نشأة الحاجة إلى دستور :
إن الاجتماع البشري هو العامل الأساسي في نشوء الحاجة إلى قواعد أساسية تنظم الاجتماع، فالاجتماع يستلزم ضرورة قواعد تأسيسه وهي لازمة بحدوث الاجتماع البشري، ذلك لأن الإنسان يحمل توجيهين متناقضين بقدر ضرورتهما فهو اجتماعي يطلب الحياة في جماعة لما في ذلك من فوائد ومنافع وإشباع لحاجات مادية ومعنوية لكن مع ذلك ليس من الممكن انصهار الإنسان كلية في الجماعة التي هو عضو فيها وإلغاء فرديته بالكامل عندئذ استلزم الأمر للتوفيق بين هذين المطلبين، الاجتماع والفردية وجود قواعد أساسية تحافظ وتحتفظ على الاجتماع الإنساني دون الهيمنة على الأفراد وسحق ذواتهم.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن مجرد تجاور الأفراد مهما كان عددهم لا يشكل مجتمعاً بل ربما غابة من الوحوش، كما أثبتت أن محاولة إذابة الأفراد في كيان اجتماعي مستحيلة التحقيق حتى وإن أدت إلى تشويه الإنسان، مما يعني أنه لا مناص من ناحية من الإقرار بذاتية الأفراد وكونهم أعضاء في جماعة من ناحية أخرى، مما يعني أن القواعد الأساسية في كل اجتماع.
وقد اقتضى ذلك ضرورة الوصل إلى قواعد عامة وأساسية تحفظ للفرد حقوقه وتلزمه شرعاً بواجباته، كما تحفظ للجماعة التي ينتمي إليها حقوقها ويلزمها أيضاً شرعاً بواجباتها نحو أعضائها مما يعني توازناً مشروعاً بين الإرادة ومجتمعهم.
عندما يجُمع أفراد المجتمع على وضع هذه القوانين فإنهم حين يلتزمون بها أو يلزمون لا يطيعون إلا حريتهم وخيارهم الأساسي: وهو الوجود في المجتمع.
ولهذا فإن هذه القواعد لا تكون مصدراً شرعياً وتشريعاً إلا إذا تم الوصول إليها ديمقراطياً، وأعني اتفاقاً جماعياً واعياً ومقصوداً ،مما يعني أن أي قواعد عامة أو دستور اختصت بوضعه لجنة أو مجلس أو فرد أو حزب أو هيأة يخرج عن هذا المفهوم ومطعون في مصداقيتها وباطلة (ف1.ص55) فهي عندئذ لا تعكس إرادة أعضاء الجماعة ومصالحهم بل تعكس رؤية أدوات الحكم السائدة في العالم من الفرد إلى الحزب، وفي هذا مقتل الحرية (ص55) وليس دعماً لها وهو الهدف المفترض منها.
وإذا كنا نقر بأن الأسلوب الذي ساد زمناً وضع هذه القواعد الأساسية يتناقض معها جوهر وأساس هذه القواعد نفسها وإن استوجبته ظروف اجتماعية وتاريخية، إلا أن ذلك لا يعني عدم ضرورتهما ، بل انطلاقاً من هذه الأهمية وهذه الضرورة للوجود الاجتماعي وحرية أفراده في اجتماعهم لا يتوجب ذلك فقط وجودها بل يتوجب أيضاً تطابقها مع جوهرها واستجابتها لأساسها وهو تنظيم الوجود الاجتماعي لأعضاء أحرار مما يستلزم ضرورة أن العضو في الجماعة يشارك أعضاء الجماعة في صياغة القواعد العامة لتنظيم الاجتماع، وعندئذ يتضح أن القول بأن " الدستور" هو عقد بين طرفين، مفهومين على أنهما الحكومة والشعب، هو قول لا ينطبق على الدستور في حد ذاته بل على مفهوم معين للدستور، والمغالطة تكمن في الانطلاق من هذا المفهوم الخاص إلى تعميمه وجعله مفهوماً عاماً من تحديد معين للدستور إلى سحبه على الدستور ، فالدستور مأخوذ على أنه قواعد أساسية عامة، يقصد منه تنظيم الاجتماع وليس عقداً بين طرفين.
ولا شك، نظراً للحياة في جماعة ، وتعقد العلاقات وتطور الحاجات فإن عدم الوصول إلى قواعد عامة وأساسية هو أمر ضار بالحرية بقدر ما تكون فيه هذه القواعد من وضع فئة أو فرد أو حزب ضارة بالحرية لأن الشرط الأساسي في هذه القواعد أن تعكس إرادة كل أعضاء الجماعة وليس فئة منها أو حزباً، وأن تكون مستقلة عن الأمزجة والأهواء والنزوات والمصالح الخاصة المتغيرة حتى يتمكن الاحتكام إليها ولن تكون كذلك إن اختصت بها لجنة أو مجلس.
أضف إلى ذلك أن جدوى وفعالية هذه القواعد تقوم في ثباتها واستمراريتها إذ لا جدوى من قواعد عامة غير مستقرة سريعة التغير، فهذا يتناقض كونها عامة وأساسية، إذ إن كل عضو في الجماعة يرتب حياته وأسلوب كسب معاشه ويبني أهدافه آخذاً في الاعتبار هذه القواعد العامة، كما أن المجتمع نفسه تتحدد فيه الأهداف العامة وترسم الخطط انطلاقاً من هذه القواعد وتقيم على أساسها، وبالتالي التغيير في هذه القواعد يرتب لا محالة تغيراً في حياة الأفراد وأساليب كسب عيشهم وأهدافهم وعلاقاتهم، كما هو الحال أيضاً بالنسبة للمجتمع ككل، مما يتطلب ضرورة ثبات واستمرارية هذه القواعد حالما يتم الوصول إليها، وإلا فإن البديل هو الغوغائية وتدخل الأمزجة والأهواء والمصالح الخاصة والنزاع الدائم دون معيار يحتكم إليه وهو ما وجدت القواعد العامة أساساً لتفاديه والحيلولة دونه.
غير أن هذا الثبات وهذه الاستمرارية تتعارض إلى حد ما مع تطور الحياة الاجتماعية وأساليب كسب العيش مما قد يحولها إلى عائق يمنع التطور ويشل التقدم ويصيب المجتمع بالجمود.
عندئذ استوجب الأمر أن يتوفر في القواعد العامة شرط الاستمرارية والثبات وإمكانية التغير والتطور والتعديل، وهو ما يبدو للنظرة السطحية مطلباً متناقضاً.
لقد اقتضت الحاجة إدخال مبدأ التغيير والتطوير في هذه القواعد العامة لكي لا تختلف عما تنظمه فتفتقد مبررها، ولكي لا يكون ذلك مدخلاً للأهواء والنزوات وضبط المصالح.. تطلب ذلك أن توضع للتغير أو التطوير أو التعديل فيها شروطاً ويحدد له أسلوب ليصير التغيير أو التطوير أو التعديل فيها مشروعاً، على أن تكون شروط التغيير والتعديل والتطوير وأسلوبها جزءاً لا يتجزأ من القواعد العامة نفسها، عندئذ يمكن تحقيق ثبات واستقرار نسبي مع إمكانية التغيير والتطوير والتعديل، ويمكن للقواعد على هذا النحو أن تفي بمطلب الثبات والاستمرارية ومطلب الحاجة إلى التغيير فيها بمقتضى تطور الحياة وتطور الإنسانية، مما يجعل ثباتها واستمراريتها نسبية.
تحديد المفهوم:
بغض النظر عن المصطلح نفسه "الدستور" والذي ربما تكون قد شابته الشوائب أو لونته أنظمة سياسية معينة، فإن المقصود ـ انطلاقاً من ضرورات الاجتماع البشري والدخول في علاقات متعددة معقدة ومتطورة ومتغيرة، ودعماً لحرية الأفراد في اجتماعهم، ولكي لا يرتد عليهم اجتماعهم، وحفاظاً على كيان المجتمع، المقصود هو الوصول إلى قواعد عامة وأساسية، والتي يتم حولها الاجتماع تتميز بالثبات والاستقرار النسبي قابلة للتغيير والتطوير والتعديل بشروط محكمة تكون:ـ
1. منظماً للعلاقات الاجتماعية.
2. مقنناً للنظام السياسي والاقتصادي.
3. حكماً فيما ينشأ من خلافات ونزاعات بين الأفراد والمؤسسات أو بين الأفراد فيما بينهم والمؤسسات فيما بينها.
4. محدداً للحقوق والواجبات سواءً من حيث الأفراد وواجباتهم نحو المجتمع أو حقوق وواجبات المجتمع نحو أفراده.
5. معياراً للتقييم وفيصلاً في الحق والباطل والخطأ والصواب والعدل والظلم.
6. مصدراً للشرعية والتشريع في المجتمع.
7. كما تحدد أسلوب وشروط ومدى التغيير أو التعديل أو التطوير في هذه القواعد نفسها.
لا شك هناك دساتير غير مكتوبة كما أن هناك دساتير مكتوبة، وغير المكتوبة، هذه هي ما تعرف بالعرف، فهل يمكن للعرف أن يفي بهذه المتطلبات؟ إلى أي مدى يمكن الاعتماد عليه في تنظيم مجتمعات اليوم؟. دعونا نتفحص بعجالة العرف:
العرف "الشريعة الطبيعية لأي مجتمع هي العرف أو الدين (ف.1ص55). فالعرف هو أقدم طرق التقنين التي لجأ إليها الإنسان لضبط السلوك الاجتماعي الفردي وتنظيم العلاقات الاجتماعية وتوفير سلطة الالتزام والإلزام ، فيما يعرف بالنبذ الاجتماعي، والعرف يعني ببساطة ما تعارف عليه الناس باعتباره صالحاً لتنظيم حياتهم، ومعنى ذلك أن العرف هو دستور غير مكتوب (قاموس لالا ند ص377). إن ثمة إجماع على أن الدستور إما عرفي وإما مكتوب حينئذ ليس ثمة مجتمع خال من العرف، أي من دستور غير مكتوب، فتكون المسألة إذن ليس (دستور أو لا دستور)، ولكن المفاضلة بين نوعين من الدساتير بين العرف وهو دستور غير مكتوب متوارث عبر الأجيال وبين دستور، هو صياغة واعية ومقصودة وهو الدستور المكتوب، ولما كان لكل مجتمع عرفه فإن البحث يجب أن يسير في اتجاه، لماذا يحتاج المجتمع إلى دستور مكتوب؟ وما إذا كانت العوامل والأسباب التي أنتجت العرف هي نفسها التي صارت تتطلب دستوراً مكتوباً؟ وما الذي تغير ليكون الأمر كذلك؟ وبمعنى عام هل يفي العرف بمتطلبات التنظيم الاجتماعي في هذا الزمن؟
إذاً ليس المطروح هو الحاجة إلى الدستور فهذه الحاجة قائمة بوجود العرف، ولكن الأمر يتعلق بأي دستور نريد، إن الحاجة إلى دستور مكتوب بقصد وبوعي يدل مبدئياً على أن الدستور غير المكتوب لم يعد يلبي الوظيفة التي قام العرف من أجلها.
لنتبين ذلك فإننا نستعرض بإيجاز مميزات العرف فنقول:
1. إنه ينشأ عفوياً وتلقائياً وليس له واضع محدد ومعروف ولهذا يوصف بالطبيعي.
2. الالتزام به إلى حد ما طوعي و لا عقوبة على الإخلال به إلا النبذ الاجتماعي أي عقوبة معنوية بقدر ماهي مادية.
3. إنه يضرب بجذوره في أعماق التاريخ ،حتى يمكن القول إن العرف عادة تقادم عليها الزمن وحصلت على قبول واسع ،ولهذا يرتبط العرف إلى حد كبير بمكانة الأموات في المجتمع.
4. إنه يقدم قواعد مستقرة وثابتة ومستقلة من الأمزجة والنزوات والمصالح الخاصة باعتباره ينتمي إلى الماضي أكثر من انتمائه إلى الحاضر وهذا مايجعلنا نقول إن الاستناد إلى العرف هو تنظيم الحاضر من خلال الماضي أو هو حكم الأموات للأحياء.
قد يبدو العرف لأول وهلة مستوفياً الشروط ،ولكن إذا ما لاحظنا أن ميزاته ترتبط بمساوئ عدة فإن وجهة نظرنا قد تتغير.
1. فهو يرتبط بمجتمعات بدائية ذات تطور محدود أو بطيئة التغيير بسيطة غير معقدة تقوم على العلاقات المباشرة.
2. إنه يرتبط بمراحل تاريخية ماضية ولهذا كثيراً مايدخل في تناقض حاد مع حاضر المجتمعات ومتطلبات الحياة فيها.
3. الالتزام به أحياناً يعيق بل يشل حركة المجتمع ويجعله سكونياً.
4. صعوبة تطوير أو تعديل أو تغيير العرف، فالتغيير فيه بطئ جداً ولهذا السبب أيضاً يدخل في تناقض مع حركة المجتمع ويولد نزاعاً دورياً مع الجديد ،ويجعل المجتمع في خيار صعب بين الجمود أو الرفض ،أو في حالة نزاع حاد بين العرف والمستجدات.
5. إن عقوبة النبذ الاجتماعي أو السخرية الاجتماعية لم تعد كافية نظراً لما حدث من تغيير في الحياة الاجتماعية.
6. إن سيادة العرف تعني أن المجتمع الحاضر ليس إلا صورة طبق الأصل من مجتمع الأمس،
7. ودون هذا ليس للعرف أية قيمة تنظيمية أو سيادية لكن الواقع الاجتماعي يؤكد الاختلاف الشاسع بين حياة الأجداد وحياة الأبناء، وبالتالي حتى لو أقررنا بسيادة العرف فإن هناك جوانب عدة من الحياة لا يشملها العرف وليس من الممكن الانتظار حتى ينشأ عرف مما يقتضي وضع تقنيات جديدة، وعندها تكون الحاجة ماسة إلى التشريع حتى في حالة الإقرار بالعرف ،والتشريع ـ حتى لا يكون فيه مقتل للحرية ـ يتطلب قواعد عامة وأساسية يشرع على أساسها.
إن القواعد العامة الأساسية حسبما عرفناها وعرفنا أسلوب وضعها وشروطها وشروط التغيير فيها، وصفة الثبات النسبي التي تتصف بها ،ليست بالضرورة متعارضة أو مناقضة للعرف الاجتماعي ،إلا أن التعارض و التناقض مع ذلك وارد ،فالعرف قواعد موروثة غير مكتوبة ،ولم يتم التوصل إليها بأسلوب مقنن وواع ٍ،لكنها مع ذلك تستجيب في نشأتها لحاجات التنظيم الاجتماعي في حينه ،ولأن سرعة حركة المجتمع و تطوره لم تكن بالقدر الذي يخلق هوة بين المجتمع وعرفه، وهي وإن كانت تخضع ضرورة للتغيير إلا أن أسلوب تغيير العرف يتميز بالتعقيد وطول المدة وارتفاع التكلفة مادياً واجتماعياً، فأصبح لا يستجيب بذلك لنسق السرعة المطلوبة في مجتمعات اليوم، مما يؤدي في غالب الأحيان إلى أن العرف يتخلف عن حاجات التنظيم الاجتماعي، مما يفقده جزءاً أساسياً من وظيفته ،ويجعله محترماً أو مطاعاً لمجرد أنه ينتمي إلى الماضي وليس بسبب فعاليته في الحاضر، فيحكم الماضي الحاضر، ولن نفصل فيما يترتب على هذا من مساوئ وسلبيات وعندئذ إما أن الحاضر صورة طبق الأصل من الماضي أو أن العرف وقد فقد قاعدته يكون مجرد نظام لا ينظم شيئاً..مجرد فلكلور !!! ولكن لما كان العرف بإقرار الجميع هو تنظيم الأجيال الماضية لحياتهم مرتبطاً بمشاغلهم ومشاكلهم وأسلوب عيشهم ودرجة تطورهم وأهدافهم وإذا حق للناس في الماضي ذلك ـ وهو حق مشروع ـ فلماذا لا يحق لناس اليوم تنظيم حياتهم تنظيماً واعياً ومقصوداً وفق متطلبات حياتهم ودرجة تحضرهم؟ ألا يعني اتخاذ العرف شريعة هو سلب ناس اليوم شرعية تنظيمهم لحياتهم؟ ألا يعني ذلك اعتبارهم قاصرين؟ ألا يناقض هذا مطلب الحرية؟
إن العرف لا يصلح قاعدة للحياة الاجتماعية لأنه ينتمي إلى زمن معين بشروط معينة.
فهل يكون الدين شريعة للمجتمع؟
"إن الشريعة الطبيعية لأي مجتمع هي العرف أو الدين" ولكن الدين احتواء للعرف (ص 60) وهذا منطقي جداً، فالعرف إما أن يتفق مع ما جاء به الدين وبالتالي يتماهى في الدين أو يتناقض مع الدين فيرفض، فشريعة المجتمع إذاً هي الدين ونحن في مجتمع إسلامي يكون"القرآن شريعة المجتمع" كما نص عليه إعلان قيام سلطة الشعب عندئذ يكون القرآن مصدر التشريع فيما يتعلق بتنظيم العلاقات والحقوق والواجبات ومعيار الحق والباطل..الخ.
وليس لنا على هذا أدنى اعتراض، ولا نشك فيه، ولكن في الحياة العملية تبرز عدة إشكالات:
أولاً: إن القرآن نزل لكل زمان ومكان، فهو لا يختص بالأمس فقط ولا باليوم فقط ولا بالغد فقط، بل يختص بالأمس واليوم والغد معاً وعندئذ تكون المشكلة التي تواجهنا كيف نطبقه اليوم على ظروف اليوم؟ ومن يحدد ذلك ومن يقوم به؟
ثانياً: إن ما يقدمه القرآن من أحكام في أغلبها عامة كلية وشاملة ولهذا بالضبط يصدق القول بأن القرآن صالح لكل زمان ومكان، فهي لا تعالج جزئيات بل كليات فكيف تطبق هذه الكليات على الجزئيات اليوم؟ ومن له الحق في ذلك؟
ثالثاً: القرآن يتسم بالثبات فهو لا يتغير، ولكن التاريخ يتغير ويتطور فكيف نتمكن من تطبيق القرآن على عالم متغير ومتطور ألا يستدعي ذلك منا الفهم والاجتهاد ؟فمن له الاجتهاد ومن له الفهم؟
رابعاً: لا شك أن لكل منا فهمه للقرآن واجتهاداته،حتى لو حصرنا هذا بين الفقهاء فقط فإن اختلافهم يكاد يكون قدر عددهم،عندئذ نطبق فهم من ونلتزم باجتهادات من؟
خامساً: لقد جد في الحياة وخاصة الدنيوية ما لم يرد فيه نص ومع ذلك يقتضي التنظيم، فعلى أي أساس ومن له الحق في ذلك؟
سادساً: هناك ما ورد في نص عام كالشورى مثلاً والذي يتطلب أيضاً أسساً يتم حولها الإجماع اليوم حتى لا يتحول القرآن إلى أداة لطغيان فرد أو فئة ومن ثم إلى مصدر نزاع وتنازع،وحتى يطمئن الناس على حياتهم وعلى شؤونهم فلا تتقاذفهم الأهواء المتسترة وحتى ينعم المجتمع بالاستقرار فلا تمزقه الصراعات.
سابعاً: القرآن مطلق وشامل ولا زماني فكيف يمكن تخصيص المطلق،وتحديد الشامل و تزمين اللازماني وعلى أي أساس؟
وعليه فإن الحاجة إلى قواعد عامة وأساسية تظل ملحة حتى مع إقرارانا بأن القرآن شريعة المجتمع،وليس لمسلم أن يرى غير هذا ويظل مسلماً،ولكن صفته كمطلق تتطلب التخصيص،وهذا يتطلب تحديد كيف ومن يحق له ذلك عندئذ لا يناقض الإقرار بأن القرآن شريعة المجتمع الحاجة على وجود قواعد أساسية عامة،بل بالعكس يتطلبها،فهذه مهما بلغت عموميتها وأساسيتها تظل نسبية تاريخية وضعية،فهي ليست ديناً شاملاً لا يتغير،ولا تحل محل الدين،بل الحاجة إليها بالضبط ،مع وجود القرآن،لأنها نسبية وضعية تاريخية.
ويمكننا أن نحدد موقفنا في النقاط التالية:
1. إن القواعد العامة منها ما هو تفسيرنا وفهمنا واجتهادنا المتفق عليه فيما يوجد من أحكام ذات العلاقة في القرآن، إنها التطبيق المتفق عليه لأحكام القرآن في هذا الزمان المحدد وفي هذه الظروف ،إنها تخصص ما هو كلي وعام.
2. إن إطلاق الشعار"القرآن شريعة المجتمع"دون تحديد ولا اتفاق فرصة للتلاعب ومصدر للنزاع ومدخل للأهواء،وليس القواعد العامة هنا إلا تحديد هذا الشعار حتى نمنع الاختلاف ونحول دون النزاع.
3. ومن القواعد العامة ما هو تشريع فيما اختص الله به الناس في أمور حياتهم ومعاشهم وما استجد فيها،ولا شك أن هذا يتطلب منا الاتفاق حتى لا ينفرد بذلك منفرد ولا يكون عامل صراع.
4. إن صدور القواعد العامة الأساسية المنظمة لحياة المجتمع عن الجماعة نفسها وليس عن فرد أو أفراد أو طائفة أو أفراد...الخ، يجعل من المستحيل أن تتنافس أو تنحرف عن شريعة المجتمع في مجتمع مسلم"لا تجمع أمتي على خطأ"هكذا قال الرسول الكريم.
والخلاصـــــــــــــة:
حيثما ذهب بنا التحليل نجد أن قواعد عامة أساسية ضرورة لا مناص منها لحياة المجتمع ورقيه وسعادته... فهي:
1. تمنح الأمان والطمأنينة فلا يفاجأ الإنسان بمنع أو إباحة.
2. إنها تعني كرامة الإنسان وحريته فهو حين يطيعها ويلتزم بها أو حتى يلزم بها لا يطيع إلا نفسه.
3. إنها تساعد جداً على تطوير الحياة في جماعة بتحديد الحقوق والواجبات وتنظيم العلاقات والنظام السياسي والاقتصادي.
4. وهي تلغي تسلط القوة ومراكز النفوذ وتدخل المزاج والأهواء وضغط المصالح وتعطي الحق قوة وتحول دون الصراع بالاحتكام إليها عند الحاجة.
5. وهي تساعد على ظهور مجتمع المساواة والحرية والازدهار والمشكلة الدقيقة ليست في وجود هذه القواعد العامة،بل إن عدم وجودها على حد كبير يعتبر مشكلة،وليس العيب فيها،ولكن المشكلة والعيب يكمنا في أسلوب وضعها وفرضها على الجماعة مما يتناقض مع جوهر وأهداف هذه القواعد نفسها كأن تختص بوضعها لجنة أو هيأة أو مجلس .
فإذا اختصت بوضعها الجماعة كلها تطابق العرض مع الجوهر، الوسيلة مع الهدف، وأمكن لها حقاً أن تكون دعماً للحرية، وأساسا للشرعية ومصدر استقرار وعامل ازدهار.
ومما تجدر ملاحظته أن ما يشار إليه أحياناً"بالدستور"وأحياناً بالقواعد الأساسية أو القانون الأساسي أو قانون القوانين لا يقتضي في ذاته نظاماً سياسياً ولا اقتصادياً بعينه،فهو يعني التأسيس،وهذا التأسيس يتوقف شكله على المؤسس:فإذا كان المؤسس فرداً جاء التأسيس أو الدستور حسبما يوافق المؤسس الفرد،وإذا كان المؤسس طبقة عبر الدستور عما تريده الطبقة مجسداً في نظامها السياسي والاقتصادي ،وإذا كان المؤسس جماهير الشعب فإن النظام السياسي والاقتصادي لا بد أن يعكس إرادة الجماهير مقننة في الدستور،إننا لا نجد في الدستور إلا ما نضعه نحن فيه،فهو ليس إلا قواعد أساسية نضعها حسبما نريد لتنظيم اجتماعنا ،ولنتحكم إليها عند اختلافنا. غير أن القول بالحاجة إلى قواعد أساسية نضعها حسبما نريد أو دستور لا يعني البتة موضوعياً أن المجتمع يعيش انتظاراً لذلك في الغوغائية واللا نظام و اللامسؤولية ،فالقوانين موجودة،واللوائح والتنظيمات متوفرة،والقضاء يعمل بانتظام،والمسؤولية قائمة،ولكنه يعني أن القوانين والتنظيمات والمسؤوليات وتحديدات الحقوق والواجبات ومعايير الخطأ والصواب والحق والباطل في المعاملات....الخ،قد وضعت أحياناً فرادى على حدة من بعضها البعض،مما قد يجعلها تدخل في تناقضات،قد يشل بعضها بعضاً،وقد يحدث بينها تنازع سلبي أو إيجابي،لأن ما ينقصها الرؤية الشاملة والمقننة التي تمنع وتحول دون النزاع والتنازع.
كما يجب أن نكون واعين بأن القواعد العامة لا تقيد فقط الجهاز التنفيذي والإداري أو السلطة التنفيذية وتمنع انحرافها وتقومها إذا ما انحرفت،ولا تسيطر فقط على السلطة القضائية كما يعتقد بعض الناس بل إنها تقيد، وبالأولى صاحب السيادة نفسه أي المؤتمرات الشعبية.
إن السلطة التنفيذية تخضع بالضرورة للسلطة التشريعية فهذه هي التي تصنع القوانين والتي تلزم السلطة التنفيذية بتنفيذها ،كما أن السلطة القضائية مهمتها العمل على احترام القوانين ولكنها ليست مصدر تشريع هذه القوانين عندئذ يتضح جلياً أن القواعد العامة وإن هدفت إلى تحديد العلاقة بين التشريعي والتنفيذي والقضائي، والاحتكام إليها عند أي خلاف أو نزاع إلا أنها تهدف قبل كل شيء إلى تقييد التشريعي لنفسه.
إن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان منذ فترة طويلة هو هل لصاحب السيادة أن يقرر ما يناقض نفسه؟.
ولا شك أن الإجابة على هذا السؤال الأساسي تشكل القاعدة الأولى من القواعد الأساسية فإذا كانت بالنفي، فهذا يعني عدم أحقية صاحب السيادة في التنازل عن سياديته أو وتفويضها، فهو يحرم على نفسه ذلك، وعندئذ يستلزم ذلك نظاما سياسياً موائماً، تمارس فيه السيادة مباشرة.
و بالعكس إذا كانت الإجابة بنعم فإن النظام السياسي الموائم سيكون نظاماً تفويضياً.
وفي الحالتين هناك تقييد للسيادة ففي الحالة الأولى عدم التنازل هو تقييد للسيادة، وفي الحالة الثانية إقرار التنازل هو أيضاً تقييد للسيادة إن لم يكن التنازل عنها مع الاختلاف الجذري بين الحالتين، وفيما يقودان غليه، فالحالة الأولى تقود إلى نظام الديمقراطية التفويضية، إن الدستور يشرِّع ما يريد واضعه لا أن يريد ما هو مشرع.
وإذا ما اختارت الجماهير قاعدة السلطة الشعبية أي عدم التنازل وهو القيد الأول الذي تضعه لنفسها، ولا شك في هذا الاختيار إذا كانت الجماهير حرة واعية، فهل من حقها أن تتخذ اليوم ما تناقضه غداً، وأن تقرر هنا ما يعطل ما قررته هناك وأن تحدد هدفاً في هذا يناقضه هدفها في ذاك بمبرر أن لصاحب السيادة مطلق القرار؟!.
إذا حدث هذا فإن الشلل العام هو النتيجة المحتومة، وفعل السيادة يؤدي عملياً إلى تعطيل السيادة وحوار الطر شان بين أصحاب السيادة ولجانهم التنفيذية وسلطتهم القضائية، إن تجربتنا في العمل الجماهيري تجعلنا نخشى جدياً أن هذا ما سبب الكثير من السلبيات والمعاناة والإحباط الذي كان من الممكن تفاديه من أجل سلطة شعبية وديمقراطية مباشرة فعالة، فالعيب ليس في الديمقراطية المباشرة ولكن العيب في عدم الوصول إلى آليات محددة وواضحة، لأسباب ليس هنا مجال الخوض فيها، وليس أقلها أنها تجربة لا سابق لها.
وعلى ذلك فإن وضع قواعد أساسية عامة من قبل الجماهير يستلزم بالأولى تقييد سيادة الجماهير نفسها بنفسها إذ عليها بعد ذلك ألا تقرر وألا تريد وألا تهدف إلى ما يخالف أو يناقض تلك القواعد الأساسية العامة، إن القواعد العامة تعني تقييد المطلق.
فهل يعني هذا عدم التغيير أو التطوير أو التعديل في هذه القواعد حالما يتم اعتمادها؟.
لا شك أن الحياة تتطور، والظروف تتغير، مما قد يدخل القواعد العامة أو بعضها أو جزء منها في تناقض مع ضرورات الحياة ومتطلبات التطور الاجتماعي، إن جمود القواعد لا يقل ضرراً عن عدم وجودها وبدلاً من أن تنظم مسار المجتمع وحركته وتطوره تتحول إلى عائق وكابح، لذلك وجب النص صراحة وبدقة على أسلوب وشروط التغيير أو التطوير أو التعديل من ضمن القواعد الأساسية نفسها على أن يكون ذلك الأسلوب وتلك الشروط أصعب وأكثر دقة ومتطلباتها أكثر وأحكم مما يتطلبه أي إقرار أو قانون فيما لا يتعلق بالقواعد العامة، حتى يتجنب المجتمع من ناحية مساوئ وأضرار جمود القواعد ومن ناحية أخرى يتجنب المزاجية والظرفية والأهواء والمصالح الفئوية ولوبي المصالح الخاصة، وحتى لا يدخل، بمبرر أو بدونه في دوامة من التغييرات والتعديلات السريعة والمتلاحقة تلغي وظيفة القواعد العامة أساساً، مثلاً إذا كانت القرارات والقوانين فيما لا يتعلق بالقواعد العامة الأساسية تتخذ بأغلبية متواضعة، وهذا أمر مشروع وضروري لأن الحياة ومشاكلها الداخلية ومشاكلها الخارجية والمتطلبات العملية ملحة ولا تنتظر، ولأن السلطة الشعبية لا تعني القعود و اللاعمل، إلا أنه فيما يتعلق بالقواعد العامة ينبغي أن يتطلب تغييرها أو تعديلها أو تطويرها أغلبية مطلقة ودقة في الإجراء.
وبقدر ما تكون السرعة في القرارات الإجرائية والقوانين الجزئية مطلوبة وإيجابية فإن الثاني فيما يتعلق بالقواعد العامة شرط ضروري، لأن هذه معيار تلك ومقياسها.
على كل حال ليست المسألة بالنسبة لي الشعور فقط بالحاجة إلى قواعد عامة وأساسية تنسق وترتب وتنظم القوانين واللوائح والنظم الإدارية الأجهزة التنفيذية والنشاط الاقتصادي والخدمات، فهذا شعور إيجابي يدل على الشعور بالمسؤولية والحرية وتأكد السلطة الشعبية في نفوس الجماهير، بل أيضاً ما مدى قبولنا بإطاعة واحترام هذه القواعد العامة والالتزام بها والسير على هداها لكم هي عديدة تلك المجتمعات التي تملك دساتيراً غاية في التقنين والإحكام ولكن عمليا ليس لها من فعالية ولا وظيفة اللهم إلا تزيين الرفوف خلف الزجاج اللامع؟
الأمر مختلف جذرياً عندما تضع الجماهير دستورها عنه في الأحوال الأخرى فالجماهيري ليست ملكاً، وليست حزباً وليست طبقة، إن الدستور الجماهيري هو تشريع لسلطة الجماهير تضعه الجماهير هادفة منه تنظيم وتفعيل سلطتها وليس مجرد تبريرها فالدستور إذن ليس أمراً طارئاً على السلطة الشعبية بل هو دليل وعي وحس بالمسؤولية وهو تتويج لتجربة غنية بالمعاني، إنه اكتمال الديمقراطية المباشرة وبلوغها سن الرشد.
لاشك عندي في كل هذا ولكن الحرية المتحصلة عليها الجماهير حديثاً بعد غياب وتغييب، والشعور بالسعادة حديثة العهد الذي يفعمها بالحماس أليس من الممكن أنه يجعلها غيورة جداً على حريتها... حساسة جداً من أي تقييد وتحديد لسيادتها المطلقة حتى لو كان هذا التقييد وهذا التحديد من وضعها تجسيداً لحريتها وتعبيراً عن إرادتها ووعياً بمسؤوليتها؟ .
إذن قبل أن نعلن حاجتنا إلى دستور أو قواعد عامة ينبغي أن نسأل أنفسنا بصراحة ووضوح: هل بلغنا النضج الكافي حتى نضع بأنفسنا ما نتقيد به ونلتزم؟
لاشك أن وجود قواعد عامة تنظم حياتنا ونشاطاتنا وعلاقتنا هو أمر مهم، والشعور بالحاجة إليه أمر إيجابي بعد سنوات المخاض والتجارب في مجال نحن رواد فيه، ودليل اكتمال تجربتنا الديمقراطية المباشر، ولكن يظل الأهم أن نحترمها ونلتزم بها ونعد لذلك آلياته، وبدون هذا سنضع دستوراً منمقاً، وهذا ليس صعباً لكنه سيكون للزينة فقط.
عن صحيفة قورينـــا












