب إلى الإسلام،  فقد تميزت بسمات الدولة الإسلامية التي تقوم على الشورى والعدالة، ولكنها بعد  ذلك أخذت منحى آخر مغايراً للأسس التي تقوم عليها فقد امتازت في بعض العهود بعد الخلافة الرشيدية بنوع من الاستبداد، والتفرد في السلطة.

وإذا كانت السياسة تعني الحكم في المفهوم الغربي الليبرالي؛ فقد ترتب عليـه وجـود ما عرف بعلاقة السلطة بين الحكام والمحكومين، وهي علاقة أمر وطاعة، وهذا ما مورس في المجتمـع القبلي الجاهلي عند العرب .

إلاّ أن نظام الاسلام جعل طاعة أولي الأمر مشروطة بطاعتهم لله والرسول، وأكد عقد البيعة بين الطرفين، آخذاً بمبدأ الشورى كأساس لهذا العقد وهذه البيعة كما جاء ذكـره فـي القـرآن  الكريم فـي قوله تعالى"  يا أيها الذين امنوا أطيعـوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " صدق الله العظيم .

وعلى كل حال فالديمقراطية الحقيقية تعني سلطة الشعب لا سلطة نائبه ،والديمقراطية الحقيقية لا تقوم إلا بوجود الشعب نفسه.

والديمقراطية كانت نقيضا للملكية -حكم الفرد-، والأوليغاركية -حكم القلة-، والأرستقراطية -حكم الفئة المميزة- ،لذا فقد تم تطوير نمط خاص من الديمقراطية اسمه الليبرالية، التمثيلية الديمقراطية، التي تحاول الجمع بين مزايا الديمقراطية، في الوقت ذاته الذي تتفادى فيه أو تقلل من الأخطار الكامنة على السلطة أو الزمرة الحاكمة،. وهذا النمط من الديمقراطية هو الذي يجتاح عالم اليوم.

وما دام الحديث عن الشعب وبأن الديمقراطية هي حكم الشعب ، فمن هو الشعب:-

والجواب هو كل فرد في المجتمع،والشيء المثالي، أن تكون القرارات ناتجة عن كل الشعب حتى تتحقق الديمقراطية الصحيحة ، ولهذا النموذج بحثه الخاص ، لأن هناك من يرى أن الديمقراطية التي تتطلب موافقة كل إنسان. صعبة التحقيق، وتستغرق وقتا طويلاً، ولذلك فقد إستعاض البعض بالديمقراطية الليبرالية التي تعمل وفق  بمبدأ الأغلبية؟،أي أن الناس يمثّلون أفضل تمثيل بأصوات الأغلبية، 50% زائد واحد،وفي الديمقراطيات الليبرالية، قد تتطلب القرارات الرئيسية أغلبيات عالية (مثل أغلبية الثلثين). وقد وُصفت الديمقراطية الليبرالية في بعض الأحيان بأنها "حكم الأغلبية وحقوق الأقلية."

من هنا فإن للديمقراطية الليبرالية رُكنين: حُكمُ الأكثريّة و حمايةُ حقوق الأقليات و الأفراد، و يتجلّى كلّ ركنٍ في عدَدٍ من المفاهيم و المبادِئ و وقد  تحيذَ دولةٌ أو مجتمع ما علَى هذه المفاهيم ، بل أنّ عدَداً من هذه المفاهيم خِلافِيّ لا يَلقَى إِجماعاً بَين دعاة الديمقراطية الليبرالية

أما بما يتعلق بـ"حكومة الشعب"،وعلى ماذا يجب أن يكون حكم الناس؟ وما هي القرارات التي يجب اتخاذها من قبل الناس كأفراد، وعائلات وشركات واتحادات، وما هي التي يتوجب أن تقرر الدولة بشأنها مجتمعة؟ فإذا كانت جميع القرارات ستتخذ بالإجماع، عندها لن تكون هنالك حرية. بل يكون المجتمع عندها تحت نظام شمولي، يتحكم في كل شيء. إنها تصبح "ديمقراطية شمولية" وفق تعبير جيه. دي. تالمون. ففي الديمقراطية الليبرالية، يكون دور الحكومة محدودا، بحيث يترك اتخاذ معظم القرارات للقطاع الخاص. لذا، فإن الديمقراطية الليبرالية تؤمن بحكومة محدودة. لا يجب أن يسمح للأغلبية بتقرير كل ما تشاء. الليبرالية الديمقراطية إذن تعارض الحكم غير المحدود من قبل الحكومة، حتى تلك المسماة بالديمقراطية.

أما  كيف يجب أن يحكم الشعب؟ فبعضهم يقول بأن الشعب يجب أن يحكم مباشرة. ويمكن أن يتم ذلك عن طريق الاستفتاء، أو الاجتماع العام، أو بشكل ديمقراطية مشاركة. ونظريا، يمكن تزويد كل مواطن بجهاز كومبيوتر، يستطيع من خلاله تسجيل صوته بالنسبة لكل قضية، وغالبية الأصوات هي التي تقرر سياسة الحكومة. بيد أن الدولة وجدت من أجل خدمة الناس. وتدعي الديمقراطية الليبرالية والتمثيلية أن الناس ليسوا موجودين دائماً لخدمة الدولة. ففي ظل الديمقراطية ، يتوجب على الناس إعطاء حياتهم كلها في الأبحاث والنقاشات والتصويت على كل قرار مجتمعي. ولن يكون لهم وقت لاتخاذ قرارات حول أمورهم الحياتية. لذا، ففي الديمقراطية الليبرالية، ينتخب الناخبون ممثليهم إلى الهيئات التشريعية (وفي بعض الأحيان التنفيذية) ليتولوا عنهم اتخاذ القرارات.

ويجب أن يتوفر لأولئك الممثلين الوقت والقدرة والشخصية للنظر في اتخاذ قرارات تخدم مصالح الناس أجمعين. أما مساءلة أولئك الممثلين فتتم من خلال انتخابات دورية. فإذا ما أهمل الممثلون مصالح الناس، يمكن إزاحتهم من مناصبهم.والهدف هو الحصول على تعادل بين الممثلين والحكومة المسؤولة،ممثلين عن مصالح وآراء جميع الناس، ومسؤولين عن النتائج طويلة الأجل التي تتأتى عن إجراءات الحكومة، في روح من الهدوء والمناقشات العقلانية. الديموقراطية الليبرالية تسمى في بعض الأحيان كديمقراطية تمثيلية، أو ديمقراطية غير مباشرة. وفي بعض الديمقراطيات الليبرالية، قد تجرى استفتاءات عند تغيير طبيعة النظام الدستوري، أو القوانين الأساسية التي يحكم الشعب بموجبها.

إن الديمقراطية وجدت كي تحمي الحرية فالسلطة السياسية معرضة دائما لسوء الاستعمال، من قبل أولئك الذين يملكون زمامها. والديمقراطية هي النظام الأوفر حظا في الدفاع عن الحقوق الطبيعية وحريات الناس والحيلولة دون سوء استعمالها. وقد سأل أرسطو هذا السؤال في إجابته على دعوة أفلاطون بأن يكون الحكم عن طريق حكمة الفلاسفة الحكام. "من الذي يحرس الحراس"؟ كيف يمكننا التأكد بأن الحكام لن يستخدموا سلطاتهم لخدمة مصالحهم الخاصة، بدلا من مصالح الناس؟ الضمان الأقوى ضد إساءة الاستعمال، هي أن الناس يملكون السلطة لإزاحة من هم في السلطة عن طريق الانتخابات.و الإدراك بأنه يمكن إخراجهم من مركز السلطة هو الرادع الأقوى ضد إساءة استخدام السلطة من قبل الحكام. وقد أعرب المفكر الفرنسي ألكسس دي توكوفيل عن رأيه بأن الخطر الأكبر من الديمقراطية يأتي من "استبداد الأغلبية." لقد كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية على وعي تام بالأخطار التي تهدد الحرية من جميع من يملكون السلطة. وقد كتب الكسندر هملتون في الأوراق الفيدرالية في عام  1787 م  ما يلي: "الرجال يعشقون السلطة. أعطي السلطة كلها للكثرة، وسوف يستبدون بالقلة. وأعطي السلطة للقلة، وسوف تستبد بالغالبية."

وقد حدّد اللورد أكتون، المؤرخ البريطاني، المثالب نفسها في النظم الديمقراطية حيث قال: "السر السائد في الديمقراطية هو استبداد الأغلبية، أو بالأصح الحزب، الذي لا يشكل دائما الأغلبية، والذي ينجح بالقوة أو التزوير في كسب الانتخابات." الديمقراطية الليبرالية إذن هي الديمقراطية المحدودة، والتي تضع قيودا على سلطات الحكومة، حتى وإن كانت تمارس بموافقة الأغلبية. وبذلك، حقوق الأقليات والأفراد يجب أن تصان.

يجب ضمان أن مصالح الشعب هي التي تنمّى وتُخدم، وليس فقط مصالح الحكام؟ بسبب الانتخابات الدورية، يعرف السياسيون بأنهم إن أهملوا مصالح الشعب، فإنهم سوف يُطردون من الحكم. جيرمي بنثام، كان صاحب نظرية المنفعة، والتي أصبحت اليوم أساس الاقتصاد الحديث. وقد كان يدعو إلى "السعادة القصوى للغالبية القصوى من الناس." لقد كان داعية من دعاة الديمقراطية، التي كان يعتبرها الوسيلة الوحيدة لخدمة مصالح الشعب.

والديمقراطية تسعى إلى تعظيم مصالح الشعب، وعلى الرغم من أنه لا يمكن تلبية مصالح الجميع، فإن جميع المصالح سوف تؤخذ بالاعتبار، لأن كل شخص هو بالقابلية صاحب حق بالتصويت، وبالتالي يملك القدرة على إبقاء وإنجاح المرشحين للمناصب العامة. "وحيث أن سعادة الناس هي الهدف الوحيد للحكومة، لذا، فإن رضا الشعب هو الأساس الوحيد لها، عقليا وأخلاقيا واستتباب الأمور طبيعيا،" وفق ما قاله جون آدمز، أحد أوائل رؤساء الولايات المتحدة.

لقد كان التشكك الإغريقي تجاه الديمقراطية مبنيا إلى حد ما على التخوف من أن عامة الجماهير غير المتعلمة هي أقل الفئات جدارة باتخاذ القرارات.

الجماهير تدفعها العواطف والنزوات والغرائز مثل الحسد والغضب، بدلا من العقل والنقاش الهادف والهادئ. والديمقراطية التمثيلية وضعت للتأكد قبل اتخاذ القرارات من دراسة العواقب وتداعيات أي قرار دراسة كاملة. ويتوجب على الجمهور النظر في القضايا بعناية، وتقديم آرائهم المختلفة حول كل قضية.و يجب أن يتوفر لدى الممثلين المنتخبين الوقت، والتعليم والحكمة لمناقشة ودراسة القوانين والقرارات نيابة عن الشعب. ولهذا السبب وجب أن تكون الديمقراطية تمثيلية وليست مباشرة، كما يدعي منظروا الديمقراطية التمثيلية في محاولة للخروج عن مبدأ الحكم المباشر وإيكال مهمة الحكم لكل الشعب.

وهذا هو السبب كذلك، بأن يكون المسؤول المنتخب ممثلا وليس وكيلا، ومشدودا إلى آراء ناخبيه. وقد أعرب إدموند بيرك، المفكر البريطاني، عن ذلك في خطاب له إلى الناخبين في مدينة بريستل حيث قال: "ممثلكم مدين لكم ليس فقط بجهده، ولكن أيضا بحكمه، وإنه يخونكم بدلا من خدمتكم إذا ضحى بذلك إرضاء لرأيكم." يجب أن لا يتصرف البرلمان كمجلس كونغرس للسفراء، يمثلون مصالح مختلفة بل "هو مجلس نقاش لأمة واحدة، لها مصلحة واحدة، هي مصلحة الجميع." الممثلون هناك موجودون للنظر في مصالح المجتمع أو الأمة كمجموع، وليس فقط مصالح أولئك الذين انتخبوه أو انتخبوها."

إن النظم السياسية تحتاج إلى الاستقرار، مع القدرة على اتخاذ القرارات على المدى البعيد.و خير وسيلة لتحقيق الاستقرار هي شرعية، سلطة اتخاذ القرارات أو الحق في تولي الحكم. وتحتاج الدولة إلى قبول الناس بحكمها حتى وإن اختلفوا معها حول قرار ما، وبالأخص قبول أولئك الذين هم خارج الحكم. ولا يحتاج الناس إلى القبول بكل قرار، بل حول كيفية اتخاذ القرارات، أي العملية وليس النتيجة.

الديمقراطية الليبرالية ليست الأكثر احتمالا في توفير الشرعية، لأن السلطة تمارس بموافقة ممثلي الشعب.وليس الشعب ولا يوجد لكل إنسان الفرصة للإعراب عن وجهات نظره ومصالحه، والاشتراك في العملية والسعي لتسلّم زمام الحكم. إن القبول الشعبي يتأتى عن طريق الديمقراطية المباشرة وهي العملية  الشفافة. والأكثر استقراراً لأنها تتمتع بالشرعية في عيون الناس.

أما الديمقراطية الليبرالية فتنطوي على أكثر من مجرد شخص واحد وصوت واحد. إنها تحتاج إلى خصائص معينة لكي تصبح ديمقراطية عاملة.

يجب أن يتمتع كل إنسان تقريبا بحق التصويت، التصويت الشمولي. فإذا أردنا أن نضمن بأن مصالح كل إنسان سوف تكون موضع اعتبار على أقل تقدير، عندها يتوجب أن يكون لكل إنسان حق المشاركة الفعلية في الحكم بدون أية استثناءات ،والاستثناء يجب أن يبرّر بحجج قوية، على سبيل المثال، الأطفال.

ولأن الديمقراطية التمثيلية تقوم على أساس وجود المجلس النيابي"البرلمان" ،والمجلس النيابـي يقـوم أساساً نيابـة عـن الشعب، وهذا غير ديمقراطي، ويتنافى مع  قواعد الديموقراطية الحقيقية، ولأن الديموقراطية الحقيقية تعني سلطة الشعب كل  الشعب، وفي ظل المجلس النيابي يغيب الشعب، إذاً الديموقراطية الحقيقية لا توجد ولا تكون إلاّ بوجود الشعب، وليس بوجـود نواب عنـه، وحسب النظـرية العالميـة  الثالثة فإن السيادة يجب أن تكون سيادة شعبية، لتعبر تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب، كل الشعب بأفراده وهيئاته، وليس عن مجموعة تاريخية من البشر هي الأمة القومية، بل ويجب أن تعبر عن الشعب في الدولة في أي وقت، وأي مرحلة من مراحل تطوره .

إن دور الشعوب فـي ظـل الأنظمـة الليبرالية هو الوقوف في طوابير طويلة، لانتظـار دورهم فـي وضـع أوراق في صناديق كـل عدة سنوات، أما التعبير عن السيادة فإنه ليس من حقهم بل إنها حكراً علـى المتحذلقين في المجتمع نيابة عن الشعب كله، وبذلك أصبح التمثيل في مجتمعات أوروبا المعاصرة قائم على فكرة تمثيل الجماعات، أو الهيئات دون الأفـراد، مما حدا بالديمقراطية الأوروبية لأن تصبح  حكومة الفئة، أو الأقلية ذات المصلحة الاقتصادية الواحدة، أو الأيديولوجيا الواحدة. ومن هنا نرى أن للديمقراطية الغربية الليبرالية نماذج  عدة كالنموذج السويسري-نظام الجمعية- ، أو النموذج البريطاني -البرلماني-، أو النموذج الرئاسي الأمريكي، فلكل منها خصوصيته، ولكل مجتمع عاداته وتقاليده، وإذا كانت الديمقراطية الليبرالية هي أساس أنظمة الحكم في الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، فذلك كأسس عامة وخطوط عريضة، ولكن اجتهاد كل مجتمع  فيها ضمن خصوصيته أفرز نظماً سياسية متنوعة.

الحكومة في النظام الليبرالي يفرزها الحزب الذي ينجح في الانتخابات، فهي حكومة حزبية أي حكومة الأغلبية الحزبية، وليس كما يدعي البعض بأنها حكومات برلمانية، وأن التعددية الحزبية وصراعها من أجل السلطة قد جعل من البرلمان مطية  للوصول إلى السلطة.

وفي المجتمعات الليبرالية وعند الترشيح للانتخابات، فإن الثمن الباهظ المطلوب  للدعاية الانتخابية لا يستطيع أي فرد تحمله؛ لذلك فأي شخص يرغب بترشيح نفسه  للانتخابات لا يستطيع ذلك ما لم يكن ضمن حزب ما، إضافة إلى قدرة الأحزاب  على توجيه الرأي العام لصالحها من خلال امتلاكها لوسائل الإعلام المختلفة  المسموعة المرئية، والتي تجيرها لصالحها.

وبعض دساتير الأنظمة الليبرالية تمنع الجمع بين البرلمان والحكومة مثل فرنسا  إلاّ أن جميع الوزراء ينتمون إلى الحزب السياسي الفائز الذي يشكل أغلبية حزبية  داخل مجلس النواب الفرنسي، وهكذا فالصراع بين أحزاب المعارضة وأحزاب  الأغلبية هو صراع على السلطة، والبرلمان هو ساحة هذا الصراع، والبرلمان هو في الحقيقة يدعم الحكومة بدلاً من ممارسة دوره الرقابي؛ فالسلطات التي يمارسها رئيس الجمهورية على وزرائه أشد، وأكبر من سلطات الهيئة التشريعية على مجلس البرلمان.

يتضح لنا مما سبق بأن الحكومات في أوروبا جميعها حكومات حزبية، والمجالس البرلمانية عبارة عن تجمع للأحزاب ، والمال هو المحرك الرئيس في هذه اللعبة، فقوة المال في المجتمع البرجوازي تضغط وبشكل مستمر باتجاه تشكيل أحزاب سياسية، بل وتضغط على الرأي العام كله من خلال وسائل الإعلام، فالمال هو اللاعب الأول في المسرح السياسي، فيه يتم التحكم بتشكيل وبلورة إرادة الناخبين، وبذلك تعكس  الحكومات والبرلمانات السيطرة الاقتصادية في المجتمع.

وفي الديمقراطية الليبرالية  هناك غياب  لضوابط تجنب خطر استبداد الأغلبية أو الأقلية، و تركز السلطة في أيدي أي فرد أو مؤسسة. لذا، بينما في ظل نظام الديمقراطية المباشرة، توجد الضوابط والموانع المتقابلة، لمنع تركيز السلطة، وبالأخص في السلطة التنفيذية. حيث السلطة التنفيذية مسؤولة عن أفعالها أمام المؤتمرات الشعبية الأساسية "أداة الحكم في الديمقراطية المباشرة"،

والديمقراطيات الليبرالية غير كاملة، بسبب أنها تسعى لتحقيق توازن بين التمثيل والمسؤولية، وأن تستجيب لرغبات ومصالح الناخبين، في الوقت الذي تضمن فيه اتخاذ قرارات جيدة لها نتائج حميدة على المدى البعيد.

وحتما، لا يمكن تحقيق مثل هذا التوازن تحقيقا كاملا، ومع ذلك لا يوجد أي نظام سياسي آخر يشارك في هذين الهدفين. إن ثمن الديمقراطية هو الجهد الدائم لضمان وجود حكومة تكون ممثلة ومسؤولة في آن معا.

ونقطة الأساس في نظم الديمقراطيات التقليدية أنها اتجاه سياسي يستهدف نقل السلطة سياسياً وقانونياً من الملك إلى الشعب، أو من الحاكم الى المحكوم وحق الشعب في ممارسة سلطة التقرير  النهائي  لمستقبله ، وفي اختيار النظام الذي يناسبه ،  وتعيين الحكومة التي يرتضيها لتصريف  شؤونه، وهذا ما يميّزها عن الحكم الفردي، حيث السيادة مركزة في يد فرد واحد،  كما تميزها عن الحكم الأرستقراطي حيث السيادة مركزة في يد فئة قليلة من الأفراد أما المصادر الفكرية لهذه النظرية -سيادة الشعب-، فنجدها في نظريات القرنين  السابع عشر والثامن عشر في أوروبا لمجموعة من مفكري الاقتصاد والتربية والسياسة من أمثال جون لوك ، وجان جاك روسو وكذلك مونتسيكو في كتابه  الشهير "روح القوانين" .

وقد انطلقت على أساس هذه النظريات حركة الديمقراطيات التقليدية في أمريكا أولاً، ثم في أوروبا إلاّ أنه وبسبب اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية  لتلك الدول أمكن ظهور صور متعددة من الحكومات

وحتى لا يفهم من كل ما تقدم أن الديمقراطية الليبرالية هي الديمقراطية نقول عادةً أن الديمقراطيّة الليبراليّة هي شكل من أشكال الحكم السياسي قائمٌ بالإجمال علَى التداول السلمي للسلطة و حكم الأكثريّة و حماية نسبية لحقوق الأقليّات و الأفراد. و تحت هذا النظام أو درجةٍ من درجاتهِ يعيش في بداية القرن الواحد و العشرين ما يزيد عن نصف سكّان الأرض في أوروبا و الأمريكتَين و الهند وأنحاء أخرَى. و يعيش معظمُ الباقي تحت أنظمةٍ تدّعي نَوعاً آخر من الديمقراطيّة (كالصين التِي تدّعي الديمقراطيّة الأشتراكيّة). و يمكن استخدام مصطلح الديمقراطية بمعنى ضيق لوصف نظام الحكم في دولة ديمقراطيةٍ، أو بمعنى أوسع لوصف مجتمع حر،حيث  الديمقراطية الشعبية المباشرة فقط من يضمن فكرة التوازن في المجتمع

وتعتمد كل أشكال الحكومات على شرعيتها السياسية، أي على مدى قبول الشعب بها، لانها من ذلك القبول لا تعدو كونها مجرد طرف في حرب أهلية، طالما ان سياساتها و قراراتها ستلقى معارضة ربما تكون مسلحة. و بإستثناء من لديهم إعتراضات على مفهوم الدولة كالفوضويين و المتحررين (Libertarians) فإن معظم الناس مستعدون للقبول بحكوماتهم إذا دعت الضرورة. والفشل في تحقيق الشرعية السياسية في الدول الحديثة عادة ما يرتبط بالإنفصالية و النزاعات العرقية و الدينية أو بالاضطهاد وليس بالإختلافات السياسية، إلا أن ذلك لا ينفي وجود أمثلة على الإختلافات السياسية كالحرب الأهلية الإسبانية وفيها إنقسم الإسبان إلى معسكرين سياسيَيْن متخاصمَيْن.

و تتطلب الديمقراطية وجود درجة عالية من الشرعية السياسية لأن العملية الإنتخابية الدورية تقسم السكان إلى معسكرين "خاسر" و "رابح". لذا فإن الثقافة الديمقراطية الليبرالية تتضمن قبول الحزب الخاسر و مؤيديه بحكم الناخبين وسماحهم بالإنتقال السلمي للسطة و بمفهوم "المعارضة الموالية" أو "المعارضة الوفيّة". فقد يختلف المتنافسون السياسيون و لكن لابد أن يعترف كل طرف للآخر بدوره الشرعي، و من الناحية المثالية يشجع المجتمع التسامح و الكياسة في إدارة النقاش بين المواطنين. وهذا الشكل من أشكال الشرعية السياسية ينطوي بداهةً على أن كافة الأطراف تتشارك في القيم الأساسية الشائعة. وعلى الناخبين أن يعلموا بأن الحكومة الجديدة لن تتبع سياسات قد يجدونها بغيضة، لأن القيم المشتركة ناهيك عن الديمقراطية تضمن عدم حدوث ذلك.

إن الإنتخابات الحرة لوحدها ليست كافية لكي يصبح بلد ما ديمقراطياً: فثقافة المؤسسات السياسية و الخدمات المدنية فيه يجب أن تتغير أيضاً، وهي نقلة ثقافية يصعب تحقيقها خاصة في الدول التي إعتادت تاريخياً أن يكون انتقال السلطة فيها عبر العنف. وهناك العديد من الأمثلة المتنوعة كفرنسا الثورية و أوغندا الحالية و إيران التي إستطاعت الإستمرار على نهج الديمقراطية بصورة محدودة حتى حدثت تغييرات ثقافية أوسع وفتحت المجال لظهور حكم الأغلبية.

ولم يكن يوجد في عام 1900 نظام ديمقراطي ليبرالي واحد يضمن حق التصويت وفق المعايير الدولية، ولكن في العام 2000 كانت 120 دولة من دول العالم او ما يوازي 60% من مجموعها تعد نماذجها من  الديمقراطيات اليبرالية.

لم يتخذ توسع الديمقراطية في القرن العشرين شكل الإنتقال البطيء في كل بلد على حدة، بل شكل "موجات ديمقراطية" متعاقبة، صاحب بعضها حروب و ثورات. وفي بعض الدول تم فرض الديمقراطية من قبل قوى عسكرية خارجية. و يرى البعض ذلك تحريراً للشعوب؟. وقد أنتجت الحرب العالمية الأولى الدول القومية في أوروبا والتي كان معظمها ديمقراطياً بالإسم فقط ،و في البداية لم يؤثر ظهور هذه الدول على الديمقراطيات التي كانت موجودة حينها كفرنسا و بريطانيا و بلجيكا و سويسرا التي إحتفظت بأشكال حكوماتها. إلا أن تصاعد مد الفاشية في ألمانيا النازية و إيطاليا ، موسوليني و نظام الجنرال فرانكو في أسبانيا و نظام أنطونيو دي أوليفيرا سالازار في البرتغال ساهمت كلها في تضييق نطاق الديمقراطية في ثلاثينيات القرن الماضي وأعطت الإنطباع بانه "عصر الحكام الدكتاتوريين" بينما ظلت معظم الدول المستعمرة على حالها.

لقد تسببت الحرب العالمية الثانية بحدوث إنتكاسة شديدة للتوجه الديمقراطي في أوروبا الشرقية. فإحتلال ألمانيا و دمقرطتها ليبرالياً من قبل قوة الحلفاء العليا خدمت كنموذج للنظرية التي تلت و الخاصة بتغيير النظام، ولكن نصف أوروبا الشرقية أرغم على الدخول في الكتلة السوفيتية ذات الديمقراطية الشمولية"الحزب الشيوعي الأوحد". وتبع الحرب إزالة الإستعمار، ومرة أخرى سادت في معظم الدول المستقلة الحديثة دساتير لا تحمل من الديمقراطية سوى التسمية فقط. وفي العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية إمتلكت معظم الدول الديمقراطية الغربية اقتصاديات السوق الحرة و التي نجم عنها دول الرفاهية الشكلية، وهو ما عكس إجماعاً عاماً بين الناخبين والأحزاب السياسية في تلك الدول أما في الخمسينات و الستينات فقد كان النمو الاقتصادي مرتفعاً في الدول الغربية و الشيوعية على حد سواء، و من ثم تناقص ذلك النمو في الدول الشيوعية. وبحلول عام 1960 كانت الغالبية العظمى من الدول أنظمة ديمقراطية بالإسم فقط، وهكذا فإن غالبية سكان العالم كانت تعيش في دول شهدت إنتخابات معيبة و أشكالاً أخرى من التحايل (وخاصة في الدول الشيوعية)،وجميع دول العالم الثالث.

وقد أسهمت الموجات المتعاقبة من الدمقرطة في تسجيل نقاط إضافية قصيرة المدىللديمقراطية الليبرالية للعديد من الشعوب. أما الضائقة الاقتصادية في ثمانينات القرن الماضي فقد ساهمت إلى جانب الإمتعاض من قمع الأنظمة الشيوعية في إنهيار الإتحاد السوفيتي وإنهاء الحرب الباردة و دمقرطة و تحرر دول الكتلة السوفيتية السابقة. وأكثر الديمقراطيات الجديدة نجاحاً كانت تلك القريبة جغرافياً و ثقافياً من دول أوروبا الغربية، وهي الآن إما دول أعضاء او مرشحة للإنتماء إلى الإتحاد الاوروبي وقد أعطت حرب الخليج الثانية والثالثة التي إنتهت بإحتلال العراق المثال على وحشية الوجه السياسي لهذا النموذج  المسمى بالليبرالية.

الديمقراطية النيابية نظام سياسي يصوت فيه أفراد الشعب على إختيار أعضاء الحكومة الذين بدورهم يتخذون القرارات التي تتفق و مصالح الناخبين. وتسمى بالنيابية لأن الشعب لا يصوت على قرارات الحكومة بل ينتخب نواباً يقررون عنهم. وقد شاع هذا الشكل من الحكم الديمقراطي في العصور الأخيرة و شهد القرن الماضي تزايداً كبيراً في اعداد نظم الحكم هذه ،و لهذا صار غالبية سكان العالم يعيشون في ظل حكومات ديمقراطية نيابية ، وبالإمكان تقسيم الديمقراطيات إلى ليبرالية تسمى مجازاً (حرة) و غير ليبرالية (غير حرة). فالديمقراطية الليبرالية شكل من أشكال الديمقراطية تكون فيها السلطة الحاكمة خاضعة لسلطة القانون و مبدأ فصل السلطات، وفي نفس الوقت تضمن للمواطنين حقوقاً مصانة نسبياً. أما الديمقراطية غير الليبرالية (غير الحرة) فهي شكل من أشكال الديمقراطية لا توجد فيها حدود تحد من سلطات النواب المنتخبين ليحكموا كيفما شاؤوا.

إن الديمقراطية كشكل من أشكال الحكم هي اشتِراك الشعب في حكم نفسه، وعادة ما يكون ذلك عبر حكم الاغلبية عن طريق نظام للتصويت و التمثيل النيابي. و لكن بالحديث عن المجتمع الحر فإن الديمقراطية تعني حكم الشعب لنفسه بصورة منفردة من خلال حق الملكية الخاصة و الحقوق و الواجبات المدنية (الحريات و المسؤوليات الفردية) وهو ما يعني توسيع مفهوم توزيع السلطات من القمة إلى الأفراد المواطنين. والسيادة بالفعل في المجتمع الحر هي للشعب و منه تنتقل إلى الحكومة وليس العكس.

لأن مصطلح الديمقراطية يستخدم لوصف أشكال الحكم و المجتمع الحر بالتناوب، فغالباً ما يُساء فهمه لأن المرء يتوقع عادة أن تعطيه زخارف حكم الأغلبية كل مزايا المجتمع الحر. إذ في الوقت الذي يمكن فيه أن يكون للمجتمع الديمقراطي حكومة ديمقراطية فإن وجود حكومة ديمقراطية لا يعني بالضرورة وجود مجتمع ديمقراطي. لقد إكتسب مصطلح الديمقراطية إيحاءً إيجابياً جداً خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى حد دفع بالحكام الدكتاتوريين الشموليين للتشدق بدعم "الديمقراطية" وإجراء إنتخابات معروفة النتائج سلفاً. وكل حكومات العالم تقريباً تدعي الديمقراطية. كما إن معظم الآيديولوجيات السياسية المعاصرة إشتملت ولو على دعم بالإسم لنوع من أنواع الديمقراطية بغض النظر عما تنادي به تلك الآيديولوجيات. و هكذا فإن هناك إختلافات مهمة بين عدة أنواع مهمة من الديمقراطية.

تمنح بعض الأنظمة الإنتخابية المقاعد البرلمانية وفق الأغلبية الإقليمية. فالحزب السياسي او الفرد المرشح الذي يحصل على معظم الأصوات يفوز بالمقعد المخصص لذلك الإقليم. وهناك انظمة إنتخابية ديمقراطية أخرى، كالأشكال المتنوعة من التمثيل النسبي، التي تمنح المقاعد البرلمانية بناءَ نسبة الاصوات المنفردة التي يحصل عليها الحزب على المستوى الوطني.إحدى أبرز نقاط الخلاف بين هذين النظامين يكمن في الإختيار بين أن يكون لديك ممثل قادر على أن يمثل إقليما أو منطقة معينة من البلاد بشكل فاعل، وبين أن تكون كل أصوات المواطنين لها قيمتها في إختيار هذا الممثل بغض النظر عن مكان إقامتهم في البلد. بعض الدول كألمانيا و نيوزيلندا تعالج هذا النزاع بين شكلي التمثيل هذين بتخصيص نوعين من المقاعد البرلمانية الفيدرالية. النوع الاول من المقاعد يتم تخصيصه حسب الشعبية الإقليمية و الباقي يتم تخصيصه للأحزاب بمنحها نسبة من المقاعد تساوي - أو ما يساوي تقريباً - الأصوات التي حصلت عليها على المستوى الوطني. ويدعى هذا بالنظام المختلط لتمثيل الأعضاء النسبي.

والحل كما أسلفنا  في الديمقراطية المباشرة، و فيها يجب أن يشارك المواطنون مشاركة مباشرة - لا من خلال نوابهم - في وضع القوانين و السياسات. ويعرض المدافعون عن الديمقراطية التشاركية أسباباً متعددة لدعم رأيهم هذا. فالنشاط السياسي بحد ذاته يمكن أن يكون شيئاً قيماً لأنه يثقف المواطنين و يجعلهم اجتماعيين، كما إن بإمكان الإشتراك الشعبي وضع حد للنخب المتنفذة. كما إن الأهم من ذلك كله حقيقة ان المواطنين لا يحكمون أنفسهم فعلاً إن لم يشاركوا مباشرة في صنع القوانين و السياسات.

إن الديمقراطيات الليبرالية المعاصرة من تعريفها تسمح بالتغييرات الدورية في الحكومات. وقد جعلها ذلك تتعرض إلى النقد المألوف بأنها أنظمة ذات تركيز قصير المدى. فبعد أربعة أو خمسة سنوات ستواجه الحكومة فيها إنتخابات جيدة وعليها لذلك ان تفكر في كيفية الفوز في تلك الإنتخابات. وهو ما سيشجع بدوره تفضيل السياسات التي ستعود بالفائدة على الناخبين (أو على السياسيين الإنتهازيين) على المدى القصير قبل موعد الإنتخابات المقبلة، بدلاً من تفضيل السياسات غير المحبوبة التي ستعود بالفائدة على المدى الطويل. و هذا الإنتقاد يفترض بإمكانية الخروج بتوقعات طويلة المدى فيما يخص المجتمع وهو أمر إنتقده كارل بروبر واصفاً إياه بالتاريخية (Historicism).إضافة إلى المراجعة المنتظمة للكيانات الحاكمة فإن التركيز قصير المدى في الديمقراطية قد ينجم أيضاً عن التفكير الجماعي قصير المدى. فتأمل مثلاً حملة ترويج لسياسات تهدف إلى تقليل الأضرار التي تلحق بالبيئة في نفس الوقت الذي تتسبب فيه بزيادة مؤقتة في البطالة. ومع كل ما سبق فإن هذه المخاطرة تنطبق كذلك على الانظمة السياسية الأخرى

ومن النقاط التي تُحسب للديمقراطية هو في خلق نظام يستطيع فيه الشعب أن يستبدل الإدارة الحاكمة من دون تغيير الأسس القانونية للحكم، تهدف من خلاله الديمقراطية إلى تقليل الغموض وعدم الإستقرار السياسي، و طمأنة المواطنين بأنه مع كل إمتعاضهم من السياسات الحالية فإنهم سيحصلون على فرص منتظمة لتغيير حكامهم أو تغيير السياسات التي لا تتفق و آرائهم. وهذا نظام أفضل من الذي تحدث فيه التغييرات عبر اللجوء إلى العنف. البعض يعتقد بأن الإستقرار السياسي أمر مفرط إذا ما بقيت المجموعة الحاكمة في مدة طويلة على سدة الحكم. ومن ناحية أخرى هذا امر شائع في الانظمة غير الديمقراطية

كما و إن الديمقراطية التعددية كما يظهر من تعريفها تعني أن السلطة ليست مركزة. و من الإنتقادات التي توجه إلى الديمقراطية أن عدم تركز السلطة هذا في الديمقراطية قد يكون من السيئات إذا كانت الدولة في حالة حرب حيث يتطلب الأمر رداً سريعاً و موحداً. فعادة يتعين على البرلمان إعطاء موافقته قبل الشروع بعملية عسكرية هجومية، رغم أن بإمكان الفرع التنفيذي أي الحكومة في بعض الاحيان القيام بذلك بقرار خاص و إطلاع البرلمان على ذلك. ولكن إذا ما تعرض البلد الديمقراطي إلى هجوم عسكري فالموافقة البرلمانية لن تكون ضرورية للشروع بالعمليات الدفاعية عن البلاد. بإمكان الشعب أن يصوت قرار بتجنيد الناس للخدمة في الجيش. أما الأنظمة الملكية و الدكتاتورية فتستطيع من الناحية النظرية في حالات الحرب التصرف فوراً و بقوة. ولكن مع ذلك تشير البحوث الواقعية إلى أن الديمقراطيات مهيأة أكثر للإنتصار في الحروب من الانظمة غير الديمقراطية. وتفسير ذلك أن السبب الرئيس يعود إلى "شفافية نظام الحكم وإستقرار سياساتها حال تبنيها" وهو السبب وراء كون "الديمقراطيات قادرة أكثر على التعاون مع شركائها في خوض الحروب". هذا فيما تُرجع دراسات أخرى سبب هذا النجاح في خوض الحروب إلى التجنيد الأمثل للموارد أو إختيار الحروب التي فيها فرص الإنتصار كبيرة ،إن الديمقراطية الحقيقية ذات منحى إستقراري ، حيث تشير البحوث إلى ان الإرهاب أكثر إنتشاراً في الدول ذات مستوى متوسط حريات سياسية. وأقل الدول معاناة من الإرهاب هي أكثرها ديمقراطية.

إن للديمقراطية تأثير إيجابي علىإنخفاض الفقر و المجاعة،وبحسب الإحصائيات فهناك علاقة تبادلية بين إزدياد الديمقراطية و إرتفاع معدلات إجمالي الناتج القومي للفرد وإزدياد الإحترام لحقوق الإنسان و إنخفاض معدلات الفقر. ولكن هناك مع ذلك جدل دائر حول مدى ما يمكن أن يُنسب من فضل للديمقراطية في ذلك. وهناك العديد من النظريات التي طُرحت في هذا المجال وكلها موضع جدال. إحدى هذه النظريات هو أن الديمقراطية لم تنتشر إلا بعد قيام الثورة الصناعية و الرأسمالية.

يجب أن لا يفوتنا ملاحظة أن هذه العلاقة التبادلية بين الديمقراطية والنمو والإزدهار الاقتصادي ليست علاقة سبب و نتيجة ، أو بمعنى آخر إذا ما وقع حدثان في وقت واحد كالديمقراطية و إنعدام المجاعة، فهذا لا يعني بالضرورة بان أحدهما يعتبر سبباً لحدوث الآخر. ولكن مع ذلك فقد تجد مثل هذه النظرة من السببية في بعض الدراسات المتعلقة بمؤشر الحرية الاقتصادية و الديمقراطية كما لاحظنا فيما سبق. وحتى لو كان النمو الاقتصادي قد حقق الدمقرطة في الماضي، فقد لا يحدث ذلك في المستقبل. فبعض الأدلة تشير إلى أن بعض الطغاة الأذكياء تعلموا أن يقطعوا الحبل الواصل بين النمو الاقتصادي و الحرية متمتعين بذلك بفوائد النمو من دون التعرض لأخطار الحريات. يشير أمارتيا سن الاقتصادي البارز بانه لاتوجد هناك ديمقراطية عاملة عانت من مجاعة واسعة الإنتشار، وهذا يشمل الديمقراطيات التي لم تكن مزدهرة جداً كالهند التي شهدت آخر مجاعة كبيرة في عام 1943 والعديد من كوارث المجاعة الاخرى قبل هذا التاريخ في أواخر القرن التاسع عشر وكلها في ظل الحكم البريطاني. ورغم ذلك ينسب البعض المجاعة التي حدثت في البنغال في عام 1943 إلى تأثيرات الحرب العالمية الثانية. فحكومة الهند كانت تزداد ديمقراطية بمرور السنين وحكومات أقاليمها صارت كلها حكومات ديمقراطية منذ صدور قانون حكومة الهند عام 1935.

«إن دعاة الديمقراطية ـ بما في ذلك الفلاسفة السياسيون ـ يتميزون بكونهم يفترضون مقدماً أن هنالك شعباً موجوداً فعلاً. إنهم يعدون وجوده واقعاً صنعه التاريخ. لكن هذه الواقعية أمر مشكوك فيه، كما كان مشكوكاً فيه في الولايات المتحدة عام 1861م، عندما حسم الأمر بالعنف لا بالرضى ولا بالإجماع. إن الافتراض بأن هنالك شعباً موجوداً، وما يبنى على هذا الافتراض من لوازم تصير جزءاً من النظرية الديمقراطية الخيالية»

ولما بعثت الديمقراطية مرة ثانية في القرن الثامن عشر في أوروبا كان من المتعذر أن تكون ديمقراطيتها مثل ديقراطية أثينا بسبب الازدياد الكبير في عدد السكان، وصعوبة اجتماعهم في ظل أدوات الحكم السائدة. ولكن بدلاً من أن يقال إن الديمقراطية بمعنى حكم الشعب غير ممكنة الآن، فلنبحث عن نظام حكم آخر يتناسب مع واقعنا. تحايل بعضهم فسمى ديمقراطية أثينا بالديمقراطية المباشرة، واقترح أن تكون الديمقراطية الحديثة ديمقراطية غير مباشرة، أو ديمقراطية تمثيلية، أي ديمقراطية يختار فيها الشعب فئة قليلة منه تكون ممثلة له وحاكمة باسمه. وكان هذا التحايل لأنه كانت هنالك أزمة سيادة فمن هو الجدير بأن يكون السيد الآمر الناهي الذي لا معقِّب لحكمه؟ كانت هذه السيادة للملوك، وكانوا يعدون هذا الحق حقاً إلهياً أعطاهموه الله تعالى؛ لأن الناس كانوا قبل ذلك مؤمنين يعتقدون أن مثل هذه السيادة لا تكون إلا لله أو لمن أعطاها الله له. لكن الناس لم يعودوا يؤمنون بهذا بعد الثورة الفكرية الكبيرة التي حدثت في القرن الثامن عشر، والتي كانت في مجملها دعوة للانسلاخ من حكم الدين في كل مجال من مجالات الحياة. لم يكن هنالك من بديل لحكم الله أو لحق الملوك المقدس في الحكم، إلا أن يقال إن الحكم للشعب كله،فهو صاحب الكلمة الأخيرة فيما ينبغي أن يكون أو لا يكون. لكن الديمقراطية التمثيلية أو النيابية كانت بالضرورة أبعد من الديمقراطية المباشرة عن أن تكون حكماً للشعب.

وإذا أخذنا كلمة الديمقراطية ـ بمعناها الدقيق-، فإنه لم تكن هنالك قطُّ ديمقراطية حقيقية، ولن تكون إلا بتغيير أداة الحكم التقليدية لتحل مكانها أداة جديدة غير تقليدية. لإنه من المخالف للنظام الطبيعي أن تكون الأغلبية حاكمة والأقلية محكومة. وأداة الحكم هي المشكلة آلسياسية الأولى التي تواجه الجماعات البشرية ، وقد أصبحت هذه المشكلة خطيرة جدا بعد أن تكونت المجتمعات الحديثة ، وصارت تعانى العديد من المخاطر والآثار المترتبة عليها، وهي لم تنجح بعد في حلها حلأ نهائيا وديمقراطيا.

إن كافة الأنظمة ألسياسية ألسائدة في العالم الآن هي نتيجة صراع أدوات الحكم على السلطة صراعاً سلبيأ أو مسلحأ، كصراع الطبقات أو الطوائف ، أو الأحزاب أو الأفراد،ونتيجة هذا الصراع هي دائماً فوز أداة حكم ، فرد أو جماعة ، حزب أو طبقة ، وهزيمة الشعب، أي هزيمة الديمقراطية ، ولكن الكتاب الأخضر يقدم الحل النهائي لمشكلة أداة الحكم عندما يصبح الشعب هو أداة الحكم عبر المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية .

إن الديمقراطية الليبرالية تخطىء عندما تقول أن نموذجها يمثل الشعب ، لأن نواب الشعب ليسوا هم الشعب حتى لو كان اختياره لهم بالإجماع. و ربما كان هذا معقولاً لو أن النواب يجتمعون للبت في قضية واحدة يعرف كل منهم رأي ممثليه فيها، أما والقضايا كثيرة ومعقدة ، فإن الحكم لا يكون حكم الشعب. نعم! إن كل نائب منهم يتجنب المشاركة في تشريع يعلم أن أكثر الناس في دائرته الانتخابية لا توافق عليه، وأنه إن شارك فيه فربما يفقد مقعده في الانتخابات التالية. لكن هذا قليل جداً من كثير.

والمنتخبون لا يكونون في الواقع منتخبين بالإجماع الذي يقتضيه وصف الحكم بأنه حكم الشعب، وإنما ينتخبون بالأغلبية، والأغلبية ليست هي الكل، وما ترتضيه الأغلبية في دائرة معينة قد لا ترتضيه الأغلبيــة في دائــرة أخــرى، أو قد لا ترتضيه أغلبية الشعب لو كان انتخابه مباشراً، لكنه مع ذلك يعد ممثلاً للشعب وحاكماً باسمه.

ثم إن الأغلبية لم تكن في بداية الديمقراطية هي أغلبية الشعب كله؛ فقد استثنوا منها النساء، واستثنوا بعض الفقراء، واستثنى الأمريكان الأرقَّاء، فلم يدخل النساء في مفهوم الشعب الحاكم الذي يحق له أن يصوِّت إلا في عام 1918م في بريطانيا، وعام 1920م في الولايات المتحدة، ولم يُعطَ السود هذا الحق إلا بتعديل للدستور الأمريكي في عام 1886م؛ ولكن حتى بعد شمول مفهوم الشعب الحاكم لكل المواطنين باستثناء الأطفال، ظلت بعض الفئات محرومة من حق المشاركة في الانتخابات. استمع إلى ما يقول هذا المؤلف الأمريكي في كتاب له حديث عن الديمقراطية: ملايين من الناس يبقون فاقدين حق التصويت كلياً أو جزئياً: مئات الألوف من المواطنين الذين يعيشون في واشنطن العاصمة، مليون ونصف مليون ممن ارتكبوا جنحاً وعوقبوا على ارتكابها؛ لكن ولاياتهم تحرمهم رغم ذلك من التصويت. عدة ملايين من الذين يعيشون في بورتوريكو وأقاليم فيدرالية أخرى، والملايين غير المحددة في أمريكا كلها الذين تضيع أوراق تصويتهم، أو تحتسب خطأ، أو تلغى في كل انتخاب لسبب أو لآخر.

وبما أن الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية إنما يشارك فيها من سجل اسمه للمشاركة فيها قبل بدئها، وبما أن كثيراً من الناس لا يسجلون أسماءهم؛ فإن الأغلبية إنما تكون أغلبية من صوتوا ممن سجلوا ممن يحق لهم أن يصوتوا. وقد كانت هذه النسبة في انتخابات عام 2000م كالآتي كما جاء في تقرير حكومي رسمي:

من مجموع عدد الناس البالغ 203 مليون والذين كانت أعمارهم 18 عاماً أو أكثر، 186 مليوناً منهم مواطنون، سجل منهم للانتخابات 130مليون، وصوَّت منهم 111مليون، وعليه فقد كانت معدلات تصويت السكان الذين أعمارهم 18 عاماً أو أكثر 55% من مجموع السكان، و60% من المواطنين، 86% من المسجلين ، أي أن هناك 40% من السكان لم يشاركوا في الإنتخابات ،أي 75 مليوناً من المواطنين لم يكونوا جزءاً من القرار السياسي في الإختيار.

ويعتقد كثيرُ من الناس أن الديمقراطية الغربية ديمقراطية مثالية، وهو ما ليس بصحيح ،لأنها ديمقراطية مقيدة بالليبرالية ،و نفي ذلك أساسه أن المجتمع يتكون أساساً من أفراد ـ لا من طبقات ، وبما أن الفرد هو أساس المجتمع، وبما أن له ـ بوصفه فرداً ـ حقوقاً أهمها حريته، فإنه لا يجوز للحكومة ولا لفئة من الشعب، بل ولا لأغلبية الشعب أن تتغول على حريته،ولذلك فإن دعاة الليبرالية يدعون إلى ما يسمونه بالحد الأدنى من الحكومة، أي إن الأساس هو أن يترك الأفراد أحراراً يختارون ما شاؤوا، فعلى الدولة أن لا تتدخل إلا تدخلاً اضطرارياً، الغرض منه حفظ حقوق الأفراد التي قد يتغول عليها بعضهم. ويحذرون لذلك مما يسمونه بدكتاتورية الأغلبية، وفي هذا الصدد يقول أحد المفكرين الأمريكيين و اسمه (ليبمان):

"يجب في رأيي أن نرفض القول بأن مبادئ الحرية والعدالة والحكم الصالح إنما تتمثل في حكم الأغلبية"، فالحكم العادل ليس لا يتمثل في حكم الأغلبية وإنما في حكم الشعب كل الشعب ، وهذا أكبر دليل على أن الديمقراطية المباشرة هي من يحقق معادلة ،العدالة والحرية .

إن النظم السياسية التي تتغنى  بالديمقراطية ليست ديمقراطية بالفعل،بمعنى أن الحكم فيها للشعب، فمن الخطأ إذن تعريف الديمقراطية بأنها نظام الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو فرنسا أو غيرها من الدول الغربية. وعليه فإذا كان من حق هذه الدول أن تجتهد وتختار لنفسها ما تراه مناسباً لها من تفاصيل المؤسسات والقيم السياسية، مع أنها جميعاً تتسمى بالديمقراطية، أفلا يكون من حقنا أيضاً أن نختار من المبادئ والقيم السياسية ما نراه مناسباً لهويتنا وواقعنا ووسيلة أحسن لتحقيق أهدافنا، أليس ذلك هو المسلك الطبيعي لكل أمة تحتكم إلى عقلها وتحترم نفسها وتعتز بهويتها وأصالتها.

وعليه، فإذا أرادت دولة من دولنا أن تختار لنفسها نظاماً تراه معبراً عن هويتها ومناسباً لعصرها، فيجب أن تبدأ بتقرير المبادئ والقيم التي تريد للدولة أن تلتزم بها، ثم تبحث بعد ذلك عن المؤسسات المناسبة لعصرها وظروفها التي يمكن أن تحمل تلك القيم وتعبر عنها. فإذا كانت أمة مسلمة جعلت كل ذلك في نطاق هدي الكتاب والسنة، وأضافت إليه أموراً مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الدين والدفاع عنه، وهكذا. إنه لا يلزم من موافقة الديمقراطية الليبرالية الغربية في بعض الجزئيات أن يأخذ الموافق سائر ما فيها، أو أن يتبنى فلسفتها، أو يتسمى باسمها.

وحسب النظـرية العالميـة  الثالثة فإن السيادة يجب أن تكون سيادة شعبية، لتعبر تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب، كل الشعب بأفراده وهيئاته، وليس عن مجموعة تاريخية من البشر هي الأمة القومية، بل ويجب أن تعبر عن الشعب في الدولة في أي وقت، وأي مرحلة من مراحل تطور و الديمقراطيّة بهذا المعنَى الأوسع هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ككل على شكل أخلاقيات اجتماعية و يشير إلى ثقافةٍ سياسيّة و أخلاقية و قانونية معيّنة تتجلى فيها مفاهيم الديمقراطية الأساسية.

من هنا كان إعلان سلطة الشعب في2 آذار/مارس77 ، والكتاب الأخضر في الجماهيرية العربية الليبية إعلاناً جديداً في عصر لم يعرف قبله إلا الظلم والعسف والجور ، وكانت الديمقراطية بدءاً من إعلان ثورة الفاتح، ومروراً باعلان سلطة الشعب وحتى اليوم ،ديمقراطية شعبية  حقيقية، تتجدد كل يوم بتجربة الشعب القائد في الحكم ككائن  حي ينمو كل يوم .

يزداد مع الأيام صلابة،ومع التجربة عمقاً،  لتأكد نجاعة وصوابية الفكرة التي أصبحت منهجاً للحياة ،وخطاً  للشعب ، وطريق حياة.

و الظلم الذي مارسته الامبريالية عبر ديمقراطيتها الليبرالية في التحكم بمصير الشعوب وابقاءها خارج الحكم وخارج الفعل قد انتهى في الجماهيرية العظمى ، حيث أصبحت المؤتمرات الشعبية  الأساسية باعتبارها  أداة الحكم ممثلة لكل الشعب يمارس فيها الحكم تشريعا وقضاء وتنفيذا ،محاسبة ورقابة ، وأصبح الشعب جيشا للدفاع عن التراب الوطني بمجموعه لا بأفراد يرتزقون من عمل ، وهذا ما أعطى للإنسان احترامه في أخذ قراراته ،وترجمتها الى أعمال .

 وانتهت عبره مقولة المعارضة الدائمة للحكم ، وحالة تجزئة الشعب إلى حاكم ومحكوم ليصبح الشعب كله حاكم ، وذابت المعارضة في إطار المجتمع لأنه لا معارضة لمصلحة الشعب عندما يكون الشعب هو الحاكم .

إما في اقتصاد الجماهيرية فلا تحكم ولا تجبر ولا تسلط ولا عبيد ، فتحكم الأفراد بالأرض وما عليها في ما يعرف بالحرية الفردية المطلقة ولو على حساب المجتمع قد انتهى بتنظيم المجتمع لحياته في التشاركيات الاقتصادية ، التي أنهت إستعباد رب العمل للعامل باتجاه شراكة المجتمع بافراده في الإنتاج على قواعد العدالة التي حققتها مقولة (شركاء لا أجراء)، ووزعت ملكية الأرض بما يلبي الاحتياجات وينهي الاحتكارات والاقطاع ويحافظ على الملكية الفردية بصورتها الطبيعية لأن الأرض ليست ملكا لأحد ،والبيت لساكنه ،في منظومة اقتصادية - اجتماعية، كفلت حسن توزيع الثروة وحسن استخدامها ، لتكون الثروة والسلطة والسلاح بيد الشعب القائد،صاحب المصلحة الحقيقية في الحكم .

أن الانتصار الحقيقي ،والانتصار الايديولوجي لحركة أي مجموعة بشرية، ولحركة أي ثورة هي ما يبدأ بالجماهير، ومن هنا جاء التأكيد أن النظرية الجماهيرية ،هي نظرية الجماهير، وهي تعبر عن مرحلة النضال الإنساني، أي المرحلة التي وصل إليها النضال الإنساني من أجل الحرية والسعادة ،وإذا كان المفكر معمر القذافي قد صاغها في شكل قوانين جماهيرية عصرية مهتديا بالقوانين الطبيعية البدائية البسيطة التي ولدت مع الإنسان الأول ، فإن الإنسان الحر السعيد قد فقد هذه الحرية في رحلته من المجتمعات البدائية البسيطة التي كان فيها الإنسان حرا سعيدا إلى مجتمعات الطبقية والعبودية وابتعد فيها سلوكه الإنساني المهذب من سلوك إنساني إلى سلوك جشع أناني وفي رحلة الإنسان لاستعادة سعادته وحريته المفقودة مر بمرحلة من التقلبات من الملكية إلى الجمهورية ومن الملكية الخاصة إلى الملكية العامة ومن الطبقية البرجوازية إلى البروليتاريا وهكذا .. والتي أبرز سماتها الثورة الفرنسية التي قادت إلى النظام الرأسمالي البرجوازي والثورة البلشفية التي قادت إلى حزب ما يسمى بحزب الطبقة العاملة شكلا ولكنه مضمونا لا ينتسب إلى الطبقة العاملة وكذلك المحاولة التاريخية الثالثة وألقول في المحاولة التاريخية الثالثة لأنها تميزت في بدايتها بشيء من الانتصار للجماهير الشعبية ،وهذه هي الثورة الألمانية ، ثورة العمال والجنود ،التي دعت إلى قيام مجالس العمال والجنود ورفعت شعار البروليتاريا ، وشعار إلغاء الملكية الخاصة ،رغم أن ذلك لا يعني إلغاء الاستغلال وإنما إلغاء الاستغلال يكمن في إلغاء العمل المأجور ، لكن هذه المحاولة التاريخية فشلت بفعل الكثير من العوامل .

إن مرحلة الوعي السياسي الاجتماعي التي وصلت إليها الجماهير الشعبية في القرن العشرين أدت إلى ثورات الشعوب مباشرة ،وكان  المحرك الرئيس  لهذه الثورات هوالفكر الجماهيري ،فإذا كان فكر القرن التاسع عشرقد قاد ، إلى تفجير ثورات الصفوة، فمن الطبيعي أن يقود الفكر الجماهيري "فكر الألفية الثالثة" إلى ثورات الشعوب .



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية