نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
الأزمة المركبة؟
بقلم زيد ابوزيد

 

يعيش الوطن العربي  منذ عقود حالة ارتباك و عدم الاستقرار لاستهدافه من قبل القوى الكبرى  لموقعه الفريد ،وثرواته الهائلة وبحثاً عن من القوى الكبرى أيضاً عن أسواق مستهلكة.وكان يجب على الوطن العربي أن  يلعب دوراً مركزياً مستفيداً من صراع القوتين الأعظم سابقا للنهوض بأوضاعه نحو أفق جديد مشرق يتناسب وإمكاناته وثرواته ،ولكنه أستمر في دور التابع ولم تفده الظروف السياسية والمستجدات. لينكفئ على ذاته بل ليضربه الزلزال بعد ذلك وينحدر عميقاً نحو الهاوية .

 

والآن وقد حدث الانهيار و أطاح باستقرار أسواق المال العالمية، وهدد الاقتصاد العالمي الذي يشكل الاقتصاد الأمريكي عصبه، وألحقت خسائر فادحة وصلت حد إفلاس العديد من المؤسسات الاقتصادية الكبرى وفي مقدمتها المصارف في الولايات المتحدة الأمريكية، تحين الفرصة مجدداً أمام الوطن العربي للتخلص من التبعية لنظام إقتصادي مريض غير جلده للتخلص من أزمته ليقدم دليلا على فشله كنظام اقتصادي قادر على الحياة مستقبلا ، وليثبت ذلك مجدداً الرؤية القائلة بضرورة البحث عن طريق ثالث جديد كحل للأزمات الاقتصادية والسياسية ، بدءاً من البحث عن الديمقراطية باعتبارها مصدر قوة للفرد والمجتمع ، كما وأنها منهج حقيقي للتغيير، وطريق صائب يبقي النظام السياسي متماسكا ً وقادراً على التعاطي مع المستجدات، وعامل حيوي للعطاء المستمر .

إن الديمقراطية معناها سلطة الشعب أو حكمه، وليست الممارسة العملية في جعل الشعب يختار ممثليه في البرلمان،وتعيين نوع الحكم واختيار من يحكم وخضوع الأقلية لرأي الأكثرية، لأن هذا لا يحقق احترام حرية الرأي والتعبير والمساواة في الحقوق المدنية والسياسية بين المواطنين من مختلف القوميات والأعراق والأديان والطوائف، الديمقراطية أن يجلس الشعب فعلاً على كرسي السلطة.

 

إن الديمقراطية شكل متقدم من أشكال الممارسة السياسية الاجتماعية وتعبير عن التطور الحضاري والثقافي للمجتمعات،  وهي لا تقوم على مبدأ تقديس الأشخاص أو السلطة وأحقية هذا وذاك بالحكم دون غيره. وهي تقيم وزنا فقط للتجدد والكفاءة والقدرة على تمثيل مصالح الشعب عبر أمانات،  تختار في مؤتمرات شعبية ، لأنها أداة الحكم التي يتمكن الأفراد عبرها من ممارسة حقهم في السلطة تشريعاً ،وتنفيذاً.

 

وهنالك أشكال متعددة من الهياكل السياسية ، يسميها البعض مجازاً " ديمقراطيات"  بحسب نوع النظام السياسي السائد ولكن الديمقراطية الحقيقية هي التي توفر كل وليس بعض الحقوق والحريات السياسية والمدنية للشعب،وما دمنا نتحدث عن تغيير في المفاهيم ، فلا بد للمجتمع الساعي نحو الديمقراطية التي نتحدث عنها من نظرية ثورية تحدد له الطريق الذي يحقق فيه الديمقراطية المنشودة،  وتشكل النظرية الثورية أساسا للعمل الديمقراطي حيث لا ثورة بلا نظرية ثورية وثوريين.

 

إن تعريف الثورة في الفكر الجماهيري ، لا يصطدم ولا يتعارض جوهرياً ، مع المفهوم الماركسي ، إذ لا يمكن إحداث تغييرات جذرية في المجتمعات التقليدية دون المرور بمرحلة هدم الأشكال والهياكل السياسية القائمة ، فالتغيير الجذري مرتبط بالتخطيط الإستراتيجي الذي  يمس جميع جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، وينتقل بها مرة واحدة نحو الهيكل الجديد الذي ينسجم والحرية الحقيقية وتشبع فيه الحاجات وتتحقق الديمقراطية بأبهى صورها وهي الديمقراطية الشعبية المباشرة حيث السلطة للشعب وأداته في تحقيقها المؤتمر الشعبي الأساسي.

 

فالأمر يتعلق بتغيير المجتمع،وتغيير المفاهيم وشكل الأنشطة السياسية والاقتصادية ، لأن  الثورة ليست عملاً مؤقتاً بل صيرورة للحركة الشعبية في التاريخ، وهذا يتطلب من الجماهير الوعي واليقظة المستمرة،  وعدم التغافل والتسليم بالمفاهيم الرجعية ، وهنا نقول أن الدين يلعب دوراً كبيراً في الحفاظ على وعي الجماهير،والتسلح بفقه ثوري علمي يلغي المنهج التلفيقي .

 

 إن دور الثوار هنا هو تثقيف الجماهير ، لا الحلول مكانها ومصادرة دورها، وعامل الوقت مهم في ذلك ، حيث ترفض النظرية العالمية الثالثة ، وهي النظرية الثورية المقصودة بحد عينها للتغيير ، مبدأ التمهل في إحداث التغيير، على قاعدة المرور بالتغيير الجذري خطوة إثر خطوة وتحريم القفز عن المراحل ،وأن أي مرحلة في العملية الثورية لا يمكن أن تبدأ إلا َ بعد المرور بالخطوة السابقة ، واستكمالها،  وهنا فالكتاب الأخضر يورد ذلك من مدخل الصيرورة التاريخية ، وعلى قاعدة أنه يجب حرق المراحل.

 

وذلك لأن إرادة الإنسان هي المعول الكبير للتغيير."شروح الكتاب الأخضر".

 

 إننا ونحن نتحدث عن ضرورة النظرية الثورية، لا شك نستذكر زيف التحول الذي حدث في منظومة البلدان الاشتراكية ، وروسيا بعد انهيار الإتحاد السوفيتي ، حيث أعتقد البعض أن التحول نحو الليبرالية هو تحول نحو الديمقراطية ،ورغم أنه وبعد إلإنهيار ، قد ظهر أكثر من اتجاه في أوساط الماركسيين محاولين فيها تجاوز حالة الانهيار العملي ، لكي لا يسحب نفسه نحو النموذج النظري للماركسيين وهي النظرية الماركسية ، ومن هذه الاتجاهات اتجاه متمسك بالإرث القديم ، ومخلص له.

 

ويعتبر ما حدث إنما هو نتيجة لمؤامرة امبريالية ، واتجاه تحول إلى الديمقراطية الليبرالية مع التمسك ظاهريا ببعض المقولات الماركسية، على اعتبار أن هذا يعتبر إصلاح للماركسية؟ ، واتجاه ثالث،  هو اتجاه ماركسي ثوري نما في الأصل خارج إطار الأحزاب الشيوعية التقليدية،  وفي بعض أوساطها يحاول أن يكون موضوعيا وجدليا بتفسير (الانهيار) وتعليل تراجع الحركة الشيوعية مستخدما المنهج الجدلي الذي يدرس الظواهر المتغيرة ويعلل أسباب تحولاتها، وعلى الرغم من جدية هذا الاتجاه في التحليل ، إلى انه يخطأ في اختيار نظريته الثورية ، إذ أن الصواب العودة للتفكير مجدد بدلالات المفاهيم ، لتحديد المضمون الحقيقي للحرية ومن ثم اختيار طريق العمل وفقاً لذلك.وستحاول الرأسمالية أيضاً على نفس المنوال تبرير انهيار اسواقها.

 

وهنا نقول أن أي من النماذج الموجودة غير مقبول لتنظيم جهاز الدولة القادر على قيادة الثورة،إن طبيعة التجربة في منظومة الدول الاشتراكية ، وكذلك منهج التصحيح المقترح من البعض بعد سقوطها  يبين أن الاشتراكية الواقعية ليست أكثر من شكل من أشكال الرأسمالية، أي رأسمالية الدولة- ، وإذا كانت قد الرأسمالية قد تزعزعت في مرحلة تاريخية معينة وحلت محلها الماركسية ، فإن التغيير لم يمس الجوهر ، بل القشور فقط، فالتغيير حصل في الجهد الإنتاجي الذي تحول من عائد يعود لرب العمل الفرد- الرأسمالي الفرد - أو الشركة،  ليصبح عائد يعود على رب العمل الجديد وهو الدولة ؟.

 

وهكذا فإن انتقال الملكية لم يكن كافياً لتغيير علاقات الإنتاج أو وضع الأُجراء، إلاّ أن الدولة الاشتراكية ترى بأنه لم يعد هناك علاقة استغلال، ولكن النظرية العالمية الثالثة قد بينت في دراستها للنموذج الماركسي بأن الأجير أشبه بالعبد للسيد الذي يستأجره.

 

وقد انتقد الكتاب الأخضر الجهاز السياسي في الدول الاشتراكية وحين قامت الدولة الماركسية قام ما يجب  أن نسميه رأسمالية الدولة على أنقاض الطبقة الرأسمالية ، بحيث تقوم بجميع وظائفها وتحافظ على مصالحها بذات العلاقات التي كانت سائدة بين الطبقة الرأسمالية وأفراد الشعب ، ومن هنا كان رفض الكتاب الأخضر لمعمر القذافي قاطعاً للأنظمة المستبدة المستغلة بغض النظر عن طبيعة الفكرة التي يحملها.

 

كما ويرفض فكرة الحزب الحاكم، أو حزب الطبقة العاملة، وإتلاف الأحزاب في السلطة ، لأنها وسيلة أخرى من وسائل مصادرة حق الشعب في السلطة وممارستها ممارسة بعيدة عن التأثير والضغط والابتزاز.

 

ويؤكد في شروحاته ضرورة وجود نوع آخر من التنظيم للطلائع والنخب ، شريطة أن لا تحل محل الجماهير ،ونؤكد من باب التوضيح  أنَّ: الطبقة هي مجموعة من المجتمع ذات مصالح واحدة،" شروح الكتاب الأخضر" وهذا  التعريف يبتعد عن التعريف الماركسي الذي يعتبر أن : الطبقة تحدد بالنسبة لموقعها إزاء وسائل الإنتاج ، وترى النظرية العالمية الثالثة ، أنه لا مبرر لطبقة أن تسحق باقي طبقات المجتمع من أجل مصالحها هي ، لأن لا مبرر لجعل مفهوم صراع الطبقات ، عامل رئيس وحاسم في حركة التاريخ.

 

والغريب أن الماركسية إلى جانب ذلك أهملت العامل القومي والديني ومن هنا كان فشلها مسألة وقت لا أكثر،وستتبعها الرأسمالية لا محالة فقد بدا واضحاً منذ ظهور النظام الرأسمالي أنه يعاني من أزمة أخلاقية خطيرة تتمثل في عدم تلبيته لتطلعات الإنسان وطموحاته في إشباع حاجاته، باعتبار أنه يطلق العنان لحرية رأس المال على حساب حرية الإنسان نفسه، كما بدا واضحاً أن المدافعين عنه هم طبقة الحذاق والسراق والسماسرة والمستفيدين منهم، فرأس المال ينمو في جانب بعيد كل البعد عن المنتج الذي يتم استغلال عرقه وجهده لتكديس الأموال في جانب رأس المال وصاحبه، ولا يصل إلى الوفرة إلا الاحتكارات المالية الكبرى التي تتعاظم لتلتهم الإنسان ذاته وتدمر المنظومة الاقتصادية ذاتها، ولا تحترم آليات السوق، فالأموال تعمل تحت منطق الاحتكار، فلا يعود الأمر بين العرض والطلب، وهذا هو لب الأزمة اليوم

 

و يهمنا هنا معرفة أسباب التحول التدريجي للأحزاب الشيوعية في اغلب البلدان إلى الديمقراطية الليبرالية، كبديل عن النموذج الماركسي في التطبيق ،  وقبل ذلك معرفة السياسة التي مهدت لهذا التحول وهي السياسة الرسمية السوفيتية ، ففي الحقبة الستالينية وما بعدها كانت السياسة السوفيتية تقوم على نزعة إصلاحية تتمثل في دعم (حركات التحرر الوطني) التي تقودها وتمثلها برجوازيات في مختلف البلدان في سبيل تحقيق مهام الثورة الديمقراطية،  وإقامة مجتمع رأسمالي حديث يتجاوز تركة القرون الوسطى الإقطاعية العشائرية، ومخلفات مرحلة الاستعمار الحديث (الكولونيالية)، أي أنها كانت تقيم الاتجاه العام للتطور في معظم دول العالم الثالث على انه اتجاه نحو إقامة أنظمة رأسمالية حديثة وهذا يستغرق مرحلة تاريخية طويلة قبل التهيؤ لتحقيق الثورة الاشتراكية، وعلى وفق هذا المنظور السوفيتي بنت الأحزاب الشيوعية العربية برامجها وسياساتها وتحالفاتها.

 

وكانت السياسة السوفيتية تقوم على إنكار إمكانية أن تقود أحزاب الطبقة العاملة -الأحزاب الشيوعية - المرحلة الديمقراطية (البرجوازية) في دول العالم الثالث التي تحدث فيها تحولات نحو الإشتراكية الماركسية ، ثم تنتقل بعد ذلك إلى تحقيق مهام ثورة اشتراكية بحجة ان ذلك يمثل (حرق للمراحل) وتجاوز على التطور التاريخي ، وفي حقيقة الأمر فأن هذه السياسة تجد جذورها في فكر المناشفة والاشتراكيين الديمقراطيين الأوربيين،  وفي نظريات بوخارين وستالين عن الاشتراكية في بلد واحد ، وقد كان هؤلاء يقولون ان الثورة الروسية عام 1917 هي ثورة برجوازية ديمقراطية وليست ثورة اشتراكية كما اعتبرها لينين.

 

مما سبق يتضح أن السياسة السوفيتية كانت تنبع من حاجات ومصالح قومية للبيروقراطية الحاكمة،  ولم تكن في حقيقتها سياسة أممية تهدف إلى خدمة مصالح الثورة في بلدان العالم الثالث ولم تنطلق من تحليل نظري صائب لطبيعة المرحلة التاريخية في الدول المتخلفة ، وقد تحملت الأحزاب الشيوعية في الدول العربية أخطاء وخطايا السياسة السوفيتية تجاه الأنظمة التي كانت تقود السلطة في دولها ،إلى جانب الخطأ المنهجي في التحليل لطبيعة شكل السلطة المنوي إحداث التغيير للوصول إليه ، وكان التزام تلك الأحزاب بحرفيات السياسة السوفيتية سبباً لما حصل لها مع الأنظمة الحاكمة .

 

 وبعد انهيار وسقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 وجدت الأحزاب الشيوعية العربية وأحزاب المدرسة الماركسية في دول العالم الثالث نفسها وحيدة معزولة سياسيا وجماهيريا ولم تتمكن حتى الآن من تقييم طبيعة المرحلة التاريخية والمهام الملقاة على عاتقها.

 

إن السياسة الشيوعية الخاطئة هي التي مهدت الطريق للتحول وتبني الديمقراطية الليبرالية ،و حصل هذا بعد مرحلة تاريخية طويلة من التحول شهدت قيام الاشتراكية في العديد من الدول ثم انهيارها في الإتحاد السوفييتي ، ولقد أدت تلك السياسة في مرحلة الانحسار والانهيار وصعود العولمة الأمريكية والنظام الدولي (الجديد) إلى استبعاد مقولات هامة عن الصراع الطبقي والثورة الاشتراكية ودكتاتورية البروليتاريا وغيرها بدعوى التكيف مع ظروف العصر وتحولاته أو لأنها لم تعد تتلائم مع المعطيات الجديدة ؟،  إن اتجاه التحول إلى الديمقراطية الليبرالية يمثل في واقع الحال امتداد للاتجاه المتمسك بالإرث النظري للماركسية السوفيتية فقد قامت معظم الأحزاب الشيوعية العربية بإدخال إصلاحات ديمقراطية على البرنامج والخط السياسي وقد سماها البعض (الديمقراطية والتجديد) أي إفساح مجال أوسع لحرية النقاش وتعدد الآراء داخل التنظيم الحزبي والتحول إلى سياسة توافقية مع قوى البرجوازية المحلية وتيارات الإسلام السياسي.

 

ولكن واستنادا إلى ما بينته مسيرة الاقتراع العام في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ودول أوروبا في الماضي من إشكاليات بنيوية  في هذه الأنظمة وأنها لا يمكن أن تكون بديلا يحتذ به ، بل أن هذه الأنظمة قد تأخرت ولعقود بعد ثورات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في إعطاء المرأة حق التصويت.

 

لقد حاولت الديمقراطية الليبرالية جعل نموذجها السياسي أكثر فاعلية بإعطائها أبعاداً جديدة ، كالإصلاحات الاقتصادية وتحسين بعض قوانين العمل ، وصياغة بعض القوانين الاجتماعية التي تريد من ورائها إعادة رسم الواقع التلفيقي بواقع أكثر تلفيقية.

 

 إن الهيمنة الأيديولوجية لفكر اليمين الرأسمالي وانتصارا لعولمة الأمريكية وامتدادها جعل من البديل الآخر(الاشتراكية ) أكثر بعدا من الناحية الفكرية وأكثر صعوبة من الناحية الواقعية في ظل توازن القوى العالمي الحالي والحروب الأستباقية والتدخل الأميركي في شؤون الدول الأخرى كما حدث في العراق وأفغانستان .

 

ان تسويق مفاهيم الليبرالية الجديدة والأفكار والظواهر الناجمة عنها بواسطة ثورة الاتصال والأعلام الفضائي والانترنيت ، لعب دورا كبيرا في جعل الديمقراطية الليبرالية هي الخيار الوحيد والممكن في المرحلة الراهنة في نظر الجميع بما في ذلك قطاع واسع من (الماركسيين ) ، ورغم ذلك نقول أن ذلك  لا يلغي الخيار الجماهيري الإنساني الديمقراطي كونه ما يزال البديل الوحيد الممكن لتحقيق الديمقراطية والحرية على مستوى العالم.

 

إن الديمقراطية الليبرالية المتبعة في العالم الغربي والولايات المتحدة الأمريكية ، والمأخوذ أجزاء منها ( بالقطعة ) في بعض دول العالم الثالث ، وبشكل أكثر تشويهاً بكثير من النموذج الأصلي ، تحقق في معظم الأحوال مصالح الأطراف الأقوى اقتصاديا في المجتمع،  ويتجلى ذلك بشكل واضح وجلي في الولايات المتحدة حيث يمثل البرلمان ( الكونجرس ) مصالح الرأسماليين وكبار الملاك والصناعيين والمدراء والشركات الكبرى ، ورغم ذلك تخضع الديمقراطية في المجتمعات الرأسمالية للضغوط بهذا القدر او ذاك للمحافظة على التوازن الاجتماعي، وعلى سيطرة الطبقات السائدة ، وهذا ضمن خطوات محسوبة جيداً من قبل الممسكين بالسلطة السياسية والاقتصادية في المجتمع. وهنا تتضح المأساة الحقيقية التي تعيشها البشرية تحت وقع هذا النظام الاقتصادي الذي لا يرحم، ولا يلبي بالأساس طموحات الإنسان في أي مكان، ولا يشبع حاجاته، والشعب الأمريكي نموذج واضح اليوم في معاناته أكثر من أي شعب آخر من هذا النظام، ويجزم المحللون الاقتصاديون بأن هذه الأزمة المالية سيدفع فيها الكثير من شعوب العالم ثمناً باهظاً.

 

 

ومهما تحدث منظرو الديمقراطية الليبرالية سواء من الليبراليين الجدد أو من "الماركسيين" المنحدرين إلى جنة الديمقراطية الليبرالية عن حسنات الديمقراطية الليبرالية والطابع العام والشامل لها وعن حق الانتخاب للجميع.. فأن ممارسة الديمقراطية ستظل مرهونة بطبيعة التكوين الطبقي للبلد وثقافته وتقاليده الاجتماعية وسوف تخضع لمؤثرات الدين والتقاليد العشائرية.

 

وعندما أشاهد  حجم التطورات الهائلة التي أصابت النظرية الديمقراطية لدي مجتمعات عدة في العالم، كنت أفكر بأوضاعنا العربية الراهنة واتجاهات الرأي العام العربي في كل البلدان العربية سواء تلك التي لها تجربتها المزيفة لهذه اللعبة، أم تلك التي بينها وبين الديمقراطية بون شاسع ، ومسافات بعيدة ، كنت أفكر بالعرب المعاصرين وهم يجتازون سنة جديدة ثامنة من القرن الواحد والعشرين وهم في طور تاريخي مهزوم سياسيا واجتماعيا، بفعل حجم تردي الوعي السياسي والابتعاد عن فن التعامل مع هذا النظام العالمي الذي يندفع بكل قوته لإدانة كل منطقتنا ليس بالتخلف والتحجر، بل بالإرهاب ضد الإنسانية والحضارة البشرية ، وفي دواخلنا العربية، خواء في المؤسسات وتكلس في المفاهيم،  لا نعرف حتى يومنا هذا أي سبيل للمشاركة في الدفاع عن المصالح المشتركة العليا، و ليس لدينا أساليب لا في التجمعات، كمؤسسة الجامعة العربية ،  ولا في المشاورات الثنائية والثلاثية ، ولا في تبادل المصالح علي مستوي مؤسسات المجتمع المدني،  ولم ندرك قيمة حقوق الإنسان . هذا في حين أن شعوبا ومجتمعات أخري في العالم اجمع تعمل اليوم بتطوير جملة هائلة من الآليات والأساليب من اجل التشاور والتكتل ضد الهيمنة أولا.. ثم أنها تتفاعل في دواخلها بتطوير الوعي بما سيصيب العالم من هزات اقتصادية وسياسية كتلك التي أفرزتها حالات الانفصام بين عالمي الشمال والجنوب، ناهيكم عن السلطة والتنافس الديمقراطي، ولعل أهم ما يمكن التفكير فيه عند العرب يكمن في كيفية التوصل إلي الديمقراطية في ظل الظروف التي يعيشونها اليوم ثم كيفية الحفاظ عليها في وحدات اجتماعية لا تدرك معانيها بعد، فكيف بممارستها.

 

من هنا نعيد التأكيد على المستوى السياسي العودة للمطالبة الشعبية ومن مؤسسات المجتمع المدني كأدوات ضغط على النظام الرسمي العربي للإنظمام إلى الفضاء الإفريقي مشكلين فضاءاً عربياً إفريقياً قادراً على الحياة في عالم لم يخلق للضعفاء فقد خسر العرب وقتاً ثميناً من تاريخهم ، وعاشوا واقعاً مراً ، لا ننكر صعوبة تغييره.

 

 

إن العرب اليوم بحاجة إلى الإحتداء بأول  ثورة ديمقراطية في التاريخ،وهي الثورة الليبية ، التي تمثل أنموذجا على الصعيد الثوري والسياسي من أجل التغيير السلمي نحو الأفضل.

 

وهنا نجد أنه لا بد من تحديد السمة الرئيسية التي تميز فكر القذافي عن النظريات الأيديولوجية الشمولية مثل  الماركسية، إن ما يميّز الفكر الجماهيري هو احترامه للإنسان ولقيمه الدينية والتراثية ، فالنظرية العالمية الثالثة لم تطرح تصوراً لنشأة الكون والإنسان كالنظرية الماركسية،

 

  رغم أنها نظرية علمية تؤمن بالعلم وتعتمد عليه،  فالماركسية ترجع مظاهر الفكر الإنساني إلى عوامل مادية بحته ، بينما النظرية العالمية الثالثة تحترم المعتقدات الدينية والعرقية ، بل تجعل من هذه  المعتقدات شريعة للمجتمع، وفي ذلك تأكيد على إنسانيتها  وديمقراطيتها ، وهي ترفض الترويض الفكري ، وفرض الثقافات التي لا تتناسب مع قدرات الإنسان العقلية واستعداداته الفطرية،لأنها تقوم على احترام الإنسان وتوجهاته الفكرية ، والمقياس في هذه النظرية هي القواعد الطبيعية في العدالة والمساواة بين الناس ، لأن القواعد الطبيعية هي المقياس والمرجع والمصدر الوحيد في العلاقات الإنسانية .



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية