
بقلم : زيد ابوزيد
الوطن العربي من محيطه إلى خليجه ،غنيه وفقيره،في أزمه كبيرة ، ولا يختلف إثنان إلا في تفاصيل ومظاهر تلك الأزمة ،وليس على وجودها ، فهناك من يعتبرها نتاج التدخلات الأجنبية ، وهناك من يعتبرها نتاج التخلف الحاصل بفعل التقليديين ورافضي التجديد ، أما الموطن نفسه فلا اختلاف في مظاهر أزمته إلا في رفاهية الاستهلاك و حياة االبذخ التي يعيشها البعض ،و ذلك راجع لا محالة لوجود النفط عند البعض وافتقاده عند الآخر، ولذلك تأخذ الأزمة عندهم شكلاً آخر،من البحث عن الذات والصمود لتحقيق الاستقلال الاقتصادي من سيطرة الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات والأوطان والتي يمكن بلحظات أن تحول بذخ العيش إلى شقاء، من هنا فالأمة مطالبة بالتحدي واثبات الذات، في ظل تحدي العصر لتتمكن من صنع جيل قادر على تحمل المسؤولية.
وذلك لإن نظرة مدققة الى الحالة العربية الراهنة، وحالة النزاعات المشتعلة والتوترات المتزايدة على مساحة الجغرافيا العربية،في العراق وفلسطين ولبنان ، ناهيك عن المس من قبل بعض السياسين والفنانين الغربيين وبعض المتصهينين الذين يدعون الانتماء للعروبة ، برموز الامة العربية والاسلامية وعلى رأسها النبي الاعظم محمد عليه الصلاة والسلام ،بدون أي رد فعل يذكر من قبل النظام العربي يظهر أن العالم العربي صار بمثابة مسرح مفتوح لصراعات وتفاعلات الآخرين، ولأجنداتهم وأولوياتهم، وافتقد العالم العربي الى الحد الأدنى الضروري للعب دور الفاعل الجماعي الى جانب الآخرين بشأن قضاياه الإقليمية والدولية والإجتماعية،فتارة يوصف أبناءه بالتخلف وتارة بالإرهاب، ويكفي موقف عروبي واحد كموقف الطلحي مندوب ليبيا في مجلس الأمن الدولي بوصف أفعال الكيان الصهيوني في غزة بالافعال النازية في معسكرات الاعتقال أبان الحرب العالمية الثانية لينسحب مندوب فرنسا وبعض الدول الغربية وليتنطح بعضهم ليهاجم ليبيا العروبة والصمود والحرية ،وليصفها بالإرهاب، فتباً لهم.
أن العالم العربي مستهلك أكثر مما هو منتج، متلق أكثر مما هو مساهم، يقع أو يقبع في أدنى مستويات التنمية بمفهومها الشامل على الصعيد الدولي بين مختلف أقاليم العالم وهذا يدعو جدياً لمفارقة روح التجزئة التي ينادي بها أصحاب القطرية ،والعودة لخيار الوحدة ،ومن ثم التفكير الجدي في الانظمام لتشكيل تكتل إقتصادي سياسي كبير يمكن أن يصمد في ظل ظروف القهر التي تعانيها أمتنا ، والخيار لازال مفتوح ، بالانظمام إلى عرب إفريقيا لتتشكل من جناحي الوطن العربي وإفريقيا الفضاء العربي الافريقي.
إن من أبرز مظاهر الأزمة في النظام العربي ، مشكلة السلطة، فالأزمة بنيوية تمس أساس النظام الرسمي العربي بحاضره،ومستقبله، و تتعرض لشرعية الدولة فأزمة الهوية أو الهويات المتصارعة ولو تحت عناوين مختلفة ضمن الدولة الواحدة وحولها وعبرها تضع مستقبل بعض الدول على المحك وتعرضها للتحول الى دول صورية،وهياكل فارغة.،ومن أوجه هذه الأزمة أيضاً الخلافات المستفحلة بمسببات عديدة في ظل التحولات التي يشهدها العالم ، وازدياد المطالب الشعبية بالمشاركة السياسية و صنع القرار السياسي والاقتصادي، وعدم قدرة أو عدم رغبة النظام المعني أو خوفه من استيعاب هذا التغيير
إنها أزمة البحث عن جديد في ظل عدم تحقق العدالة الاجتماعية والمساواة التي تتعدد مفاهيمها، وقد أوجد ذلك فجوة كبيرة بين السلطة والجماهير، مما يشير بقوة إلى الحاجة لتغييرات جوهرية في موضوع يشغل العالم كله وليس فقط الوطن العربي وهو موضوع الديمقراطية.
ويرجع الاهتمام بموضوع الديمقراطية إلى عوامل عديدة أبرزها ظاهرة سقوط النظم الشمولية وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية عصر الحرب الباردة. فقد فتحت هذه التغييرات الجوهرية في النظم السياسية على مستوى العالم، الباب أمام رياح الديمقراطية.
لقد تعامل النظام الرسمي العربي مع التحولات الديمقراطية في العالم بطرق شتى،أساسها الرفض لاستحقاقات التحول الديمقراطي،وهذا التحول تفرضه في الواقع ضغوط دولية ومطالب داخلية على حد سواء،رغم الاختلاف في تفسير أسباب الضغوط الدولية لتحقيق المشاركة الشعبية وتحقيق الديمقراطية ، إلا أن هذه الضغوط تشكل مدخلاً للتفكير بجوهر أزمة السلطة في النظام السياسي العربي.
ومعنى ذلك أن جوهر أزمة السلطة في هذا الجانب هو ممانعة السلطة العربية في تحقيق مبدأ المشاركة السياسية، أو التوسيع الجزئي لهذه المشاركة بما لا يشبع الاحتياجات الديمقراطية الأساسية للجماهير، ومن جانب آخر فإن مظاهر أزمة السلطة تبدو جلي
في غياب سياسات فعالة لتحقيق العدالة الاجتماعية، حيث نلاحظ تدهور أحوال الطبقات الوسطى و خللاً كبيراً في أنماط توزيع الثروة القومية مما ينعكس بالضرورة على نصيب كل فرد في ظل غياب العدالة.
إن مشكلة أداة الحكم في المجتمعات العربية هي المشكلة آلسياسية الأولى التي نواجه وقد أصبحت هذه المشكلة خطيرة جدا بعد أن تكونت المجتمعات الحديثة ،وصارت تعانى العديد من المخاطر والآثار المترتبة عليها، وهى لم تنجح بعد في حلها حلأ نهائيا وديمقراطيا.فكافة الأنظمة ألسياسية ألسائدة في العالم الآن هي نتيجة صراع أدوات الحكم على السلطة صراعأ سلبيأ أو مسلحأ، كصراع الطبقات أو الطوائف ، أو الأحزاب أو الأفراد، ونتيجة هذا الصراع هي دائما فوز أداة حكم : فرد أو جماعة ، حزب أو طبقة وهزيمة الشعب ، أى هزيمة الديمقراطية ،و الحل النهائى لمشكلة أداة الحكم يكون عندما يصبح الشعب هو أداة الحكم عبر المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية.
ومن مظاهر هذه الأزمة أيضاً الفراغ الاستراتيجي العربي أو غياب الأجندة العربية المشتركة المدعومة بالتفاهمات العربية لتحديد الأولويات وكذلك لتحديد كيفية إدارة التفاعلات في المنطقة أو التأثير الفعّال في إدارة وصياغة هذه التفاعلات.
لقد تراجعت قدرة الفعل العربي والتأثير السياسي الاستراتيجي و التفاعل الإيجابي أو السلبي مع الآخر غير العربي. وتراجعت العروبة لتبقى على مستوى الشكل المؤسسي الرسمي العربي من دون أي مصداقية، ولا أدل على هذا الوضع من النظر الى فعالية الدور العربي في أزمات المنطقة، إدارة أو تسوية،فدور العرب تابع في الأزمات التي تخص حاضرهم ، وتهدد مستقبلهم جماعة وأوطاناً، دور شبه غائب كلياً يحكمه الخوف من إغضاب هذا الطرف والتخوّف من الصدام مع طرف آخر دون القدرة على التحاور الاستراتيجي مع الآخر ،والهروب من استحقاقات الدور ، ودفن الرأس في الرمال.
ذلك كله يعكس غياب الرؤية المشتركة وقبلها غياب الإرادة والرغبة في توظيف الإمكانات المطلوبة أو الحد الأدنى منها بشكل مشترك لخدمة هذه الرؤية ليتكرس فعلاً مفهوم العصر العربي بالمقلوب ،فبدلاً من عصر الفعل العربي المشترك ليصبح في حقيقة الأمر عصر تخاريف العمل العربي المشترك؟
وإذا تحدثنا عن العراق كمثال لما سبق ، فنحن نتحدث في الواقع عن الآثار السلبية التي تسبب فيها الغزو العسكري الأميركي الظالم لبلاد الرافدين ، فالغزو العسكري الذي لم تكن له شرعية دولية ولا أي مبرر سياسي مقنع كما تعترف بذلك أطراف سياسية متعددة عالمياً وفي المجتمع الأميركي، أدى إلى انهياركامل للسلطة في العراق ، وعجزت أطراف السلطة المصطنعة البديلة عن سد فراغ الحكم المزال بفعل الغزو الامريكي الجائر.
وحتى الآن عجزت الإدارة الأمريكية رغم توظيفها كل إمكانياتها عن منع الإنهيار الكامل وتحقيق الأمن على أرض العراق التي تفجر فيها القتال الطائفي ، وقتال أبناء الطائفة الواحدة ، وانتشرت الجريمة بكل صنوفها وانزلقت البلد إلى طريق لا تعرف نهايته بعد.
أما في لبنان فالصورة ليست ببعيدة فشبح الحرب الأهلية يطل برأسه بين فينة وفينة ، والرئيس لم يجلس على كرسيه في بعبدا ، لأنه لم يختر بعد ، ولا أحد يعلم متى ستنتهي مشكلة الرئاسة ، والمحكمة الدولية سلاح ذو حدين قد يسمح بنوع جديد من الانتداب الاجنبي في لبنان،والخلاف مع سوريا لا يجد من يجد له حلاً ، والقضايا تتسع .
أما قضية الصراع الأولى في المنطقة - القضية الفلسطينية - فبدل المقاومة لكنس الاحتلال ، نجد الصراع اللاعقلاني حول السلطة بين "حماس" "والسلطة الفلسطينية" والذي انعكس في قتال علني بين أكبر تنظيمات الساحة الفلسطينية حماس وفتح في صورة اعادت إلى الأذهان قتال الأخوة في مخيمات لبنان عام 1983 في صورة مزعجة بدل الإنشغال في تحقيق حلم الشعب الفلسطيني في الداخل بالتحرير وفي الخارج بالعودة إلى أرض محررة.
وهكذا يمكن القول إننا أمام ثلاث حالات عربية تبدو فيها أزمة السلطة التي تتجلى في انهيارها في العراق وفي هدمها في لبنان، وفي الصراع العقيم عليها في فلسطين ناهيك عن الطعن بها أي السلطة من اطراف عديدة في أكثر من مكان في عالمنا العربي.
إن علامات التحضر و البناء الشكلية في العالم العربي ليست إلا استيراداً أو تقليداً لما أنتجه الآخرون ،وهذا ما يدعو للتسائل عما قدمه المجتمع العربي الحديث لعالم اليوم بعد أن كنا سبباً في تطور العلم وأكتشاف الجديد في الطب والفلك والهندسة وباقي العلوم.
وما حظ العلم الحديث عندنا ؟ وما حظ الواقعية عند قادة الفكر عندنا في ظل الأرقام المخيفة التي تظهرها الدراسات عن أكثر من 60 مليون عربي يعانون الفقر ،و 10 ملايين لا يحصلون على الغذاء ،و لا يحصلون على الخدمات الصحية الأساسية ، أضف إلى ذلك مواريث المرحلة الراهنة المخيفة و تراكماتها .
إن ما يفرخه الواقع العربي من أعداد تتردى أوضاعها يوميا بسبب فشل المشاريع التنموية يزيد في القهر للإنسان العربي المتطلع إلى إعادة توزيع الثروة و خلق نظام ملائم للواقع العربي لرفض الأوضاع القائمة التي تعبر عن الاستغلال.
فغياب العدالة و اللا مساواة ساهمت في تقسيم العالم العربي إلى مراكز مهمشة و أخرى مهيمنة ،وكانت سبباً في توقف عجلة الحضارة العربية الحديثة عن التقدم كما وأن الإستغلال و هو أحد ظواهر الانحراف عن القواعد الطبيعية ، وسلوك احتكاري وتسلطي ناتج عن القواعد والعلاقات الظالمة .بين البشر، فالعلاقة الناتجة عن الاستغلال تربط بين طرفين غير متكافئين . طرف مشتغل (بكسر الغين ) وهو الطرف المحتكر والمتحكم في سير هذه العلاقة واتجاهها، والمستفيد من نتائجها. وطرف أخر مستغل (بفتح الغين )،وهو الطرف المحتكر حاجاته ، والمتحكم فيه ، الذى فقد حريته وضعفت إرادته . فالعلاقة الاستغلالية ، ينجم عنها سيطرة المستغل، وتعاسة المستغل ،فالاستغلال في جوهره ، هو التمتع بالثروة على حساب الآخرين وبفضل جهودهم ، وله آوجه متعددة .
والحالة العربية الراهنة تعبر عن أبشع حالات الإستغلال وغياب العدالة الإجتماعية ، فتفشى الفقر والجهل على الرغن من التقدم التقني الظاهري وانتشار وسائل التكنلوجيا الحديثة.
وفي الوقت الذي نأمل فيه أن يتجاوز العالم العربي أزمته الراهنة، فإننا ندعوا المثقفين ، إلى المشاركة في إنارة الطريق والوصول بالشعب إلى الطريق الصحيح، و ضرورة الارتقاء بالمستوى الثقافي والأدبي لأن شباب اليوم أصبحت فرصتهم كبيرة للاستفادة من تقنيات العصر مما ينقلهم بتملك الإرادة السياسية الى صنع الفعل لا تلقي رداته.











