بقلم: زيد ابوزيد
أمتنا العربية من الأشد تأثراً بما قد انقضى من أحداث لا زال عظيم تأثيرها ظاهراً للعيان، و المتتبع لأحوالها يهوله حجم الحيف الواقع عليها ،ومقدار الضعف الذي يسري في أوصالها ، وعظيم الفتن التي تحطم عظامها، مما يجعل القائمين على أمورها والمفكرين من بين شعوبها ، يقفون وقفة تأمل للخروج من عنق الزجاجة التي حشرنا فيها، بإرادتنا مرة وبرغم أنوفنا مرة أخرى ،فأنظمتنا الرسمية مقيدة مرة بضغوط تفوق طاقتها ، ومرة بمعاهدات تقيد انطلاقتها ، مما يحتم على الأمة أن تنطلق من عقالها والتفكير بشكل جدي عن طريق مؤسساتها ، والمتنورين والمفكرين من أبنائها بتشكيل إطار قومي وحدوي ، يجمع ولا يفرق ، ويوحد ولا يشتت ، لأن الأمر بات خطيراً ، ونذر السقوط ما عاد يستهان بها، فالعراق محتلة و فلسطين أسيرة ، وسوريا مهددة ، ولبنان تتكاثف فيها صراعات إقليمية ودولية على حساب الشعب اللبناني ؟،والجزائر مازالت مهددة في مسلسل القتل الدموي بلا سبب ، إلا هذا الجهل المطبق في فهم عقيدة الإسلام ، وخطورة ما تأتي به الأيام .
وإذا كان الاحتلال أصبح واقعا عمليا ومقاومته أصبحت جزءا من المشهد، وجذوة المقاومة رغم كل الانتكاسات مشتعلة، فالأمة ترفض الاستكانة والمذلة، ولكن المشهد لا يتغير، فالحال هو الحال ،فقر وجهل ،و اقتصاد مهيمن عليه ،والهزيمة تلي الهزيمة ،والجسد يترك عضوا منه للبتر، و الشفاه مطبقة، والقلوب ثائرة، فما العمل ؟! و أين تكمن المعضلة وأين العلة ؟!
والإجابة على ذلك في الديمقراطية،أو ليست المشكلة أيضاً في الحرية؟ .
نعم ، أن أزمتنا سببها كبت الحرية، والهيمنة على القرار السياسي، والديمقراطية شكلية، والاضطهاد السياسي،والاقتصاد الرأسمالي البغيض، والرؤية السياسية القائمة على التجزئة، والوحدة مفقودة ،والأنا القطرية ؟، والحل واضح المعالم، ولا أحد يقترب منه.
الحل في الحرية والديمقراطية الحقة، حيث الجماهير تحكم وتمارس سلطتها، وتراقب وتحاسب وتشرع منهج الحياة، مستندة إلى عرفها ودينها ،وفوق كل ذلك مصالحها، ولا شك أن لا تعارض بين ذلك كله ، فما هي شكل هذه الحرية والديمقراطية ؟.
نحن نعني بالديمقراطية، أمل الشعوب للإنعتاق من نير العبودية للطبقة أو الحزب أو الفرد، أو القبيلة ، لصالح ديمقراطية المجتمع، وهي ممارسة الشعب لسلطته بطريقة مباشرة، حيث الشعب هو السيد في كل مناحي الحياة ، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، على قاعدة أن أي ممارسة للسلطة بدون المشاركة المباشرة من كافة فئات الشعب من شأنها أن تؤدي إلى سيادة سلطة غير شعبية ، أي سلطة لأداة حكم نائبة عن الشعب تمارس سلطته باسمه وفي غيابه الكامل .
إننا لا نعترف أن فشل الديمقراطية مرده علة في الشعوب العربية ، بل نرى أن العلة هي في التدخلات الأجنبية بعامة ، والغربية منها بصورة خاصة ، التي عملت على إبقائنا في حالة تبعية وتخلف ، كما أن العلة الكبيرة هي في فهم الديمقراطية على حقيقتها وتمييزها عن أي تعبيرات لا تعنيها الديمقراطية مطلقا .
و لا نقر بأننا لا نستحق الديمقراطية وبأنها حكر على العالم الغربي المتقدم إذا كان يعيشها فعلا ؟!، ولسنا من المتشائمين بمستقبل الديمقراطية العربية ، ونتوقع أن تصبح الديمقراطية هي النظام العربي البديل عن نظام الطاعة ، ونسجل هنا محاولة العقيد معمر القذافي استشراف معالم نظرية عالمية ثالثة في الكتاب الأخضر الذي اعتمد الخيار الديمقراطي المبني على سلطة الشعب المباشرة في إدارة الحكم .
إن العقبات الموضوعية والذاتية الداخلية والخارجية التي تعترض التحول العربي باتجاه الديمقراطية ما زالت كبيرة وكثيرة ، وخطر انتصار الحل اللاديمقراطي على الحل الديمقراطي ما زال قائما وممكنا ، ولكن مهما تكن العقبات والمخاطر ، فإننا في خضم معركة التغيير نحو الديمقراطية وإن بخطوات صغيرة ، والنموذج الجماهيري في ليبيا الذي ينمو كل يوم ويتجدد طردياً،وهو رؤية واقعيه على ذلك الحراك الديناميكي والحوار الخلاق الذي يعتمد السلطة الشعبية كأساس وثابت، وإنما التفاصيل هي متغيرات، وبين الثابت والمتغير بون شاسع.
ولكن الديمقراطية العربية تواجه منزلقات ، يظهر الأول منها إذا ما تواصل التدخل الخارجي ،وانصاع العرب له شعوبا ونخباً وحكاماً دونما قناعة داخلية ، فتصبح الديمقراطية مفروضة عليهم فرضا ، إنها ديمقراطية الامتثال التي لا تتجذر ولا تدوم فهي ديمقراطية مزيفة ونموذج احتلال العراق مثالاً لذلك .
ويتشكل المنزلق الثاني حين ينفجر تيار شعبي جارف يطيح بكل شيء ويجرف أمامه كل شيء ، ويصبح الانعتاق من سجن الطاعة، هو همْ الجماهير والقيادات ، مهما تكن النتائج ، إنها ديمقراطية الانقلابات ،وهي نماذج تأخذ فترة طويلة للاستقرار،وعلى الأغلب لا هوية فكرية أو سياسية حقيقية للتغيير.
إننا ندرك تمام الإدراك أن الديمقراطية المزيفة أو المغشوشة أو المهزوزة توازي في المحصلة الديكتاتورية المباشرة أو غير المباشرة ، كما ندرك أن مستقبل الديمقراطية العربية مرتبط بقدرة النخب الاجتماعية على تحاشي المنزلقات وتخليص الديمقراطية من عقدة الخضوع للسلف التي تردنا إلى نظام الاستبداد ، أو عقدة الخضوع للخارج التي توصلنا إلى نظام التبعية .
إننا ندعو إلى قيام ديمقراطية عربية بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، لأن الديمقراطية ببعدها السياسي أي الحريات ، دون بعدها الاجتماعي أي العدالة، ودون بعدها الاقتصادي، وهو التشارك ، تظل ناقصة ، إن الحرية هي الشرط الضروري لقيام الديمقراطية غير أنه لا يشكل الشرط الكافي لاستمرارها ،وإذا ما افتقدت الديمقراطية السياسية بعدها الاجتماعي والاقتصادي تتحول إلى ديمقراطية متوحشة حيث يسود منطق اقتصاد السوق .
وإذا اقتصرت الديمقراطية على بعدها الاجتماعي والاقتصادي وقدمت منطق العدالة على مفهوم الحرية تسقط في تجربة الأنظمة غير الديمقراطية ويسود فيها في المحصلة الديكتاتورية المباشرة أو غير المباشرة.
إن الديمقراطية التي توازن بين الحرية السياسية عبر الديمقراطية المباشرة وأداة حكمها وهي المؤتمرات الشعبية الأساسية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية نطلق عليها تسمية الديمقراطية الحقيقية والكاملة التي تؤمن للجميع الحرية والعدالة وتوفر التوازن والتكافؤ بين الأفراد والمجموعات والمناطق ، إنها لا تتبع اقتصاد السوق ولا تسقط في الاقتصاد الموجه ، بل تقوم على الاقتصاد الحر والمنظم والمجتمع السيد كامل الحقوق .
إن الديمقراطية المباشرة هي التي ستقرر المستقبل العربي، فهي النظام الأكثر ملائمة،واللسان العربي القائم على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، والحلم العربي الذي يتطلع إلى الوحدة والحريات والتعددية الحقيقية وحقوق الإنسان التي تكفل للإنسان إنسانيته في عصر جديد وثقافة جديدة تبشر بحضارة قد بدأ يبزغ نجمها.












