نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
المعرفة و السلطة

 

  أ.د المهدي امبيرش
 

  في شهر رمضان المبارك في هذا العام كنت قد ألقيت محاضرة كانت بعنوان "القرآن مشروع للقراءة" ، وقد أوضحت فيه أن القرآن في العربية إما أن يكون مصدرًا للمقروء ، أي القرآن المقروء ، وإما أن يكون القرآن بمفهوم القراءة ، وفي كلا الحالين فإن الوحي الإلهي جاء ضمن الأمر بالقراءة ، إذ كان أول ما نـزّل على الرسول الكريم من وحي هو الأمر بالقراءة في قوله تعالى في سورة (العلق ) :" اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6 أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)" ،

  

 في شهر رمضان المبارك في هذا العام كنت قد ألقيت محاضرة كانت بعنوان "القرآن مشروع للقراءة" ، وقد أوضحت فيه أن القرآن في العربية إما أن يكون مصدرًا للمقروء ، أي القرآن المقروء ، وإما أن يكون القرآن بمفهوم القراءة ، وفي كلا الحالين فإن الوحي الإلهي جاء ضمن الأمر بالقراءة ، إذ كان أول ما نـزل على الرسول الكريم من وحي هو الأمر بالقراءة في قوله تعالى في سورة (العلق ) :" اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6 أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)" ، فالأمر بالقراءة أمر واضح ، وفعل الأمر في العربية هو الفعل المنفتح على المستقبل ، باعتباره أمرًا ، أي أنه يقع ضمن أفق الجملة الإنشائية ، والجملة الإنشائية في العربية هي غير الجملة الخبرية ، فالجملة الخبرية جملة منطقية ، والمنطق هو حالة تظرف ومحدود منطقي ، والمنطق موضوعه الأحكام ، والأحكام وضع اجتهادي ، إذ إن الأحكام وفق الاجتهاد ترتبط بالخطأ والصواب ، وليس بالحقيقة ، ومن ثم تأتي علاقة الوحي بالحقيقة ، وعلاقة الحقيقة بالحق الذي هو الله تعالى :" ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ (62)" سورة الحج ، وهنا يتضح الفرق في العربية بين الحقيقة التي هي (فعيل بمعنى مفعول) ، أي الحقيقة بمعني المتحقق والذي يتحقق والذي سوف يتحقق ، ومن ثم فإن الحقيقة في الوحي هي ليست الذي تحقق فحسب ، بل الذي يتحقق والذي سوف يتحقق ومن ثم فإن حقيقة الوحي الإلهي منفتحة على الإنسان إلى قيام الساعة ، ومن هنا يأتي اعتقادنا بصلاحية الوحي القرآني لكل إنسان وفي كل مكان وزمان ، وهنا يرتبط هذا المفهوم في أمره تعالى بالقراءة باسم ربنا الذي خلق ، فالقراءة باسم الله تفتحنا على أفق الغيب الإلهي ، واستخدام مصطلح الرب ، له علاقة بالمحبة فالربوبية ترتبط بالتربية والتعهد والعناية ، فالله ربنا لأنه هو الذي يتعهدنا ويسبغ علينا من رحمته ، ومن ثم فإن القراءة باسم الله تفتحنا كما أشرت على مشروع الغيب ، أي الذي تحقق والذي يتحقق ، وقد أشار القرآن إلى الغيب بمعنى الذي تحقق في قوله تعالى :" وَإِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)" سورة آل عمران ، فهذا الحدث المتحقق لم يكن الرسول  حاضرًا فيه وشاهدًا عليه ، ولكن الوحي القرآني هو الذي جعل الرسول الكريم في حالة حضور ، أي أن عالم الغيب صار بنعمة الله للرسول هو عالم الشهادة ، كما أن الغيب يأتي بمعنى الذي سوف يتحقق :" إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَوَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداًوَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)" سورة لقمان ، فالله الحق هو العلم المطلق ، والإنسان المحدود بحكم هذه المحدودية يتعامل مع الحقيقة ، أي مع المعرفة والمعرفة بعض الحقيقة ، والإنسان لم يؤت من العلم إلا قليلا :" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85) وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً (86) إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (87) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ?وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (89) " سورة الإسراء ، حتى الرسول الكريم ( يأتيه العلم من لدنه تعالى ، فإذا ذهب عنه الوحي فإنه لا يستطيع أن يأتي بعلم ، أي أن ما يقوله الرسول ( هو وحي يوحى ، فإذا كان هذا في حق الرسول ( ، فكيف بغيره من البشر ، ومن ثم وجه الله تعالى رسوله إلى عدم الاستعجال ، فالعلم الإلهي يأتي إليه بقدر من خلال الوحي القرآني ، ومن ثم يدعو الرسول الكريم ( الله أن يزيده علمًا  :" وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ?وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (113)  فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)" سورة طه .

 

    إن الربط بين العلق والعلاقة التي بين الخالق والمخلوق ، ربط محكم ، فالإنسان خلق من علق ، وهذا العلق ينشئ علاقة ، والعلاقة في العربية امتداد (لللام) ، ودلالة اللام في العربية اللم والضم ، وامتداد اللام هو امتداد لحالة اللم هذه ، كما أن الميم في العربية ترتبط بالغيب والمجهول كما هي في قوله تعالى :" إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ?وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ?وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ?وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً?وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)" سورة لقمان ، فـ(ما في الأرحام) هو هذا الغيب الذي ابعد من (من) ، فالطبيب قد يفهم من الميم الغيبي ما يقع في دلالة (النون) ، التي هي للوجود ، ما يظهر من هذا الوجود بمفهومه المطلق من خلال الموجود ، أي قد يعرف من خلال الأجهزة هل الجنين ذكر أم أنثى ، ولكنه لا يستطيع أن يحيط علمًا بغيبه ، مع ملاحظة أن مصطلح الجنين له علاقة بالاختفاء وعدم الظهور الكامل ، ومن ذلك جاءت الجن ، وجاء مفهوم الجنة ، فالجنة كما يقول الرسول الكريم فيها "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ، وهذا يقودنا إلى عنوان السؤال والقضية السابقة حول العلاقة بين البشر والمباشرة ، وفيما يتعلق بالتعبير فإن عبور المفاهيم يمكن من خلال الألفاظ المباشرة ، ولكن المعاني التي هي في الغيب أو المرتبطة بالمعنى لا تعبر إلينا إلا من خلال التشبيه والتمثيل ، ومن ثم يستخدم الوحي القرآني الأمثال والتشبيهات لمقاربة هذه الصورة المعنوية الغائبة ، وقد يستخدم التمثيل والتشبيه معًا ، كقوله تعالى :" الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَناًّ وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قُوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْـهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) " سورة البقرة ، فالمقاربة هنا على سبيل التمثيل والتشبيه معًا وفي هذا المنحى يقول تعالى :" وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن?كُلِّ مَثَلٍ?وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (54)" سورة الكهف .

 

    فإذا كان الغائب من الحقيقة يمكن أن نتوصل إليه بالتمثيل والتشبيه فإن الحق هو غير ذلك لأن الله تعالى ليس كمثله شيء :" فَاطِرُ السَّمَوَاتِ?وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً?وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)" سورة الشورى ، وقد نعى الله تعالى الماديين والمجسدين من اليهود والنصارى الذين قالوا إن الله خلق الإنسان على صورته ، تعالى الله عن ذلك علوًا كثيرا :" وَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ?وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْوَقْراًوَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القُرْآنِوَحْدَهُوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ?وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً (47) انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (48)" سورة الإسراء ، فالله تعالى له المثل الأعلى :" وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ?وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ?وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ?وَالأَرْضِ?وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (27)" سورة الروم ، ولأنه عزيز ، يصعب على الإنسان المحدود والمخلوق أن يحيط بالله تعالى ، فالذي يحاط لا يحيط ، ولأن الله محيط بكل ما خلق فلا يمكن للمخلوق المحدود أن يحيط بالله علمًا ، إلا بمقدار ما يطلع الله الإنسان عليه ، وهنا تكون الحكمة ، فالحكمة هي إعطاء الإنسان بقدر قدرته على التحمل ، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، وبهذا كان دعاؤنا كما جاء في القرآن الكريم أن لا يحملنا الله إصرًا كما حمّله على الذين من قبلنا ، وأن لا يكلفنا ما لا طاقة لنا به :" لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ (286)" سورة البقرة .

 

    نعود إلى سورة العلق والعلاقة بين القراءة والصلاة ، فالصلاة هي الاتصال بالله حسب الممكن والقدرة ، أي إقامة علاقة ضمن الممكن البشري للمخلوق مع الخالق ، ومن ثم جاءت في سورة العلق الإشارة إلى الصلاة :" أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10)" سورة العلق ، فالطغيان سببه احتكار المعرفة ، :" كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)" سورة العلق ، وهنا يتضح الفرق بين القراءة التي هي قدرة بشرية عامة ، أي أن كل إنسان له القدرة أن يقرأ حتى إذا لم يذهب إلى المدارس ، فما يتعلمه في المدارس هو الخط الذي وسيلته القلم ، فالقلم يكون وسيلة للتعلم ، ولكن الخطورة هي في احتكار وسيلة المعرفة ، إن الرسول الكريم ( مأمور بالقراءة ، وبتلاوة القرآن ، على الرغم من أنه لم يتعلم الخط بالقلم :" وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ?وَلاَ?تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ?وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (49) " سورة العنكبوت  فالوحي القرآني هو كتاب أي فريضة قبل أن يخط على الورق ، هو في كتاب مكنون وصل إلينا عن طريق الوحي إلى الرسول الكريم ( ، وبهذا يوجهنا الوحي إلى الحفظ ، أي إلى حفظ القرآن في الصدور ، كما ينبهنا إلا نقع في ما وقع فيه اليهود الذين حولوا الوحي إلى قراطيس ، كما ينبهنا القرآن الكريم إلى خطورة هذا المنحى الوثني في التعامل مع الكتاب والوحي ، فالماديون لا يقبلون إلا بكل ما هو قابل للمس :" وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراًوَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَاوَتُخْفُونَ كَثِيراًوَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ?وَلاَآبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذرها فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَاوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِوَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)" سورة الأنعام ، :" وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)" سورة الأنعام ، وهذه الآية الأخيرة توضح الفرق بين الكتاب الذي هو الفريضة وبين تحول الكتاب إلى خط في قرطاس ، فالماديون يريدون اللمس الحسي ، في حين أن القرآن علاقتنا به علاقة مس لا لمس :" إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)" سورة الواقعة ، إن الحقيقة القرآنية هي مكنونة تتكشف في كل مرة بقدر ، وأن الذي يمس هذا المكنون هم المُطَهَّرون ، والمطَهَّر في العربية اسم مفعول ، أي الذي طهر الله قبله لتلقي حقيقة المكنون .

 

    إن هذا لا يفهم منه أننا ضد خط القرآن في مصاحف ، أو أننا لا نحترم القرطاس الذي خط عليه الوحي ، ولكن تقديرنا له ليس في ذاته ، بل لأن الوحي قد خط عليه ، فاحترام الورق يأتي من هذه الجهة ، إن هذا الموقف هو كموقف عمر بن الخطاب (  وهو يقبل الحجر الأسعد قائلاً :"والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ، ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك" ، وعمر ( خوفًا من شبهة المادية والوثنية هو الذي أمر باقتلاع الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان ، ومن ثم فإننا مع الحفظ والتوسع في حفظ القرآن في الصدور ، وإن كان هذا لا يمنع من استخدام أرقى وسائل التقنية ، فلم يعد الوحي يخط على الورق ، بل صار بالإمكان أن نسمعه في أشرطة مسموعة هي الأخرى لابد أن نحترمها لأن فيها هذا الوحي مسموعًا ، وكثير من الناس لا يعطون ذات القيمة للشريط الذي سجلت عليه قراءة القرآن بنفس القيمة والاحترام الذي يعطي للقرآن المخطوط على الورق ، إن القرآن هو القيمة ، وإن الوسائل تختلف ، وكم كانت دهشتي من بعض الذين تابعوا هذه المحاضرة حين أدعوا أنني ضد القرآن ، أو أنني لا أحترم الوحي المخطوط ، وأرجو أن أكون بذلك قد أزلت إحدى هذه الشبهات ، وسأتولى في الأسبوع القادم بإذن الله إزالة بقية الشبهات التي أثيرت حول هذه المحاضرة ، والمتعلقة بمفهوم الجملة الواحدة ، وبتقدير الرسول ( للشعر الملتزم والشعراء المدافعين عن رسالة القرآن ، حيث إن الشبهة التي أوردها البعض أنني قلت بأن الرسول شاعر ، وحاشا له أن يكون ذلك ، حيث إن الله تعالى يقول في حقه ( :" وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (69) لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَياًّ وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ (70)" سورة يس ، وفيما يتعلق بالوحي يؤكد الحق تبارك وتعالى انه ليس بقول شاعر :" إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)" سورة الحاقة ، والفرق بيّن بين قولنا إن الرسول الكريم يمتلك قدرة على تقدير الشعر ، وأنه يمتلك هذه الشاعرية التي جعلته يعطي بردته لكعب بن زهير ، وبين الافتراء الذي قاله البعض إنني قلت إن الرسول شاعر ، أو إن القرآن شعر ، فالرسول ( عربي يتذوق الشعر ، وتذوق الشعر يأتي من هذه الذوقية ، ومنها جاء هذا التقدير لكعب بن زهير ، في قصيدته المعروفة "بانت سعاد" ، وعمر بن الخطاب ( يأمرنا بأن نعلم أولادنا الشعر ، في القول المنسوب إليه "علموا أولادكم الشعر فإنه ديوان العرب".
عن صحيفة الشمس.

 



أضف تعليقا

اضيف في 04 ديسمبر, 2008 01:28 م , من قبل sami
من مصر said:

مدونة الباشا
http://hnore.maktoobblog.com/


الأربعاء,كانون الأول 03, 2008

فضيحة الانبا بيشوى - كارثه - انتا عار على الكنيسه يا بيشوى


كتبها / سامى وليم ذكى

فى حادثه هيه الاولى من نوعها وسابق يعتبرقنبله تم حبك خيوطها بمعامل شركة افريقيا لنقل البيانات و بعد أن استفز الانبا بيشوى جميع العاملين معى بشركتى فى الكثير من مواقفه وبعد دراسه شديده لشخصيته التى كان من الوهله الاولى معروف عنه حبه الشديد للنساء الجميلة وولعه بلنساء قررنا أن نرسل اليه الغاده الشقراء رائعة الجمال الانسه مادلين موسى بصفتها صحفيه تريد ان تجرى معه حوار صحفى و بعد أن حدد لها قيافة المطران موعد بلمحله الكبرى اليوم الاربعاء تعمدة مادلين ان تتدلل عليه كثيرآ وتدخل الى قلبه حوارته مادلين وتسائلة عن قضية القمص المتنيح أبراهيم عبد السيد هذه الرجل الذى كان من أعلام و مفكرين كنيستنا القبطيه فائدعى قيافة الانبا بيشوى بلاص المجمع المقدس و دنجوان عصره أن الذى تقدم بشكوى ضد القمص ابراهيم عبد السيد هيه زوجته عندما قالت له ان زوجته لم تفعل هذه الفعل قال لها بلحرف الوحد (( لقض حضرت الينا سيده ادعة انها زوجته وتقدمة بشكوى ضده )) ربنا يخيبك كمان و كمان فكرتنى بفيلم عبد الحليم حافظ فى معبودة الجماهير بس موش عارف الست دى كانت سحبه كام عيل ورها ولا لأ ويا ترى كانت جايه تطلب نفقه منك أيها الحاقد ولا كانت عوزه ايه بلتحديد . ولماذ أخترت هذه الرجل بلتحديد ولماذ تترك القمص بطرس بطرس بسطوروس بكل خياناته و سرقاته ايها النذل ولماذ تترك القمص كيرلس ذكى بسرقاته اين تذهب اموال الكنيسه التى تبحتر فيها يمين و يسار وكائنها من العزبه التى تركتها لك السيده والدتك . الانبا بيشوى فى نهاية الجلسه عرض على الانسه مادلين ان تعمل معه كصحفيه ترد على ما ينشر ضده بمبلغ 2000 جنيه شهريآ (( ايوه والله الفان جنيه مصرى شهرين )) كما اهدها هديه قيمه جدن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ متستغربوش لا انتو ناويين تستغربو اقول ليكم خلو بالكم امسكم اعصابكم ى مفاجائه طيب حقول الهديه عباره عن (( لاب توب ايسر )) اتنيلو بقى و اقعدو فى بيتكو يا وحشين و يا شباب موش لقى وظيفه زمانكم بتتمنو تكونو بنات بس موش اى بنات بنات موزز و اخيرن اعطاها ايميله الخاص و رقم تليفونه الخاص جدن و هذه هما e-mail:demiana@tecmina.com ))



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية