إن السياسة تعني الخبز ، بالقدر ذاته الذي يعني فيه الخبز السياسة،فالإنسان حر بمقدار ماهو حتمي ، وهو حر إلى درجة أن يكون روحاً وهو حتمي لأنه يخضع لقوانين الطبيعة ،ومن هذا المدخل ينقسم العالم إلى قسمين،فهناك من يرى أن الحرية في البداية سياسية ، عبر حرية التعبير والرأي والمشاركة في السلطة؟،ومن يرى في الحرية توافر الغذاء والكساء ،والسكن؟ ،وكلا الرأيين على ما أعتقد فيه خلل، فماذا يفعل الجائع بحرية التعبير ، وماذا يفعل الجائع بحرية زائفة لديه استعداد ليهبها لمن يريد مقابل لقمة خبز،فهذا هو الإستسلام بعينه ، الذي يقترب بالإنسان المتنازل عن حريته مقابل خبزه إلى مرتبة حيوان المنازل.
والسؤال الدائم للبشرية ، التي قدمت أكثر من مثال في الإنتصارعلى الطبيعة بالعمل الخلاق ،وأدخلت الإصلاحات تلو الاصلاحات بالنضال الثوري ،هو : ما هي شكل الحرية التي قدمت إلينا لأجل نضالات البشرية عبر عقود وقرون طويلة؟.
لقد أكتشفت الغالبية العظمى من البشر أنهم لم يتمكنوا لزمن طويل لا من التمتع بثمار عملهم، ولا من تخليص أنفسهم من الاستغلال والإستعباد والإضطهاد،وأن ما قدم إليهم من حرية ،لا يتعدى الشكل بما يمكن مستغليهم من إستغلالهم أكثر، وما بقي للبشرية بعد ذلك إلا الإغتراب عن الحرية ، وفرصة أكبر لمستغلي البشر من امتصاص دمهم ، وسلب انتاجهم من قبل الرأسمالية، مع إبقاء حرية الصراخ والعويل ،والتعبير عن ألم الإستغلال لكل من يطلب ذلك بشروط تقييد الحرية ، من قوانين الاجتماعات العامة وحق التظاهر المشروط.
إن الحرية الحقيقية ليست في الإعتراض والصراخ بعد صدور القرار ، بل في القدرة على وقف القرار، إنها باختصار إصدار القرار.
لقد لعب العبيد في العصور القديمة والوسطى دوراً حاسماً في الاطاحة بالنظامين العبودي والاقطاعي حيث كان الإقطاعي يملك الأرض وما عليها من إنسان وحيوان وجماد ، وكان الإنسان عبداً ملتصقاً بالأرض ومملوكا للإقطاعي ،فتمرد المستغلين والمستعبدين على مستعبديهم ،غير أنهم لم يستطيعوا صياغة نظام اجتماعي يضمن لهم العدالة والمساواة،وهكذا بدا الانسان في موقف متناقض لا يستطيع التوفيق بين مطلبيه الاساسيين : الحرية والخبز،وكان هنا لا بد من الوصول إلى شكل سياسي يمكن من تحقيق المعادلتين معاً ، وتحديد الطريق الذي يكفل للإنسان الحرية المادية والمعنوية، وظهرت النظرية العالمية الثالثة كمدخل للحل ، وفي تحقيقها طريق الحرية وإيجاد رغيف الخبز معاً.
لقد كان الإنسان دائم التوق إلى الحريه والعداله، وكانت رحلة الفكر الإنساني منذ القدم وحتى الآن متمحوره في صراعات واتجاهات اتخذت من الإنسان مركزها، وجعلت من الحريه والعداله بؤره للتأمل ،واندفع الإنسان في بحثه عن الحريه والعداله إلى التمرد أو الثوره للانعتاق من العسف والجور الناتج عن العلاقات الظالمه التي سادت البشرية في حقباتها المختلفة ،وبخاصة بين فئة المستعبدين والمتسيدين.
وغالباً ما كان هذا الصراع يدور في مواجهات ما كانت أبداً بين قوى متكافئة ، وكثيراً ما اعتقدت فئة المستعبدين أنها حققت نصراً ليتبين لها أن هزيمتها كانت أكثر إيلاماً من سابقتها لأن الإنتصار الموهوم ساهم في أن طورت أنظمة سياسية وجماعات المتسيدن أنماط مقاومتها وشكل بقاءها على رأس السلطة.
وهذا لا ينفي أن النظم السياسية الحالية كانت وليدة ثورات شعبية قاومت في بعضها أصحاب الثروات وفي بعضها الآخر سلطة الكنيسة التي اعتبرت في مرحلة ما مانعة لتقدم الفكر البشري وتحرر العقل الإنساني بما يمكنه من الوصول إلى معرفة الأشياء وأصولها.
ومرت عبر ذلك نضالات البشرية ، بالكثير ليس إبتداءاً من البرجوازية ،فالاشتراكية الطوباوية - المثالية - إلى الماركسية الدكتاتورية ،وشهد الكثير من ادعاءات جلب الحرية والديمقراطية، فالكل نادي بالديمقراطية ،ولكنها لم تكن إلا ديمقراطية تخدمه هو وحده لا غير،ديمقراطية بقدر حجمه وحاجته ، فهي إما ديمقراطية حزب اختلق ديمقراطيته الخاصة لسد الطريق على غيره، أو ديمقراطية طبقة أثبتت الحقائق أنها ديمقراطية مشوهة،ورغم كل ذلك فإن التنازل الجزئي عن السلطة استمر متتاليا ليثبت صحة المقولة التاريخية القائلة " أن الشعوب لا محالة سائرة نحو الأفضل".
والمقدمة لا توحي بالشؤم ولكنها توحي أن التلفيق لا يدوم وأن حتمية التقدم المادي والحضاري سيثبت أن الإشتراكية الطوباوية خيال، وأن الماركسية العلمية والبرجوازية الرأسمالية الإمبريالية ستعجز عن تقديم الحل للإنسان ،ومن هنا فـــــإن الفكر الجماهيري لا شك في أنه مطــــــاف نهائي لكل العطاء الذي قدمه الفكر الإنساني والذي وصل في بعض جوانبه إلى حد الإبداع.
لقد حاولت البشرية بعد مساحات واسعة من الألم أن تصل إلى مرادها ،وأجعض كثير من نضالاتها وطموحها فساد الأداه التي تستثمر العمل التقدمي وتوظفه لمصلحتها ، ولكن الانسان لاريب سيجد الطريق لتحرير إرادته والسيطرة على إمكاناته والإستدلال عبر وعيه للطريق الصحيح،وأنا وغيري الكثير لا ندعي هذا المفهوم جزافاً بل لأن غيرنا أدعى أن هناك استحالة في أن يعمل ويشارك كل الشعب في السياسة ،وأن تسلم الشعب لزمام أمره بنفسه بحرية تامة مطلقة صعب ، على الرغم من أن طرحنا فقط ما ينسجم والقانون الطبيعي.
إننا نقول أن الفكر الجماهيري يعيد للإنسان ارتباطه بوطنه وأرضه ويبتعد بالإنسان عن المصطنع من الأنماط الزائفة والمزورة للحضارة القادمة من مجتمعات فقدت أصالتها وراحت تحارب من بقي عنده شيء من القيم.
إن الفكر الجماهيري بجوهره عودة إلى الفطرة والترابط ، وهو فكر مرتبط بالقانون الطبيعي لا زيف المدنية المصطنعة.
وما الذي يمنع أن تقوم في مجتمع ما،الحرية والعدالة والمساواة والسلام والاستقرار غير العبث بمصائر الشعوب لمنعها من صنع مستقبلها بنفسها ،وتعيش حاضرها الذي تقرره هي ،وهنا فإننا لا نعتقد أن شعبا يمكن أن يقرر لنفسه الفساد أو الكذب والخداع والسلب ،لأن كل شعوب الدنيا تحب أن تعيش الأخلاق وتحقق المثل العليا.
والديمقراطية الحقيقية هي ما تقوم على الإرادة الذاتية ،والعقل ما يقود إلى الحقيقة.
والحقيقة أن حكم الشعب بالشعب ولمصلحة الشعب هي الديمقراطية الوحيدة وما عدا ذلك فهو تدجيل وتزييف للمفاهيم ، والديمقراطية المباشرة تساوي بين حقوق كل المواطنين حيث المساواة في مجتمع الشركاء مساواة اجتماعية تتحقق فيها حرية عقلية ، لأن حاجات الأفراد تحررت، ونال الجميع حقوقه وانتفت الدولة التقليدية ذات الثنائية المعروفة – الحاكم والمحكوم – ليحل مكانها فئة واحدة كلها في السلطة.
سلطة الشعب هي اجتماع كل المواطنين أينما كان تواجدهم ليقرروا شأنهم في مؤتمر شعبي أساسي، ذو جدول أعمال واضح وقرارات على كل الصعد ،سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية ملزمة تماما لمن ينفذها بدون تغيير أو تحوير أو إعادة تشكيل، لأن الشعب ، كل الشعب شارك بشكل مباشر في اتخاذ القرار، مذكرين هنا أن الثابت الوحيد في الديمقراطية المباشرة هو المؤتمر الشعبي الأساسي وليس اللجان التنفيذية الملزمة بالتنفيذ والتي قد ينشأ عن إعادة المراجعة تقرير أشكال أخرى للتنفيذ بما يكفل حسن التنفيذ ووصول الشعب لحقه كاملاً غير منقوص.
وهذه السلطة الشعبية ستقود الشعوب إلى حياة فيها رخاء مهما كان الفقر في الخام ،لأن الإنتاج يتضاعف والشعب يتعلم كل شيء ويعمل في كل شيء،ولأن معرفة كل شيءحق طبيعي لكل إنسان ، والمجتمع الجماهيري لا يستند في تشريعاته إلا على العرف والدين مذكرين هنا بأن الإعتداء على الدين بأي صورة من الصور جريمة ، وأن العبث بمقدساتنا وسيرة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام لا يقابل بالسكوت ، وهذا من البديهيات ، وأن على من يتناول هذا الطرح الرافض للإساءة أن يحذر الوقوع في المحذور مذكر بالجزيرة الفضائية واستضافتها لبعض شذاذ الآفاق الموتورين ،والذين يجب ملاحقتهم جزائياً لما أحدثوه من إساءة.
ونعود لنقول أن السلطة الشعبية المباشرة هي اساس أي نظام سياسي عادل ، فالسلطة للشعب و لا سلطة سواه،و اداة الحكم الصحيحة التي نقدمها هي المؤتمرات الشعبية الاساسية كوحدة رئيسة ،و يتبعها لجان و أمانات ،كاللجان الشعبية و النقابات و الاتحادات و الروابط و مؤتمر الشعب العام ،و تقوم كلها بتنفيذ قرارات الشعب فإن أصابت بقيت وإن عجزت غير الشعب أشكاها وصلاحياتها ،وحتى مسمياتها .







said:

said:

said:

said:






مدونة راقية تضع الخطوط العريضة حول مفاهيم الحرية والديمقراطية مدروسة من كافة الجوانب والاتجاهات وحسب وضعية كل مجتمع الخصوصية...
اعتقد ان الدارس والباحث عن مثل هذه المفاهيم سيجد ضالته هنا لشمولية البحث الذي تقوم به
تحياتي ...