نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
مــا العـلم "ب"
  
بقلم:أ. د  المهدي أمبيرش
 
إن سؤال : ما العلم ؟، هو سؤال ماهوي، ونقصد بالماهوي هو الذي يتمظهر من خلال المتعين أو المدرك أو القابل للإدراك أو المتشيأ، أو ما في حكمه، ولكن هذا التمظهر ليس حقيقة الماهوي، فالمعرفة هي تمظهر العلم، أو ما ندركه من العلم، أو ممكن العلم، ولكن المعرفة ليست العلم، ولأن إحساس الإنسان بمحدوديته يحدث فيه هذه الرغبة في إكمال النقص، وهنا أحيل إلى أطروحة مدرسة (الجشطالت) Gestalt) الألمانية، حيث Ge هي ما تجعل الـ stalt في وضع، أي في حالة Stellen في حـــالة Stalt من خلال هذا التموضع الذي يعبّر عنه الألمان بالبادئةGe  أي هيأة التموضع، وفي الإنجليزية فإن الـ Pose هو وضع التظرف، Positivism ولا يتموضع أي يشغل موضعًا إلا الشيء وما في حكمه، ومن ثم فإن الوضعية المادية التي أسست عليها الليبرالية، تقتضي بداهة جعل الحقيقة بما هو متحقق، أي متموضع، ولأنها مادية، ولمجاوزة صيرورة المادة وتحركها فإن المادية تفرض على هذه الصيرورة سكونية العقلانية، لأنها حتى إذا سمحت بالحركة فإنها تسمح بحركة وهمية، Pseudo Movementأي حركة داخل الشكل أو الوضع المنطقي، والذي حاول من خلاله المناطقة الليبراليون أن يقعّدوه حتى في بعده اللساني من خلال ما أطلقوا عليه الوضعية المنطقية Logical Positivismأي جعل الوضعية منطقًا، وهي كذلك، ذلك أن المنطق لا يحكم إلا المتظرف، أو هذا الذي يقع ضمن المنطق، وأزمة المشروع الفلسفي المفهومي الذي يقود إلى المعنى الماهوي، أنه جعل من المحدود مطلقًا، ومن المطلق محدودًا، وهذا يذكرنا بأزمة الحلولية، وأزمة الشطح الصوفي، التي تتمظهر من خلال قول بعض غلاة الحلولية (ما في الجبة إلا الله)، أو أن اللاهوت بما هو غيبي يتجسد ويحل في الناسوت، وهي أزمة معرفية، أزمة نتجت عن الجهل بطبيعة العلاقة بين المعرفة بما هي محدود، وبين العلم بما هو محيط بالمحدود، ولكن المحدود لا يحيط به، حتى أطروحة وحدة الوجود Pantheism التي وجدناها في الصوفية الحلولية القديمة، والتي ترى أن المطلق أو الإلهي منتشر، أي في وضعPan فـ Theismكما نظّر اليهودي باروخ سبينوزا 1632-1677 .

من هنا نعود إلى سؤال ما العلم ؟، إن هذا السؤال الماهوي هو الذي يفتح مشروع المعرفة على العلم الذي نحاول أن نفهمه، أو أن نتفاهم ضمن الممكن حول المفهوم منه، على أساس أن المفهوم هو في العربية اسم مفعول، أي الذي يقع ضمن إدراك الفاعل لأنه مدرك، وهو ما يجعل التفاهم عملية مشتركة لولادة مفهومية تتجاوز محدود المدرك عند كل من طرفي التفاهم قبل عملية المشاركة في الفهم، وهنا نلاحظ كيف أن للمد في العربية مفهومًا، فالأصوات في العربية تكون الحرف، إنها بمثابة الخلايا الجينية التي توّلد الحرف، مثلما الحرف هو جين الكلمة، والكلمة جين الجملة المفهومية، والجملة المفهومية جين العبارة وهكذا، فألف المد في الخط في كلمة (تفاهم)، تدل على هذه المشاركة، والعبارة هي مشروع عبور الفكرة، عبورها من ذهن المتكلم، بما هي مفهوم، وبما هي حالة (كَفر)، قبل أن تبدأ في العبور، أية حالة تغطية، وهذا ما جعل المنطقي العقلاني سقراط يقول : (تكلم كي أراك)، فالعبور هو ولادة، من خلال الأصوات، والحروف، والأصوات والحروف هي مقاربة للمفهوم، وليست تجسيدًا له، كما أن المفهوم هو دليل المعنى وليس المعنى ذلك أن المعنى هو تصور في الذهن لا نستطيع أن نعبّر عنه من خلال المفهوم ولا من خلال الألفاظ، فسؤال ما العلم ؟، هو مثل سؤال : ما الجمال ؟، وهنا لا يمكن لأي إنسان كائن من كان، أن يقدم لنا ماهية الجمال، إنه قد يعرّف الجميل، وتعريف الجميل هو لعلاقة بين الجميل بما هو متعين أو مدرك، وصورة الجمال المطلق في الذهن، والحكم على الجميل هو حكم منطقي، لأن الجميل بما هو موصوف يقع ضمن المنطق، أي ضمن المحدود الظرفي الزماني المكاني، فالمنطق إذا موضوعه الأحكام، والمحدود، والمتمنطق، إن العلاقة بين المحدود المطلق، هي العلاقة بين الاسم والصفة، والنعت، وبين الاسم والفعل بما هو متظرف، ولا يمكن إلا من قبيل الشطح الصوفي العدمي أن نقول إن الجميل هو الجمال، إذ لو قبل هذا من حيث اللفظ فإن المنطق لا يقبله، حتى لأنه منطق، فالحقيقة بما هي حالة صيرورة ومشروع اكتمال تُكذّب هذا المنطق، فلو قبلنا به شكلاً فإن المضمون سوف يكذبه، فموت الجميل بما هو محدود منطقي، سيجعل القائلين به يقبلون بموت الجمال، وهنا تكمن المغالطة المنطقية من خلال علاقة المنطق بالحقيقة، المنطق بما هو محدود، والحقيقة بما هي محتوية على هذا المحدود ومحيطة به، عن أزمة منهج التفكير الإنساني تكمن في عدم القدرة على تحديد طبيعة العلاقة بين تمظهر الحقيقة وبين الحقيقة، أي بين الوجود بما هو حقيقة، وبين الموجود بما هو دليل الحقيقة، فمشكلة الوجود هي مشكلة فلسفية، كان المفترض أن تنفتح على الحرية والحياة والإنسانية، ولكن وضع هذا السؤال ضمن المنطق هو الذي فرض أطروحة المفارقة، كما هي عند المنطقي الأثيني أفلاطون، الذي يرى أن الحقيقة هي في عالم المثل، وعالم المثل مفارق في السماء، وهذه الأطروحة ترتبط بالجهل بالفلك، حيث كان الفلكيون يتوهمون أن الأرض سطح ساكن وأن السماء فوقها سقف ساكن، وأن الحقيقة، بل الحق، أو الله هو في عالم المثل في السماء، وهو ما بنى عليه اللاهوت الغربي مقولة (أبانا الذي في السموات)، مع أن هذا يكشف عن مغالطة منطقية كالتي أشرنا إليها في العلاقة بين الجمال والجميل، حيث إن الحقيقة لا يمكن أن تتموضع، والله باعتباره الحق لا يمكن أن يحده مكان أو زمان، لأنه إذا حُد بالمكان والزمان، فإنه يتشيأ، والله يقول: 

{فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} »الشورى11« أي أن الله خالق الشيء لا يقاربه الشيء تمثيلاً أو تشبيهًا، وقد أدت هذه النظرة القاصرة في اللاهوت الغربي على القول بأن الله خلق الإنسان على صورته، وقد جاءت هذه من أطروحة اللاهوت اليهودي التلمودي، فالسماء في العربية ترتبط بالسمو، وفي حق الله نقرؤها مجازًا، فالعلاقة بين الله والناس هي علاقة قربى{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} »البقرة186 « بل هو أقرب للإنسان من حبل الوريد {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد} ق16  وعلاقة القربى هي غير علاقة الحلول أو التقمص، هي علاقة اتصال يلغي الوسيط والصنم الذي فرضته النظرة القديمة التي فرضت هذه المفارقة، فالصلاة هي وسيلتنا في الاتصال، وهي فرض عين، ومن هذه العينية يسقط الوسيط كذلك، وتصبح العلاقة علاقة بين الخالق والمخلوق، وبالطبع فإن هذه العلاقة سيواجهها الكهنوت واللاهوت وكل الذين يطمعون في حكم الناس، وفي إدعاء أنهم يمثلون الله، أو أنهم أبناء الله، أو أنهم ظل الله في الأرض، أو أن في عروقهم دماء مقدسة، والتي بني عليها الشكل الطبقي الاستعلائي والتفوقي القديم والجديد، حتى أفلاطون يقسم ما أسماه جسد الدولة إلى ثالوث، ويحاول أن يقارب ذلك بجسد الإنسان الذي هو بدوره ثالوث، فالإنسان في نظره مقسم إلى رأس، وصدر، وبطن، إلى حكم ونظري وغيبي Theosوإلى وسيط، قوة غضبية Thymusوقوة شهوانيةDemos وبحكم هذا التقسيم الطبقي الثالوثي في الجسد تتأسس الجمهورية في المنظور الأفلاطوني على أساس الارستقراطية، وهو ما أوجد الشكل السياسي الحالي في العالم الذي يقول بتقسيم السلطات، أي بتجزئة وتعددية تمظهر القوة من خلال السلطة، وما يزال الجيش أو البوليس يلعب دورًا أساسًا في الفصل بين الجماهير ومحتكري القوة والسلطة، فالبوليس هو الذي يحول دون وصول الجماهير إلى قصر الحاكم، رمز الاحتكار، ومن ثم فإن أطروحة أفلاطون تعادي الجماهير، بل تعادي كل ما هو متمظهر، وترى أن ما نراه أمامنا ليس سوى وهم وصورة مشوهة للحقيقة في عالم المثل، وإن كانت الحقيقة في نظر أفلاطون هي حقيقة متعددة، فكل ما نراه من متجسد أو متعين له حقيقته في عالم المثل، حيث عالم المثل هو بمثابة الأرغانون بلغة أرسطو التي يضم هذه المتكثرات، وهنا يقترب أفلاطون من أطروحة الألماني لايبنتس 1646-1716  الذي قال بما أسماه بالمونادMonad  أي الجوهر المتفرد، ولكن هذا التكثر أو هذا التعدد يحتاج إلى أرغانون أو شكل تركيبي تتحرك داخله المونادات، (موناد المونادات)، وهو كذلك يعيدنا على فكرة الذرية القديمة التي قال بها ديموقريطس 460 - 370 ق.م، وهي ذاتها الأطروحة التي يتبناها القائلون بالتعددية، حتى أننا نجد منطقيًا ليبراليًا هو الرياضي التجريدي برتراند راسل 1872-1970 صاحب كتاب تحليل المادة، أو القضية على أنها مادة قابلة للتحليل: The Analysis of Matter يقول بعد أن نظّر للوضعية، بالذرية، فالليبرالية تتأسس على الفردية، كما تتأسس في تجريبيتها  Empiricismوالتجريبية ليست التجربة، بل هي معيارية الحكم عند هؤلاء، فكل ما لا يتأكد بالتجربة هو غير حقيقي، وبذلك يمسي المتحقق هو الحقيقة، وهو ما يمارس ضمن ديموغوجيا مكشوفة في الجامعات باسم أسلوب العينات، حيث يتعامل مع الإنسان على أنه محلول، يتشكل من عناصر وذرات، أو انه كتلة مادية تتشكل هي الأخرى إلى أجزاء وذرات ودون ذلك، وبمنطق الاستقراء فإن العلاقة داخل الإنسان ليست علاقة عضوية لكائن حي ذي روح، بل علاقة مادية أي علاقة جزء بكل أو كل بجزء من خلال منطق الاستقراء، أي الحكم على الكل من خلال الجزء، ومن ثم نقرأ الليبرالية على أنها تكشف عن أزمة معرفية قديمة متجددة، ولأن القول بأن الليبرالية Liberalismهي الحرية، لا تفهم إلا ضمن الخطاب الديموغوجي الليبرالي الذي يزيف الوعي الجماهيري، فالليبرالية هي الاستقلالية وليست الحرية، حتى في الانجليزية، فإن Liberalism ليست  Freedomفالاستقلالية هي الفردية Individualism وهذا الفهم هو ما يفرض المنطق التركيبي كما فرض على أفلاطون، وأرسطو، ولايبنتس، وهيغل، وبعبارة أخرى فإن هذه الأزمة المنهجية أوجدت أزمة في العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعلى الجملة في العلاقات الإنسانية، كما أوجدت مصادرات أوصلت إلى هذا البؤس في الخطاب الليبرالي، وإلى هذا اليأس الذي يخنق المفكرين الليبراليين الذين يرفعون اليوم شعارات الموت، من موت الإله إلى نهاية الفكر إلى نهاية الواقع إلى نهاية التاريخ، كما كشفت الأزمات الأخيرة عن واقع هذه الأزمة، الأمر الذي سيدفع المفكرين والمثقفين الإنسانيين إلى البحث من جديد عن فلسفة تليق بالإنسان بما هو كائن حي متنفس وله روح، وليس مادة قابلة للتفكيك والتحليل والتشكل والتشكيل، والتركيب وإعادة التركيب، فهذه المصطلحات تصلح للمادة البحتة وللوسائل، ولكنها لا تنهض منطقًا حيًا متحركًا يليق بالأحياء بعامة بما في ذلك النباتات حتى الإنسان، إن هذه النـزعة المادية هي ما تجعلنا ندرك سر دعاة التعددية في تمسكهم بمصطلحات التحليلية والتجزئية والتعددية، وهي ذاتها القريبة من التفكيكية، التي يتبناها اليهودي الفرنسي جاك دريدا، ويمكن أن نقرأ المادية التفكيكية الماركسية في القول بالعودة إلى الطبقة الأولى ضمن هذا المنطق المادي الذي يسمح بلعبة التفكيك والتركيب، ضمن الأرغانون، أو منطق السلطة، وخطاب السلطة، ويبقى السؤال قائمًا : ما العلم ؟.
عن صحيفة قورينا


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية