أ.د . مصطفى الزائدي
ولعل المتأمل لهذين التعريفين يرى التركيز على الجانب الوظيفي للتداول .أي طريقة دخول وخروج أدوات السلطة وفقاً لهذا التعريف فإن التداول يتطلب آليات وأدوات محددة،ومنها:
وجود أحزاب سياسية حقيقية ومختلفة تتداول على السلطة.
ووجود انتخابات حرة ونزيهة تمكن الأحزاب المختلفة من التداول على السلطة، ولا يتطلب التداول تغيير كافة مؤسسات الإدارة بالكامل بل الاكتفاء بتغيير قيادات بعضها، لأن ثبات المؤسسات وخاصة المهمة منها مثل الجيش والأمن والمؤسسات الاقتصادية والموظفين الكبار والمؤسسات القضائية وغيرهم ضمان لاستقرار الدول ،مع أنها أهم ركائز السلطة لقدرتها على التدخل المطلق في شؤون الأفراد والدولة، ولا يمكن تصور دولة ما دونما مؤسسات الأمن والقضاء والاقتصاد،أي أن التداول يستثني أهم مؤسسات الدولة ،لكن السؤال الذي أطرحه ما هو حجم التداول الحقيقي على السلطة .
لو تتبعنا التداول على السلطة في الدول الغربية لوجدنا في بريطانيا يتداول العماليون والمحافظون على السلطة دورياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولم يتمكن أي حزب آخر من الوصول إلى السلطة واقتصر المشهد السياسي فيها على صراع دائم بين الحزبين وبالرغم من هذا التداول النظري إلا أن سياسة بريطانيا ثابتة لم تتغير على الصعيدين الداخلي والخارجي،وفي ألمانيا يتداول الديمقراطيون المسيحيون والاشتراكيون منذ عام 1969م ، مع وجود فترات قصيرة يتكون فيها تحالف بينهما على الحكم،ويتم في تلك الفترات التداول عبر حزب وسيط صغير " الحزب الحر أو حزب الخضر " ،ولم يتمكن أي حزب آخر من المشاركة الفعلية في التداول،وبالتأكيد ألمانيا المكبلة باتفاقيات الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من محدودية لدور الدولة الألمانية على الأصعدة الداخلية والخارجية،لم تتغير سياستها على الإطلاق،سواء كانت السيادة للديمقراطيين المسيحيين من اديناور،إلى كول،أو للاشتراكين من فيلي برانت إلى هلموت شميدت و جيرهارد شـرودر.
في فرنسا بدأ التداول فقط عام 1981م عندما حقق الاشتراكيون والشيوعيون فوزاً في الانتخابات،وتمكنوا من إزاحة الأحزاب اليمينية عن السلطة لأول مرة في تاريخ الجمهورية الفرنسية،وسرعان ما سقط المد الاشتراكي ليعود اليمين بقوة إلى السلطة ،وللمرء أن يتساءل هل غيَّر ميتران كثيراً من سياسات ديستان أو أن ساراكوزي،تغير كثيراً عن جاك شيراك? .
في إيطاليا تمكن اليسار من تحقيق أول تداول على السلطة عام 1986م، بعد أن هيمن اليمين على الحكم لمدة 40 عام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية،ومع أن الأزمة السياسية الإيطالية أكثر وضوحاً على الخارطة الأوروبية إلا أن التداول على السلطة ظل محدود جداً ،و في سويسرا لم تحدث حالة تداول على السلطة وإنما يتم استيعاب الأحزاب المعارضة في مؤسسات السلطة التشريعية والحكومة،ويلاحظ الأستاذ أندري أستاذ العلوم السياسية في جامعة لوزان أنه تاريخياً لم يتأسس النظام السياسي السويسري على التداول على الحكم ولكن على إدماج تشكيلات سياسية معارضة وقوى صاعدة.
منذ ولادة الدولة السويسرية 1848م اقتصر تشكيل الحكومة على الراديكاليين، أما الأحزاب الثلاثة المتبقية فالتحقت بالسلطة في الفترة ما بين 1891م و 1959م، أي على مدى أكثر من قرن هيمن وسط اليمين على الديمقراطية شبه المباشرة في سويسرا..أما الاشتراكيون الذين يوجدون كأقلية في البرلمان وفي الحكومة، فلا يحلمون بحدوث تغيير كبير في يوم من الأيام، يمكنهم من تكوين سلطة خاصة بهم في إطار مفهوم التداول.
مما تقدم يتبين أن أهم الدول الغربية التي تروج للتداول على السلطة هي في واقع الأمر لا تطبق هذا المفهوم لفترات طويلة،فكرة التداول حديثة العهد من الأساس فقد بدأت تمارس عملياً بعد الحرب العالمية الثانية لكن التداول ظل محدود جداً فالأحزاب التي هيمنت على الساحة السياسية في أوروبا الغربية محدودة في عددها "حزبان فقط " ،وفي أغلب الدول الأوروبية المقسمة نظرياً بين يمين محافظ .. ويسار اشتراكي فإن الأحزاب الاشتراكية لم تتمكن من تولي السلطة إلا لفترات محدودة..في بلدان معدودة .
لنتعمق في الموضوع بشيء من الدقة . هل هناك تداول حقيقي بين الأفراد على السلطة؟، أم أن النخبة الحاكمة محدودة جداً في أكثر الدول ادعاءً للديمقراطية؟، وهنا أشير إلى بحث قدمه أحد الليبراليين الليبيين.. يقول إن عدد من تولوا مهام قيادية في ليبيا بعد الثورة لا يتجاوز 250 اسم.. واستخدم ذلك البحث المشبوه والذي لا يستند إلى قاعدة البحث العلمية.. استخدم من قبل الكثيرين للنيل من السلوك الديمقراطي للثورة .. فالبحث قدم أسماء لمن تولوا أمانات اللجان الشعبية العامة .. دون الإشارة إلى أن الإدارة الشعبية القائمة وفق إطار سلطة الشعب.. هي مهمة اللجان النوعية سواء المحلية أو العامة ، وإن دور أماناتها هي عمليات إدارية تنسيقية وليست قيادية أو توجيهية .. لكن المهم في الموضوع أن البحث لم يقدم مقارنة مع الآخر.. لنراجع التداول على الوظائف القيادية في الدول الغربية .. أعضاء البرلمان .. ما هي نسبة التغيير فيهم الوزراء وقيادات الأحزاب.. أخذين في الاعتبار حجم الديمقراطية الغربية وعدد السكان وما إليها..
أنا لن أقدم أرقاما لأني لم أجرى ذلك البحث.. أتمنى أن يتصدى باحثٌ ما لهذا الأمر ويتعمق في دراسته.. الأمر الأكثر أهمية من كل ذلك هو أن إفرازات الأحزاب من الأفراد الذين يتداولون على أدوات السلطة ثابتة تقريباً ولا تتغير بشكل جدي .. فنظرة عامة على أعضاء الكونغرس الأمريكي أو الجمعية الوطنية الفرنسية.. أو مجلس العموم البريطاني .. أو الكنيست الصهيوني يرى أن الأسماء هي الأسماء .. أغلبها تكتسب عضوية دائمة مدى الحياة .. فعلى سبيل المثال عضو الكونغرس الشهير لانتوز حصل على عضوية في الكونغرس منذ عام 1952م.. واستمر إلى ما شاء الله ..!! ،أما جوزيف بايدن الذي اختير أخيراً نائباً لأوباما فقد دخل المجلس 1971م وهو يعتبر من العناصر الجديدة في الكونغرس .. ما أوباما نفسه .. الذي يمثل الجيل الجديد في الكونغرس فتعود عضويته إلى العام 1996م عندما انتخب عن ولاية الينوي .. ومنذ ذلك الوقت وهو أصغر الأعضاء سناً في مجلس الشيوخ.. وبالتأكيد ستستمر هذه العضوية لعقود قادمة .
أما تيد ستيفان .. الذي يطلق عليه في ألاسكا العم تيد ، وهو نموذج للسياسيين الفاسدين في الولايات المتحدة .. فقد بقي عضواً بالكونغرس 40 عام منذ انتخابه عام 1968م.
إن متابعة دقيقة لكل أعضاء البرلمانات في الدول الغربية ستوضح أنهم ثابتون لا يتغيرون إلا قليلاً.. ونادراً ما يدخل أعضاء جدد إلى تلك المجالس.. أنا أستطيع القول بأن بضع مئات من الناس يسيطرون على سياسة العالم لفترات طويلة جداً من خلال وجودهم المستمر وسيطرتهم على برلمانات الدول الغربية منذ الحرب العالمية الثانية.. إن فكرة التداول على السلطة فكرة نظرية بحتة لا تطبق على أرض الواقع.. إنها تغيير أدوار فقط . فالانتخابات الحرة والنزيهة.. الشرط الأساسي للتداول لا توجد .. وقد بيَّنا ذلك في مقال سابق .. جماعات المصالح الرأسمالية وجماعات الضغط اليهودية لها الدور الحاسم في نتائج الانتخابات تقريباً في كل دول العالم في القرن المنصرم.. وبداية هذا القرن المسيحي الجديد..
من جانب آخر لا توجد أحزاب من الناحية العملية، إنها مجرد تكتلات انتخابية لا أكثر ولا أقل .. ومع هذا فإن حجم التداول بين تلك الأحزاب الوهمية ضئيل جداً مقارنة بالضجة الإعلامية المثارة حول مفهوم التداول وأهميته للديمقراطية الغربية..لكن واقع حال التداول لو نظر إليه من خلال نسبة التغيير في مؤسسات القرار السياسي في الدول الغربية فهو محدود من الناحية العددية فأعضاء تلك المؤسسات التشريعية والتنفيذية ثابتون لا يتغيرون.. إنها مؤسسات تكرس ديمومة سيطرة أفراد بأسمائهم على السلطة..أما المؤسسات الأكثر أهمية في بسط نفوذ الطبقة الرأسمالية على السلطة فلا تمتد لها يد التداول من الأساس.. وهي ثابتة ودائمة ..
عندما تمكن الحزب الحر في النمسا من الفوز في الانتخابات وشكل تحالف مع حزب الشعب اليميني الأمر الذي أنذر من شبه تغيير في شكل المؤسسة الحاكمة في النمسا..وهي بلد صغير محايد .. لا يؤثر كثيراً في السياسة الدولية .. تم حصار النمسا وتجميد عضويتها في مؤسسات الاتحاد الأوروبي حتى استبعد الحزب الحر عن المشاركة في السلطة بالرغم من تخلي رئيس الحزب آنذاك يورج هايدر عن منصبه .. واستقالته من الحزب . إن فكرة التداول على السلطة وإن كانت مرفوضة من الناحية المبدئية حيث تُمكن قلة من التداول على حكم الكثرة.. فهي غير موجودة من الناحية العملية .. فماذا تراهم يريدون أولئك الذين? ?يرددون الشعارات كالببغاوات .. لا يعقِلون ما يقولون.
عن صحيفة قورينا












