نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
قضية المعرفة وسؤال العلم

أ.د المهدي امبيرش

 لعل من يتابع هذه المقالات يدرك المفهوم الذي نستخدمه لمصطلح القضية ، فالقضية هي الأخرى حدودها المفهوم ، ووسيلتها المعرفة ، أي أن المعرفة قضية ، ووصف المعرفة بالقضية لأنها ليست علمًا ، فالمعرفة إذا كانت صائبة هي بعض العلم لا كله ، والإنسان ، لأنه محدود ، فإن هذه المحدودية تضعه ضمن المعرفة ، أي لا يمكن أن يدعي الإنسان أنه قادر على إدراك العلم ، حتى الإدراك يتحدد بالمدرك أو الممكن إدراكه ، وفي ذهننا الإدراك بالشيء ، أي أن المعرفة نتعامل معها وكأنها شيء متظرف ، وهنا نعارض مفهوم الوجود عند اليهودي الألماني أدموند هوسرل ، الذي اعتبر الوجود هو وجود الشيء ، وان الحقيقة هي حقيقة الشيء ، وان الماهية هي ماهية الشيء ، وبذلك يدل مفهوم الميتافيزيقا بدلالته المعروفة ، أي ما بعد الفيزيقي أو ما بعد الشيء ، أو ما بعد المتعين ، يصير عنده ميتافيزيقا الفيزيقا ، أي حسب قوله العلم بالشيء ، ولهذا اعتبر أن ميتافيزيقا الشيء أو ميتافيزيقا الموجود هو العلم ، أي الوجود بما هو موجود ، وهنا تتحدد هذه المغالطة التي تكشف عن أزمة معرفية تحيلنا إلى أزمة الحلول في المعرفة القديمة ،  ويجعلنا بذلك قريبين من تصور أرسطو القائل بأن الوجود بالقوة هو نفسه الوجود بالفعل ، وهي كذلك نـزعة حلولية ، وحتى نقرب هذا التصور فإن أرسطو يرى أن قطعة الخشب ، على سبيل المثال ، أو الهيولي هو وجود بالقوة ن وان تحوله إلى كرسي مثلاً هو تحقق هذا الوجود .

إن رأي أرسطو هذا يعارض به ما طرحه أستاذه أفلاطون ومن قبله سقراط وهما القائلين بالمثالية ، ويقصد بالمثالية أن الحقيقة مفارقة ، أي أنها في عالم المثل في السماء ضمن نـزعة استعلائية ، ومن ثم فإن ما أطلق عليه أرسطو بالوجود بالفعل والذي اعتبره أرسطو حقيقة الوجود ، نظر إليه أفلاطون على أنه وهم ، فالكرسي الذي نجلس عليه ليس سوى صورة من الكرسي الحقيقي أو الكامل في عالم المثل في السماء ، ولأن النفس الإنسانية حسب رأيه كانت في السماء ، وإن كانت قد سقطت بسبب خلل فيها ، وهو ما وجدناه عند اللاهوتيين من اليهود والمسيحيين القائلين بالخطيئة ، وهذه النفس لأنها كانت في عالم الكمال أو في عالم المثل فإنها ما تزال تتذكر الكرسي المثال ، أو الكرسي الكامل ، الذي يأتي الرسام فيرسمه على الورق ، ثم يأتي النجار فيحوله إلى متجسد ، إن عالم المثل الأفلاطوني قريب إلى حد ما بعامل المونادات عند الألماني لايبنتس 1646-1760 ، أي أن كل موناد هو جوهر مستقل ، ومن ثم فإن عالم المثل الأفلاطوني مليء بهذه المثالات الكاملة ، أي أن كل شيء نراه هو وهو أو صورة من عالم المثل ، ويمكن أن نقارب من جهة أخرى عالم المثل باعتباره آلة التجميع لهذه المثل الأفلاطونية ، بموناد المونادات عند لايبنتس ، أي هذا الذي يجمع هذه المونادات جميعًا ، وبذلك أسس أفلاطون منطقيًا لأشكال الفصل والفراغ الذي يقتضي منطقًا شموليًا ، فالشمولية تأتي ضمن هذا المنطق أو ضمن هذا الكل وإن الكل الأفلاطوني ليس مجموع الأجزاء ، بل هو الإطار الذي بداخلة كل مثال متكاملاً ومستقلاً ، تمامًا كما هي النـزعة الفردية الليبرالية التي تجعل من الفرد مونادًا أو جوهرًا مستقلاً ، تحت ما يسمى بالحرية الفردية وتكون الدولة هي اللوغوس أو الآلة التي تجمع هؤلاء الأفراد أو المونادات باصطلاح لايبنتس داخلها ، وهو ما يطلق عندهم بالدولة الحارسة .

 إن قضية المعرفة من القضايا الهامة التي كانت وما تزال تشغّل الفكر الإنساني ، ولأنها قضية فهي ترتبط بالجماهير ، أو بالناس باعتبارهم حالة متحركة ، فالقضايا لا ترتبط إلا بهذا المحدود ولكنه ضمن منطق متحرك خاضع للصيرورة والتغير ، وهو الذي حدا بنا إلى التأكيد على ضرورة إصلاح المنطق ، أي الخروج بالمنطق الذي يتعامل مع الإنسان عن منطق الأشياء ، فمنطق الإنسان لابد أن يكون متحركًا وقابلاً للتغير ، وان يفهم هذا المنطق على أنه أحكام متغيرة ، وأن جماهير الناس هم بمثابة الماصدق للشعب بما هو حقيقة ، وهذا هو ما يمثل نقطة الخلاف بين هذا المنطق والمنطق الأفلاطوني والمنطق الأرسطي ، والمنطق التركيبي الهيغلي ، والتفكيكي الدريدي ، نسبة إلى جاك دريدا ، وقبل هذا المنطق ألتجزيئي الذي بني عليه الفكر الليبرالي والشمولي التركيبي الذي بني عليه الفكر الماركسي ، وإن كان الشمولي التركيبي الماركسي هو منطق تراجعي ، يجعل من الطبقة الأصلية ، حسب الخطاب الماركسي المعلن ، ومن الميراث اليهودي على أنه الأصيل منطقًا يحتوي كل الثقافات ، ويلغي كل التاريخ لمصلحة هذا المنطق التراجعي ، فينهي الحياة ، ويكون الفرق بين المنطق الماركسي التراجعي والمنطق الهيغلي التركيبي ألتفوقي في الاتجاه ، فالمنطق الذي ندعو له لا يعتبر الحقيقة مفارقة ، وأن الوصول إليها يأتي من خلال التجريد العقلاني كما ذهب إلى ذلك أفلاطون ومن خلال معاداة الجسد وكل ما هو شيء بحيث يسمح فقط للصفوة والخاصة والفلاسفة الذين تم تصفيتهم وفرزهم من خلال ما يطلق عليه بالبرنامج التعليمي الأفلاطوني ، وإن كان أفلاطون لا يقدم برنامجًا تعليميًا ، بمعنى أن هذه المراحل حتى درجة الفيلسوف هي مراحل تعليمية ، بل إن القصد منها جعلها بمثابة القفز فوق الحواجز في السباقات ، فه يريد أن يكتشف أولئك الذين ما تزال نفوسهم ذهبية أو الذين شيبت نفوسهم فاختلطت بالمعادن الأخس ، ضمن المقولة القديمة (الناس معادن) ، كما أن هذا المنطق الذي نقدمه ليس منطقًا أرسطيًا يحيلنا إلى الحلولية ، أي الوجود بالقوة والوجود بالفعل معًا ، وعلى الرغم من أن أرسطو يعطي الوجود بالفعل أو المتجسد قيمة بخلاف أفلاطون الذي يراه وهمًا وظلاً وخيالاً ، ولا هو المنطق الليبرالي التجزيئي الذي يجعل الكل محض إطار شكلي داخلة هذه الأجزاء المستقلة ، ولا المنطق التركيبي الشمولي الماركسي الذي بعد أن يفكك يعيد التركيب ضمن هذا المركب في المحدود الماركسي ، ويتحول اللوغوس إلى لوغوس وهمي ، فالماركسية وإن كانت تتحدث عن الجماعة أو المجموع أو الجموع فإن الإنسان فيها غير متعين ، بل عبارة عن لوغوس وهمي ، وقد رأيناه كيف تحول إلى خطاب لسلطة احتكارية تدعي الدفاع عن المسحوقين (البروليتاريا) ، ثم يكتشف العالم أن هؤلاء الذين يدافعون عن المقهورين ويعادون ما يسمى بالبرجوازية والاحتكار المالي (الرأسمالية) هم برجوازيون بل ورأسماليون كبار ، وان موقفهم من البرجوازية والرأسمالية ليس موقفًا ثوريًا يؤسس على منهج ونظرية ، بل هو حقد طبقي ، ويمكن أن نقيس (الثورات) ، وبشيء أكثر وضوحًا (الثورات) فيما يسمى بالعالم الثالث ، أرجو أن يفهم وضعنا للثورات بين قوسين ، فهذان القوسان بمثابة (الأبوخيا) ، تعليق الحكم ، أو بلغة المرجئة ، في الفرق الإسلامية ، إرجاء الحكم وتأجيله ، أقول : إن معظم هذه الحركات تعبّر عن حقد طبقي وليس عن مشاريع ثورية حقيقية ، أو قل عن منهج تفكير ثوري يفرض التغيير ويحاول من خلال مشروع ثوري أن يعمل لمقاربة المثال (الصورة) ، التي يعبّر عنها خطاب الإعلان عما يسمى بالثورات ، إذ ما يلبث هؤلاء أن يحولوا مشاريع الثورة إلى انقلاب ، وتكتشف الجماهير أنهم ليسو سوى صورة مشوهة لما تم الانقلاب عليه ، وفي كل الأحوال فإن الصورة مهما كان الأصل ستبقى صورة غير أصلية ، وما يبقى في ذهن الجماهير وذاكرتهم هو الأصلي ، إن الانقلاب بمثابة ما يسمى بالتغيير الفيزيائي أو ما يترجم عندنا بالتغيير الطبيعي ، الذي يرجع بالمادة الفيزيقية إلى أصلها ، كالشمع بالتسخين الذي يعود على مادته الفيزيقية بعد أن يبرد الذي يعود ملحًا إذا تمت عملية التبخير ، فهذا النوع وإن كان يطلق عليه تغيرًا في الكيمياء إلا أنه انقلاب وليس تغيرًا ، تمامًا كهذه الانقلابات التي نقرأ عنها ، بل ونعيش بعضها ، في حين أن الثورة هي هذا التغير الكيميائي الذي لا يسمح بالعودة القهقرى إلى الوضع الفيزيقي الأول ، كعملية حرق السُكّر مثلاً ، فالمحروق لا يرجع سكرًا من جديد ، من ثم فإن الحقد الطبقي يدخل ضمن القراءة النفسية (السيكولوجية) ، وليس ضمن مشروع الفلسفة الماهوي ، ولا حتى منطق الأحكام بما هي صيرورة ، ومن ثم كان الخطاب الماركسي يتحدث عن ثورة علمية ، ولكنه كشف عن انقلاب رجعي ، أي ليس فقط على مستوى المنطق التفكيكي التراجعي ، بل على مستوى التعامل مع الإنسان والتعامل مع الحقيقة ، هذا إضافة إلى انه وضع ضمن رد الفعل ، أي أنه كان رد فعل عن الليبرالية ، ورد الفعل لا يصنع ثورة ولا فعلاً تغييريًا ، إنه يوضع ضمن رد الفعل الغريزي الذي تقوم به النباتات والحشرات والحيوانات ، والإنسان في حالة تحوله إلى مخلوق غريزي ، في حين أن المشروع الثوري لا يهمل الغريزة ، ولكنه يتعامل مع الإنسان بما أكبر من أن يعامل على أنه شيء فيزيقي ، أو حتى على أنه شيء حي ، أو مخلوق (بيولوجي) ، ومن ثم انهزم المشروع الماركسي أمام المشروع الليبرالي ، ليس لأن المشروع الليبرالي الأفضل ، ولكنه لأنه الأصل حتى لو سلمنا أنه قبح كامل ، وهنا من الناحية الفلسفية نضع القبح ضرورة للجمال ، لأن الجمال بما هو مطلق هو تصور في الذهن نقاربه من خلال المتحقق أو من خلال الجميل .

 

إننا بقدر ما نرفض هذا النوع من المنطق نرفض كذلك المنطق التركيبي الهيغلي ، بل نرفض مصطلح التركيب في كل ما يتعلق بالإنسان ، فالتركيب الذي يصدق على الأشياء التي تتركب من أجزاء وذرات ، كالتحليل الذي يصدق على السوائل التي هي مركب عناصر ، ولكن المنطق الإنساني هو منطق عضوي حي ، فكل متعض وحي هو خلايا ، والخلايا ليس الأجزاء ، فالأجزاء تتعلق ببعضها ضمن الكل ، أي تركب وتفكك ، في حين أن المتعضيات الحية هي خلايا تنمو حتى يتم هذا المخلوق ، وفي الإنسان الذي يتقدم عن هذه المخلوقات المتعضية التام يحمل الإنسان مشروعًا للكمال ، ومن ثم يتحول الكمال إلى قضية ، أي يبقى الكمال صورة مطلقة ، هي السؤال الفلسفي أو الماهوي الذي يتقدم إليه الإنسان من خلال المكتمل وإن كان المكتمل هو بعض الكمال ، فكل تام هو بعض الكامل ، ولكن ليس كاملاً ، والكامل هو مشروع الاكتمال مثلما هو مشروع التكامل ، والاكتمال ذاتي ، في حين أن التكامل موضوعي ، أي أن التكامل في الإنسان لا يتم إلا بعلاقته بالإنسان ، ويكون الإنسان بالنسبة إلى نفسه مشروع كينونة ناقص ، لا تتم إلا بموته ، وإن كان هذا الإنسان قد يبقى بعد موته من خلال ما يطلق عليه القرآن بالعمل ، فالعمل غير الفعل لأنه الفعل الإنساني هو مظهر الإنسان ولكن ليس الإنسان كما هو عند أرسطو ، فالإنسان حتى إذا استخدمنا مصطلح أرسطو هو هذه القوة بما هي إنسان يسعى إلى تمام كينونته ، وبما هو القوة باعتبار أن هذا التمام (الإنسان) ، يضع الإنسان في مشروع الكمال الإنساني ، أي الإنسانية ، وهو ما يجعل الإنسان يتقدم بالفعل إلى العمل وهو نفسه ما أطلق عليه القرآن مفهوم الشهادة والشهيد ، فالشهيد ليس بالضرورة من يموت ، بل ذلك الذي يمتلك قدرة على أن يتقدم بالرؤية بالتاء المربوطة المحدودة والمتعين إلى الرؤيا التي هي إطلاق ، وهو ما يجعل الإنسان يبتغي بلغة الوحي القرآني الله والدار الآخرة فيخرج من معادلة الحسابات العددية ، بل والرقمية عالم الغيب ، ولكنه هو في ذاته عالم شهادة ، ولهذا اعتبر القرآن أن الذين يقتلون في سبيل الله أحياء ، في حين أننا الذين نتعامل مع أجسادهم التي ندفنها أو التي نتأكد حسب منطقنا المحدود من أن أصحابها قد قتلوا ، نكتشف أن هناك حسابات إلهية هي ليست كحساباتنا نحن :" وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)" سورة آل عمران.

إن المعرفة ضمن هذا المنطق الإنساني الحي والمتحرك والذي يملك من خلال القدرة مقدرة التقدير حيث التقدير ابعد من الحسابات ، على الرغم من أن المخلوقات الحية الأدنى لا تدرك هذه الحسابات التجريدية ، بل حتى الإنسان إذا دخل نطاق الموت الحكمي أو الحقيقي ، فإنه يفقد علاقته بالمكان والزمان ، كالموتى الذين سيهبون من الأجداث يوم القيامة ، :" وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55)" سورة الروم ، أو وقصة أصحاب الكهف ، أو قصة الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، حيث اعتقد هؤلاء بعد الزمن الذي مر عليهم أنهم ما لبثوا إلا يومًا أو بعض يوم ، وهكذا كل إنسان يخرج عن دائرة الوعي الإنساني يفقد بداهة علاقته بالمكان والزمان ، وكل إنسان يدخل ضمن المنطق التركيبي سيدخل حالة الموت الحكمي ، فالذي يري الحقيقة اكتملت في المتحقق أو ما يسمى بالماضي ، وأن اللاهوت أو الإلهي أو الغيبي قد اتحد في الناسوت ، على مستوى المجموعة (السلفية) ، أو السلف ، وعلى مستوى المكان (أفلاطون) عالم المثل ، أو على مستوى الزمان (هزيود) ، العصر الذهبي أو عصر الآلهة ، أو على مستوى الإنسان الفرد في المعتقد اللاهوتي المسيحي اتحاد الله في جسد المسيح ، أو على مستوى التنظير في القول بأن المطلق ينطق على الواقع ، وليست العلاقة علاقة البعض بالتام ، مثل الأزمة التي يقع فيها الأيديولوجيون الذين يحولون الفكر الثوري أو النظرية الثورية إلى منطق أفكار ، أي (Logic) ، أفكار ، وان النظرية بالإمكان تطبيقها على الواقع ، في حين أن الواقع نفسه مصطلح ضبابي لأنه لا يوجد هذا الواقع ، حيث الزمن حالة صيرورة وتغير ، وليس وضعًا ساكنًا ن ومن ثم يشعر هؤلاء بالأزمة لأن النظرية لم تطبق ، في حين أن علاقة الإنسان بالنظرية هي علاقة وليست تعلقًا ، والعلاقة تعني المشاركة بين النظرية التي تتعامل مع سؤال الحقيقة الماهوي ، ومع معطيات هذا السؤال مثل الحرية ، المساواة  ، العدالة ، والتي يقترب منها الإنسان من خلال ممارسة الحرية ، بما هي مطلق ، أي مقاربة لهذا المطلق من خلال السلوك المحدود وهكذا ، إن هذه النـزعات لا تختلف عن النـزعة الحلولية فيما يسمى بوحدة الوجود (Pantheism) ، أي هذا الموجود هو الوجود الماهوي وباصطلاح اللاهوت الحلولي أن الله ، وحاشا له أن يكون ، قد حل في هذا الكون ، ضمن نـزعة مادية حلولية ، وهي تمامًا كالقول عن الله وحاشا له أن يكون قد تموضع في مكان ، مثل القائلين بأن الله في السماء وفق الاعتقاد القديم الفلكي الذي يرى أن الأرض مسطحة وأن السماء مسطحة وأن الله في السماء أو بلغة اللاهوت المسحي أن أباهم في السموات ، في حين ان المنطق يقول إن الذي يشغل مكانًا هو الشيء ، والوحي القرآني يؤكد أن الله ليس كمثله شيء ، وانه لا يحده مكان ولا زمان ، لأنه خالق المكان والزمان ، وأن التعبير بالسماء هو تعبير مجازي يدل على السمو والارتفاع ومفارقة الخالق للمخلوق ، وأن العلاقة بين الخالق والمخلوق هي علاقة عبادة تتم من خلال الصلاة بما هي عملية اتصال ضمن الممكن البشري وهو اتصال عيني وبذلك تسقط نظرية الخاصة والصفوة ، والقلة ، ونواب الله ، وأبناء الله ، أو الذين في عروقهم دماء مقدسة ، أو الذين يقول إنهم ظل الله في الأرض وأنهم نواب الله ، وكل الأطروحات التي أوصلت إلى ضرورة الوسيط الصنم الذي يملأ الفراغ بين السماء والأرض أو الذي ما يسمى بالعلمانية الذي يبقي عليه في السماء دون ان تكون له علاقة بالأرض ن وهو نفس الإدعاء القديم الذي يقول إن الله لا يعلم بالجزئيات ، وهو ما أسس عليه ما يسمى بالدين الوضعي والقانون المدني وأطروحة فصل الدين عن الحياة ، في أن القرآن يؤكد أن الله تعالى :" وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ " (61) سورة يونس .

إن السؤال الذي نطرحه في المقالة القادمة بإذن الله تعالى، يدور حول إصلاح منطق ما يعرف بالتعليم، والتعليم الجامعي.

عن صحيفة الشمس.

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية