نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
الأزمة الاقتصادية وأسئلة في زمن الانهيـار ..
الزايدي 
 

أ.د. مصطفى الزائدي

 

يجمع المحللون الاقتصاديون على أن أحد أسباب الأزمة المالية التي تعصف بالنظام الرأسمالي .. وتهدد استقرار الدول الكبرى المسيطرة .. وتنذر بتغيرات جيوسياسية خطيرة .. هو فساد منظومة إدارة المؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى .. وسوء تصرف مجالس إدارتها .. حيث يتقاضى كبار المديرين مبالغ خيالية .. فحسبما نشرت صحيفة الإندبندت البريطانية في شهر الفاتح / سبتمبر فإن مكافأة مديري بنك ليمان برادرز المنهار بلغت 2.5 مليار دولار .. وبالتأكيد هذا المبلغ فوق التصور.

وفي تقرير لوكالة رويترز بتاريخ 19/10/2008 ف أن السيد توم باودريل مدير الاتصالات لدى " بي اى ار سي " وهي شركة بريطانية تقدم المشورة للمؤسسات الاستثمارية بشأن الإدارة الرشيدة للشركات قال " أعتقد أنه من الأفضل الاعتراف بالفشل .. وعدم وجود آلية صحيحة للتدقيق في المكافأة التي تمنح للمسئولين عن إدارة المصارف .. وأرى أهمية إلغائها .. أو على الأقل تقليصها " .

ومن المعلوم أن مكتب التحقيقات الفيدرالي في أمريكا باشر التحقيق مع مسئولي 26 شركة أمريكية في وول ستريت منها مصرف ليمان برادرز .. وايه أي جي و فريدي ماك ..

وفي ألمانيا أعلن رئيس بنك دويتشه أنه وأعضاء مجلس إدارته سيتنازلون عن مكافآتهم السنوية التي تقدر بعدة ملايين .. وتمنح كتعويضات لصغار الموظفين .

يقول وزير المالية الألماني .. بيير تشانيبروك أن خسائر البنك الفرعي " أي كي بي " التابع للبنك الحكومي " كي اف دبليو " بلغت حتى 20/9/2008 ف 1.8 مليار يورو، ومع أنه لم يحمل المسؤولية مباشرة إلى مجلس الإدارة إلا أن صحيفة فرانكفورت الجيمانية الصادرة يوم 22/9/2008 ف كشفت أن البنك حول بطريقة غير سليمة 539 مليون يورو إلى بنك ليمان برادرز المفلس في أمريكيا .. وكان وزير الاقتصاد الألماني أعلن إقالة عضوين من مجلس إدارة كي اف دبليو الحكومي وهي دينلييف لابنييرغار ..

وفلايشكو... بسبب مسئوليتهما عن خسائر البنك ..

في فرنسا تم الاستغناء عن سارل ميلو رئيس مجلس إدارة بنك كيس ديبارني أحد أكبر المصارف الفرنسية واثنان من كبار المديرين التنفيذيين لتسببهم في خسائر 600 مليون يورو وقعت أوائل شهر تشرين أول"أكتوبر" الجاري ..

إن الانهيار المتسارع للنظام المصرفي العالمي يهدد النظم الاقتصادية في كل بلدان العالم .. خاصةً بعد أن تحولت المصارف وأسواق المال إلى مؤسسات قيادية لكل المنظومات الاقتصادية تقريباً .. وفي ظل إدارات فاسدة وأرباح وهمية .. وخسائر حقيقية .. ودونما آليات فاعلة للرقابة والتدقيق .. وفي إطار حملة دعائية تجميلية لوجه النظام الرأسمالي القبيح في محاولة لربطه بالنزاهة والعدالة .

واليوم بعد أن سقطت ورقة التوت .. وظهرت الرأسمالية عارية على حقيقتها .. ماذا نقول لأولئك المحللين العرب الذين يملؤون الفضائيات العربية زعيقاً والصحف العربية .. مقالات وتحليلات .. حول الوضع الاقتصادي .. وأسباب الانهيار .. ونتائجه .. ولنا أن نسأل هل كنا في حاجة إلى هذا الانهيار الرهيب والخطير للنظام المالي الدولي حتى نعي حقيقة الرأسمالية .. وأزمتها ؟ .. ولنعرف أن الاقتصاد القائم عليها .. هش إلى هذه الدرجة .. وضعيف بهذا القدر؟ .. بالضبط كما كانت مأساة الشعب العراقي وأنهار الدماء التي سالت في بغداد والموصل والفلوجة .. لنرى الوجه الحقيقي للديمقراطية التي يروج لها الغرب .. ولنتعرف على السمات الحقيقية للنظام الغربي الشامل والمتكامل الذي يعملون على فرضه علينا ..  ألم يسمع أولئك بما قاله معمر القذافي .. الذي دق ناقوس الخطر في وقت مبكر منذ نهايات القرن المسيحي الماضي .. وقال كل ما يكررونه اليوم عن حقيقة النظام السياسي والاقتصادي السائد .. ومجموعة القيم الفاسدة الناتجة عنه .. وحديثه عن مستقبل الرأسمالية والديمقراطية الغربية .. وقتها كان الكثير من أولئك المتقولون على التحليل يتخذونه هُزءاً .. ويعتبرونه ضرباً من الخيال .. بل إن بعضهم شكك في صدقيته .. وآخرون أعرضوا عنه بحجة أنهم أكثر دراية ومعرفة .. حتى أخذهم سونامي الانهيار المريع..  هل نقول لهم حقاً أن زمَّار الحي لا يُطرب .. وعلينا أن ننتظر حتى يعلن ساركوزي شهادة وفاة الرأسمالية .. وأن نتابع اعترافات أقطاب الدول الرأسمالية بوهن العش الذي ينسجون .. وحتى نطَّلع على ما قاله السيد جولدون بروان رئيس وزراء بريطانيا في صحيفة الوشنطن بوست التي نشرت يوم الجمعة الماضي .. "إن الأزمة المالية الحالية نقطة فاصلة للاقتصاد العالمي .. ولا بد من إيجاد حلول عالمية لإنهائها .. وطالب بتأسيس نظام اقتصادي جديد .. يقوم على المشاركة والعدالة" .. أم أن حالة التبعية تغلغلت حتى أصابت منا كل مقتل .. نردد كالببغاوات ما يقولون .. بلا عقل ولا تفكير ..

 وماذا نقول إلى من يرون في أنفسهم أهل السياسة والاقتصاد في ليبيا الذين يحاولون عبثاً العودة إلى الخلف .. بحجة التطوير .. وتحسين الأداء .. فعملوا على تفكيك ما تأسس من بدايات لمنظومة اشتراكية جديدة في بلادنا .. تحت شعار معالجة اختناقات القطاع العام .. فألغوا الإدارة بواسطة اللجان واعتقدوا أنهم بالعودة إلى نظام مجالس الإدارة والمديرين العامين والمفوضين العامين وجدوا عصا موسى السحرية التي تقود إلى التطوير والتقدم .. وأعطوا الحق .. دون وجه حق إلى الشركات وأدارتها بتحديد المرتبات والمكفاءات .. الخاصة بالمديرين.. بديلاً لنظام المرتبات السائد الذي يمنع التفاوت ويحول دون التحايل .. ويرتبط بمنظومة وطنية .. تعتمد على المساواة والعدالة .. وحجم الإنتاج .. وتقارب دخول الليبيين من العاملين في مختلف الشركات والأجهزة العامة .

ماذا تراهم اليوم فاعلون .. هل سيضعون مجالس الإدارة تلك التي تعمل عندنا دون رقيب ولا حسيب .. تحت طائلة المراقبة والمحاسبة .. وربما الطرد أوالإعفاء .. هل سيتدخلون للحد من قيمة مكافآتهم من الأرباح الوهمية ؟ .. التي يتقاضونها .. ويعودون إلى تطبيق المقولة الاشتراكية التي تنص على تقاضي العاملين حصة من الإنتاج .. وهل سيتراجعون عن تحويل الاقتصاد الليبي الذي أرادته الثورة اقتصاداً إنتاجيا لإشباع الحاجات .. يتطور ذاتياَ بالمعطيات المادية والبشرية الليبية .. إلى اقتصاد مالي استهلاكي قد يقود إلى التبعية المالية والسياسية ؟.. وهل سيبحثون عن موطأ قدم لتدخل المجتمع لتوجيه النشاط الاقتصادي بما يخدم مصلحة الأفراد في إطار النظرية الاشتراكية الشعبية القائمة على أن الذي ينتج هو الذي يستهلك .. وشركاء لا أجراء .. خاصة بعد اتجاه المؤسسات الرأسمالية لطرد العمال .. وسيلةً للحفاظ على كيانات تلك المؤسسات حيث يتوقع أن يصل عدد العمال المسرحين في أمريكيا وحدها قبل نهاية هذا العام إلى 900.000 موظف .. خاصة بعد بوادر فشل عملية ضخ أموال الدولة في المؤسسات المالية والاقتصادية المفلسة .. وبعد تدخل الدولة بشكل تعسفي وقسري في الدول الرأسمالية وإتباع سياسة التأميم وشراء المؤسسات المالية المفلسة .. وهل سيحتفلون هذا العام بذكرى تأميم المصارف .. حيث حولتها الثورة من مؤسسات اقتصادية تخدم بقايا الاستعمار إلى مصارف وطنية تخدم التنمية ؟ .. هل سيعيدون قراءة الكتاب الأخضر الحل الحقيقي والنهائي الوقائي والعلاجي من الأزمات السياسية والاقتصادية ليتأسس مجتمع جديد يقوم فيه العاملون على التوافق لإدارة المؤسسات الاقتصادية بواسطة المؤتمرات الإنتاجية واللجان الشعبية .. لتحقيق الرخاء والتقدم لكل الأفراد في إطار العدالة التامة بينهم والمساواة الكاملة في حقوقهم وواجباتهم؟

وإلى لقــــاء ..عن صحيفة قورينا

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية