نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
مــــــا العـلم "ج"
 
 
بقلم :- أ.د المهـدي أمبيـــرش 
 
يضعنا الاستفهام بـ(ما) في مشروع الفهم ، بما هو ، أي الفهم منفتح على المعنى ، والفهم كما أشرنا يرتبط بالمفهوم والمفاهيم ، ومن ثم فإن الفهم محدود المعرفة التي هي بعض العلم ، لا كماله ، وإدعاء أن البعض هو التام أو الكامل مغالطة قد يبرهــن عليها منطقيـــًا ، ومن خلال التضــليل وديموغوجيــــا الخطــاب Paradoxولكن البارادوكس لا يمكن أن تفلح في أن تقدم نفسها (أرثوذوكس ـ Orthodoxلأن الدوكس Doxهو آراء أو رأي وحكم يؤسس على محدود المعرفة ، ومن ثم محدود المعيارية ، والمعرفة كما أشرنا هي بعض حقيقة العلم بما هو تمام أو كمال ، ولكنها ليست التمام والكمال ، ويبقى الادعاء بالأرثوذوكسية إدعاء باحتكار العلم ، وهو كما أشرنا نـزعة صوفية حلولية تعبّر عن أزمة حادة في المعرفة تسمح بأن يحل اللاهوت في الناسوت ، والمطلق في المحدود ، ولأن المنطق يتقيد بالمحدود ، فإن أية مصادرة للحقيقة من قبل هذا الأرغانون أو هذا الشكل ، وهنا نحيل إلى الأطروحة الأرسطية ، سيسمح بحكم محدودية المنطق إلى قتل الحركة ، التي هي مظهر الفعل ، ومن ثم يلجأ الشكليون والمناطقة إلى خلق وهم للحركة داخل الشكل ، من خلال فرض أطروحة الصراع ، أطروحة الصراع بين نقيضين أو متضادين ، بحيث يسمح للسلطة أن تكون الشكل ، أو بلغة هيغل الـ Synthesis الذي يقدم نفسه على أنه القادر على السماح بالحركة بشرط أن تكون داخل الشكل ، فكل الأشكال الاحتكارية عبر التاريخ تسمح بهذا اللوغوس أو المنطق الذي يبرر شرعيتها ، وأحيانًا يتنوع الخطاب الاحتكاري ، فيقدم الوطن والوطنية على أنها الأرغانون أو هذا اللوغوس التركيبي الذي يجب أن يحيط بالمتناقضات ، ولأن الحصر والكبت -وأنا هنا أستخدم المصطلحات النفسية - يحتاج إلى تفريغ ، إذا لابد ضمن هذا الشكل الاحتوائي أو الشمولي أن يحدث التفريغ الشكلي ، خاصة في مصادر الطاقة ، كالشباب ، والمثقفين ، والمفكرين ، والمبدعين ، لأن هؤلاء ومن في حكمهم يمتلكون هذه الطاقة التي تؤذن بالانفجار إذا لم يتم السماح لها بالتفريغ الجزئي ، فالانفجار قد يؤدي إلى تفجير لوغوس وشكل الاحتكار في خطاب السلطة وفي شكل السلطة على السواء ، ومن ثم تلجأ هذه الأشكال الاحتكارية إلى إحداث معارك وهمية ، كالمعارك الكلامية ، تحت مبرر ما يسمى بحرية التعبير ، ويقصد بالتعبير ليس التعبير الذي يضع الإنسان في الحرية ، الذي يسمح بعبور الإنسان نحو مشروع الحرية والانفتاح ، بل في تصريف فائض الكبت ، وتتحول الصفحات على الجرائد أو ما في حكمها إلى ميادين للمعارك ، يجرح فيها البعض ، ويقتل البعض ، ويتم فيها اغتيال البعض ، وبالطبع فإن هذه كلها لمصلحة صرف فائض الطاقة وفائض الكبت ، ولنا أن نسوق مثالاً لذلك ، فمحطات الطاقة التي تعجز عن تصريف الطاقة تصريفًا منتجًا تضطر إلى إنارة الشوارع في النهار ، إذ إنها إذا لم تفعل ذلك عادت الطاقة المكبوتة إلى المحطة وفجرتها ، وهو ذاته ما نشاهده في محطات الإرسال المرئي والمسموع عبر العالم من وضع كل مصادر الطاقة البشرية التي أشرنا إلى بعضها في ميادان معركة دنكوشوطية من خلال الإثارة ، فالإعلام إثارة ، والإثارة تأخذ مفهومها الغريزي ، بما في ذلك الغرائز الصادية والمازوشية ، فالعراء ولغة الجسد وخطابات اللهو ، والأعمال غير المنتجة ، وتشجيع الاستهلاك ، وخلق حاجات وهمية ، واعتماد الترف ، والتوجه بذلك كما أشرت بدرجة أكبر نحو الشباب ، كل ذلك يأتي ضمن ذات السياسة المكشوفة في تفريغ فائض الكبت والطاقة ، بما في ذلك لجوء أجهزة الاحتكار السلطوي إلى تصريف فائض الطاقة خارج محطة الدولة ، أي البحث عن خصوم خارجيين لتبرير تململ الجماهير الذين هم داخل منطق السلطة ، والذين لم يسمح لهم الشكل بالحركة الطبيعية الفاعلة ، فكثيرًا ما يلجأ إعلام السلطة إلى اتهام دول خارجية عندما تبدأ حركة التململ الجماهيري ، وحركة الخروج إلى الشوارع التي هي تعبير عن كبت ، وفي كل الأحوال فإن هذه المحاولات قد تنفع في فترة ولكن ما يلبث الكبت أن يزداد فيؤدي بداهة بحكم القانون الفيزيائي ، والقانون الكيميائي في نظرية التفاعل ، وقانون الأحياء ، إلى تجاوز هذه الحدود المنطقية ، إما بالكتابة خارج تسطير السلطة ، أي الكتابة على الهامش ، أو البحث عن ورق آخر للكتابة ، ومن ثم فإن النظرية الثورية هي النظرية التي تفرق بين المنطق والحقيقة ، أي أنها تضع المفكرين والمثقفين والمبدعين والطاقات الفاعلة في المجتمع في قلب معركة الفعل المنتج ، إنها تجتاز بهم معركة إثبات الموجودية بما هي دوافع غريزية ، إلى تأكيد الكينونة ، فالمسألة ، وأنا هنا أستعير مقالة شكسبير ، بشيء من الإضافة ، أن أكون أو لا أكون ، أما أن أوجد أو لا أوجد فهذه لا تحتاج إلى كثير جهد ، مع إدراكي أن شكسبير لا يقصد الكينونة بالمفهوم العربي التي هي فوق الوجودٍ بل يتحدث عن الوجود ، أي عن الوجود بما هو موجود ، في نـزعة مادية حلولية مكشوفة . من هنا فإن سؤال (ما) الماهوي ، سنقاربه من خلال (ماذا) ، ومن سؤال (لماذا) وحتى يتضح ما أرمي إليه ، فإن علامة الاستفهام هي غير إشارة الاستفهام ، إن علامة الاستفهام هي علامة في الذهن ، تحدث هذا القلق ، وهذه الرغبة في الفهم كي يسد الفراغ ، أو بالتعبير الفقهي ، كي يسد الفرج ، وتتحول هذه العلامة إلى إشارات بيانية ، صوتية ، وحركية ، ورموز خطية ، فالصوت والحركة وكذا الرمز الخطي ، كلها تعبير عن فعل الكلام ، الذي نحاول بواسطته أن نعبّر وأن نعبر ، أي أن نقوم بعملية عبور ، وعملية العبور هي التي تؤكد كينونتنا ، أي اعتباريتنا بأننا إنسانيون ، فالإنسان هو مخلوق ذو بيان ، أي أن الإنسان وحده دون سائر المخلوقات الذي يتكلم ويبين ، في حين أن الوجود محكوم بقوانين المنطق ، ولهذا قلنا إن المسألة هي أن نكون أو لا نكون ، فكل المخلوقات الأدنى لها منطق ، بخلاف الإنسان الذي له منطق ولكن له بيان ، ومن ثم فإن ما يحكم المخلوقات الأدنى الحية هو دوافع الغريزة بما هي مغروزة ، وعلى حد الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور  1788-1860 هي محكومة بما يطلق عليه بإرادة الحياة (البيولوجية) ، أو بهذه الطاقة العمياء ، أي غير الواعية وغير الإرادية ، والإنسان في بعضه مدفوع بذات الغرائز ولكنه قد يتجاوز منطق الغرائز لينفتح على الإنسانية بما هي حرية ، أي يؤكد كينونته ، ومن هذا نأخذ مفهوم كان في اللسان العربي ، حيث تفتحنا كان من خلال صار على مشروع تمام الكينونة التي تبدأ من الصباح من خلال الفعل أصبح ، مرورًا بالضحى ، وهذا الزمن هو زمن ناقص ، حتى الظهر الذي هو فعل تام ، أي الظهور التام للكينونة ، أو قل للحقيقة بما هي مشروع إنساني ، كما تفتحنا كان على هذه الأزمات التي قد ينتكس الإنسان فيها فيدخل العصر ، أي يدخل وضع الخسران ، حتى الزوال ، والمبيت ، أي حتى دخول الغسق في انتظار مشروع للثورة آخر يخرج الإنسان من الغسق بعده يبدأ الفتق والفلق حتى الفجر ، أي حتى بداية يوم جديد لمشروع الكينونة ، هذا بخلاف (إنّ) ، حيث إن تضعيف النون من خلال الإشارة الخطية التي نطلق عليها الشد () ، هو تأكيد لموجودية الموجود ، فمحمد في الفصل ، هو التعبير عن الموجود ، ولكن قولنا : إنّ محمداً في الفصل ، هو تأكيد لهذه الموجودية ، وهي التي فتحت محمداً على النصب ، أي أخرجت محمداً من حالة الرفع الذي هو القوة إلى حالة النصب ، بفعل تدخلنا لتأكيد موجوديته ، من هنا فإن الاستفهام بـ(ما) ، ومن خلال الإشارة الخطية في العربية ، نرسم الميم دائرة مغلقة o والدائرة المغلقة تعبير عن هذه الهوية أو وضع الهوية بما هي انغلاق وليس انكشافًا ، أي بما هي وضع تغطية ، أو باليونانية ذات الأصل العربي بما هو وضع إيثيا ، أو حيث ، وما ينكشف ، أو المحايث ، هو ما يظهر من الحقيقة ضمن المنطق ، أو الأليثيا ، وبالعبارة العربية فإن الأيس هو الوجود ، وأن الليس هو اللاوجود ، ونحيل إلى الوجود هنا بما هو مشروع الكينونة ، ومن ثم توضع ليس في العربية ضمن أفعال الكينونة ، أو ما يطلق عليها القواعديون المناطقة (أخوات كان) ، وليس (أخوات إن) ، وإن كنت لا أميل إلى هذا الحد المنطقي ، إذ ما يسمى أخوات كان هو تمظهر الكينونة بما هي حالة تكشف للحقيقة من خلال الحركة ، أي من خلال (صار) ، مثلما هي (إن) ، ولو قبلنا بتعريفهم أن لـ(كان) ، أخوات ولـ(إن) ، أخوات ، إذا لبقي على هؤلاء أن ينسبوا لنا كان وأخواتها أو عن وأخواتها ، إذا يقتضي السؤال المنطقي الذي يكشف فساد منطقهم أن نقول : من أبو وأم كان ، وكذلك إن إن الـ(ما) ، كما أشرت تفتحنا على سؤال العلم الماهوي ، والمد الصوتي الذي نرسمه خطًا ألفًا ، حيث الألف مد وألفة ، أي امتداد بهذا السؤال إلى المسؤول ، فنفتح به مشروع التفاهم بما هو مشاركة ، وبما هو امتداد ، وبما هو ألفة ، فالتفاهم لا يبرر أطروحة الصراع ، ولا يبرر اعتبار الأنا المقابل آخر ، أو غريبًا أو مهمشًا ، بل إن التفاهم هو مشروع هذه الولادة المفهومية التي تعطي العلاقة الإنسانية والعلاقة الاجتماعية الطبيعية قيمتها خارج التصنيع الذي يفرضه المنطق التركيبي المادي الذي يفرض قوانين المادة على الإنسان والفكرة والكلمة ، فيجبرها أن تدخل منطق التحليل كما هي السوائل (تحليل الأفكار) ، أو منطق التجزيئية والتعددية والذرية المادي التفكيكي ، كما نقرأ اليوم في خطابات الماديين الأوروبيين والأمريكيين ، بل يسمح بالتعامل مع الكلمة على أنها جثة هامدة يمكن أن نجري عليها التشريح ، أو أنها بلغة المادية الجدلية أرضية وطبقة يمكن أن نجري عليها قوانين الحفر ، فنحن هنا نقدم الكلمة ولادة طبيعية ، العلاقة فيها علاقة كينونة ، وليست علاقة تركيب كما هي في اللفظ الأعجمي الأوروبي وغيرها . من هنا فإن (ما) بقدر ما تفتحنا على مشروع العلم والتفاهم الإنساني ، أي مشروع الحرية ، تسمح بمقاربة منطقية ، من خلال الاستفهام بـ(ماذا ) ، فهذا المشار إليه (ذا) ، هو المتعين أو المتجسد ، أو قل هو منطق (ما) ، ولكن ذا لم ندرك ماهيته ، أو كينونته ، إننا ندرك موجوديته و(أنّيته وأينيته) ، ولكن هذه الموجودية تلح علينا في أن نتقدم أبعد من الموجود بما هو موجود ، أي أن نفتح الموجود على الوجود ، والوجود على الكينونة ، وهذا هو مشروع الإبداع ومشروع الفلسفة ، فالسؤال بـ(ماذا) هو السؤال عن ماهية هذا (الذا)، وهو قريب إلى المجهود الذي بذله اليهودي الألماني هوسرل ، والألماني هايدغر ، فيما أسمياه (الدازاين) ، حيث (دا) ،  Da في الألمانية هي إشارة لمتعين ، أو على لغة هوسرل قصدية ، للتفكير ، إذ لا تفكير عنده بلا قصد ، ولكن القصد ليس بالمفهوم الماهوي الذي نقصده ، بل إن القصد هو المقصود ، أي أن الماهية عنده هي ماهية الشيء ، أو هي فيزيقا الشيء المتعين بما هو ميتافيزيقا وليس تجاوزًا للفيزيقي أو المادي وهو الذي دفع هايدغر بحكم ثقافته الألمانية ومنهج تفكيره إلى الخروج عن أستاذه هوسرل ، فهوسرل ، ضمن منهج التفكير المادي اليهودي لا يهمه إلا الشيء ، حيث الوجود هو الموجود ، وانقلاب هايدغر على هوسرل ، هو تمامًا كانقلاب ماركس على هيغل ، أي هذا التعارض بين المشروع المادي التراجعي اليهودي والمفهوم التفوقي الجرماني ، أو الفرق بين المنطق المادي التركيبي ، والمنطق المادي التفكيكي ، والذي اعترف ماركس صراحة به في خطابه (الديموغوجي) ، أن هيغل جعل المنطق يمشي على رأسه ، أي أعطى أهمية للتركيب المثالي ، في حين أن ماركس يريد أن يعيده يمشي على قدميه ، أي يعيده إلى الطبقة الأصلية ، أو بالخطاب غير المعلن إلى الميراث اليهودي التلمودي ، وهو ما كشف عنه فيما في ما اسماه بالتحليل النفسي ، حيث الهو (ID) هو المهمش والمسكوت عنه ، وباعتراف الصريح هو الميراث اليهودي ، كما كشف عنه في كتابه (موسى والتوحيد) ، وكما أعلن عنه التفكيكي اليهودي الفرنسي جاك دريدا في كتابه (حمى الأرشيف الفرويدي) . إن ما نقوم به هو مقاربات تضع اللسان العربي في معركة الفكر والفلسفة ، ليس انغلاقًا بل مساهمة في إصلاح (منهج) التفكير أو قل (نحو) التفكير ، ولا يتم ذلك ، أي لا يتم تحرير المنهج (الميثودا) Methodإلا بإخراجها من المنطق أي ، المثودولوجي ، ولا يمكن تحرير المعرفة أو الابستيما ، إلا بتحريرها من منطق الأبستيما Epistemologyويبقى المنطق او اللوغوس الذي يقبل به ضمن مشروع الحرية هو المنطق المتحرك ، Dynamic logic وليس المنطق الساكن Static logic فالمنطق الساكن هو منطق المصادرات والاحتكار ، والاحتواء ، والشمولية ، وهو الذي أوجد خطاب الموت والنهايات الذي تفضح المنطق المادي الأوروبي ، سواء المنطق التجزيئي الليبرالي ، أو المنطق الشمولي التركيبي في الجدلية المادية الماركسية ، ويبقى السؤال قائمًا : ما العلم  . 
عن صحيفة قورينا


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية