ما حقيقة ما يجري في أسواق المال العالمية...؟!!
الأزمة المالية العالمية..هل صنعتها الاحتكارات الرأسمالية ؟ أم صنعها سوء الإدارة السياسية..؟
وهل ابتلعت الاحتكارات المتوحشة كل شيء وكشفت عن وجهها القبيح المعادي للإنسانية ووضعت نفسها في مواجهة العالم بأسره فبات على العالم القضاء عليها..؟!
هل تنجح مساعي الإدارة الأمريكية في إنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الانهيار..؟ وما الضمانات الكفيلة بإعادة التوازن بعد إنقاذ الجهاز المصرفي الأمريكي من الإفلاس..؟!
هل يكمن الحل في دعم الجهاز المصرفي المفلس ..؟ أم في تعويض المودعين عن أموالهم الضائعة ؟.. أم في وضع ضوابط على النظام المالي العالمي ؟ أم أن الأمر يطال النظام الاقتصادي برمته؟!!
ومن جهة أخرى: هل جاءت الأزمة نتيجة الذروة في حرية رأس المال..؟
أم أنها كانت نتاج الفشل الذي لحق بالسياسات على الاقتصاد ..؟!!
هل نستطيع إن نقول إن الرأسمالية حرقت رأس المال ومعه شعوب الغرب كلها..؟!
أم أن الاقتصاد الرأسمالي يلفظ آخر أنفاسه ليلحق برأسمالية الدولة التي لم تجد من يدافع عنها..؟!!
محمد رؤيا ناظم
حدث الزلزال الكبير فيما أسموه الاثنين الأسود، الذي أطاح باستقرار أسواق المال العالمية، وهدد الاقتصاد العالمي الذي يشكل الاقتصاد الأمريكي عصبه، وألحق الزلزال خسائر فادحة وصلت حد إفلاس العديد من المؤسسات الاقتصادية الكبرى وفي مقدمتها المصارف في الولايات المتحدة الأمريكية، وهزت توابع الزلزال أسواق المال في أوروبا وآسيا والوطن العربي، وبلغت الخسائر في أوروبا وآسيا مئات المليارات، ولحقت نفس الأضرار بأسواق المال العربية التابعة لتلك المنظومة الاقتصادية التي انهارت قواها، وكان سوق الأوراق المالية في وول ستريت قد شهد انخفاضاً هائلاً بسبب تفاقم أزمة الائتمان ومتاعب أسواق الرهن العقاري التي اندلعت منذ 13 شهراً وفشل مفاوضات شراء بعض المؤسسات المالية الأمريكية التي تحاول الإفلات من إشهار الإفلاس ومنها مصرف "ليمان براذرز"، حتى أنهم أسموه الأحد الأسود، وقد بلغت خسائر أسواق المال الأمريكية والأوروبية والآسيوية والعربية في حدها الأدنى إلى ما يقارب %7 ذلك اليوم، وسط تكتم شديد حول الأرقام الحقيقية للخسائر التي تكبدتها أسواق المال، وهو ما جرّ المتاعب على الأسعار العالمية حيث أثر سلباً على أسعار النفط والذهب، وأشعل النار في أسعار المواد الاستهلاكية بسبب خسائر قطاع التأمينات، ولا أدل على هذا من محنة مجموعة "أمريكان انترناشونال جروب" للتأمين المتعثرة التي طلبت من المصرف المركزي الأمريكي منحها قرض إنقاذ، وتشير هذه التطورات بعد جولات من المحادثات المكثفة بين الرؤساء التنفيذيين للبنوك والسلطات التنظيمية في مقر مجلس الاحتياطي الاتحادي إلى أن الاقتصاد الأمريكي بدأ في الانزلاق إلى الهاوية من خلال مسلسل الخسائر وإشهار الإفلاس الذي لحق بكبرى مؤسساته.
وتلا الأحد والاثنين الأسودين ثلاثاء أشد سواداً فقد انهارت أكبر شركة تأمين أمريكية وأعلنت إفلاسها، واضطرت الإدارة الأمريكية لضخ أكثر من مائة مليار دولار لشراء الأصول التابعة للشركة وإعطائها فرصة لممارسة عملها داخل السوق الأمريكية، وتعتبر المجموعة الدولية الأمريكية AIG المشار إليها أخطر جهة يدور القلق بشأنها في وول ستريت.
ولا شك أن الحصيلة "المعلنة" لخسائر النظام الرأسمالي حتى الآن تعتبر كارثية بكل المقاييس على صعيد الاقتصاد الأمريكي، حيث أفلس ثلاثة من أصل أكبر خمسة مصارف أمريكية، علاوة على انهيار أكبر شركة تأمين، والخسائر الفادحة في قطاع العقارات، وأغلقت الآلاف من المصارف والمصانع الصغيرة، وطرد عشرات الآلاف من وظائفهم، وأصبح ثلاثة ملايين أسرة بين مطرود من مسكنه أو في طريقه لمغادرته طواعية، ومئات الآلاف من الأمريكيين مهددون بالطرد من وظائفهم، ولا نبالغ إذا قلنا أن تلك الأيام السوداء في تاريخ النظام الرأسمالي في أمريكا ليست إلا بداية لأيام سوداء كثيرة ستحيق بأسواق المال العالمية التي تأسست على منظومة اقتصادية غير إنسانية، ومن ثم ستحيق بتلك الدول التي تسير في هذا الركب المنهار، فقد تُركت الحرية لرأس المال ليعبث بكل شيء، حتى بالإنسان نفسه، ولم يعد من الممكن وقف أطماع رأس المال عند حد حتى أطاح رأس المال برأس المال ذاته، ولم يعد أمام العالم إلا إشهار إفلاس النظام الرأسمالي نفسه، بعد إشهار إفلاس معظم مؤسساته الكبرى، لكي يلحق بإشهار إفلاس المنظومة الماركسية ليتأسس على أنقاضهما نظام اقتصادي يقوم على أسس إنسانية، لا تحركه الأطماع، ولا ينجر وراء المضاربات، ويلفظ السمسرة ومص الدماء، ويشبع حاجات الإنسان دون استغلال.
أزمة النظام الرأسمالي !
لقد بدا واضحاً منذ ظهور النظام الرأسمالي أنه يعاني من أزمة أخلاقية خطيرة تتمثل في عدم تلبيته لتطلعات الإنسان وطموحاته في إشباع حاجاته، باعتبار أنه يطلق العنان لحرية رأس المال على حساب حرية الإنسان نفسه، كما بدا واضحاً أن المدافعين عنه هم طبقة الحذاق والسراق والسماسرة والمستفيدين منهم، فرأس المال ينمو في جانب بعيد كل البعد عن المنتج الذي يتم استغلال عرقه وجهده لتكديس الأموال في جانب رأس المال وصاحبه، ولا يصل إلى الوفرة إلا الاحتكارات المالية الكبرى التي تتعاظم لتلتهم الإنسان ذاته وتدمر المنظومة الاقتصادية ذاتها، ولا تحترم آليات السوق، فالأموال تعمل تحت منطق الاحتكار، فلا يعود الأمر بين العرض والطلب، وهذا هو لب الأزمة اليوم، فرأس المال التهم الأمريكيين أنفسهم، وعجز مئات الآلاف من الأمريكيين عن سداد ديونهم للمصارف التي أقرضتهم مئات المليارات لشراء المنازل بالدرجة الأولى ولإشباع حاجاتهم المختلفة من مأكل وملبس وخلافه، وهو ما يؤكد أن الرفاهية التي تبدو على سطح الحياة الأمريكية رفاهية مزيفة، ولا يمكن الاعتماد على هذا النظام الاقتصادي لتأسيس مجتمع مستقر تنتفي فيه الحاجة، كما أنه ينتفي اليوم أهم الأسس التي بنوا عليها النظام الرأسمالي وهو عدم تدخل الدولة، فالدولة اليوم تتدخل وتضخ مئات المليارات من الدولارات لدعم المؤسسات المالية المنهارة عن طريق شراء أصولها الثابتة، ومن ثم تحول نظام اقتصاد رأسمالية الفرد إلى رأسمالية الدولة، وهو ما كان الغرب ـ الذي يسميّ نفسه بالعالم الحر ـ يعيبه على المنظومة الشرقية التي كان يتزعمها ويقودها الاتحاد السوفييتي السابق عبر منظومة رأسمالية الدولة.
مخاطر الأزمة
ربما تنجح الإدارة الأمريكية في تأجيل الانهيار بضخ مئات المليارات من الدولارات إلى المؤسسات الاقتصادية الأمريكية، ولكن هذا السلوك له وجهان، فهو علاوة على أنه يضع المؤسسات الاقتصادية في يد الدولة التي لا تستطيع في الأساس أن تدير هذه المؤسسات الضخمة لأنها لا تملك الإدارة المناسبة لإدارة تلك القطاعات المالية الضخمة، ومن ثم يبدأ التسيب وتفلت الأمور من يد الدولة في أي وقت، ليتكرر نفس المشهد عاجلاً أو آجلاً، علاوة على أن ضخ الأموال بهذه البساطة سيؤدي إلى التضخم وهو ما سيعود بالسوء على المواطن من خلال التأثير السلبي على الأسعار بصفة عامة، وبالتالي سيكون الأمر أسوأ على المنظومة الاقتصادية ذاتها، ولكن الأمر سيؤدي بالتأكيد إلى تسريع عملية الانهيار الذي سيتمثل في ركود الاقتصاد العالمي.
ما موقف الاقتصاديات التابعة ؟!
لا شك أن ما ينسحب على أسواق المال والمؤسسات الاقتصادية الأمريكية، ينسحب على غيرها من أسواق المال العالمية، فالأضرار تأتي بالتتابع عليها حيث تـتأثر سلباً وإيجاباً ببورصة "وول ستريت" الأمريكية، وهو ما جرّ الاقتصاديات العربية واقتصاد الكثير من الدول الآسيوية وبعض دول أمريكا اللاتينية إلى نفس الأزمة حيث شهدت تدهوراً كبيراً في الأسابيع القليلة الماضية، فقد خسرت البرازيل على سبيل المثال أكثر من %15 من أسعار أوراقها المالية في يوم واحد وبلغت خسائر أسواق المال العربية في هذه النكبة أكثر من ألف مليار دولار.
بينما تقدر خسائر أسواق المال الأمريكية والعالمية بأكثر من تريليون دولار، وهي أرقام خيالية تؤثر بالتأكيد سلباً على التنمية في العالم بأسره، ويكفي للتدليل على حجم الكارثة على العالم أن نقول أن تقديرات منظمات الأمم المتحدة العاملة في مجال الغذاء والزراعة تقول أن 50 مليار دولار كافية للقضاء على ظاهرتي الفقر والجوع اللذان يعاني منهما أكثر من نصف سكان العالم، بينما تؤكد تقديرات الخبراء أن العالم ـ عبر المؤسسات المالية ـ فقد خلال هذه الأزمة أكثر من ( 3 تريليون دولار) أي ثلاثة آلاف مليار دولار، ويكفي أن نشير فقط إلى أن الخطة الأمريكية التي اعتمدها الكونجرس الأمريكي لدعم المؤسسات المالية المتورطة والمفلسة تقدر بحوالي (1.8 تريليون دولار) يضخ منها نقداً 700 مليار فقط بينما هناك قطاعات أخرى تأثرت سلباً تحتاج باقي هذا المبلغ الهائل، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، دعم مؤسسات الرهن العقاري والأسر التي فقدت منازلها في الأزمة وقطاع التأمينات وغيرها.
وهنا تتضح المأساة الحقيقية التي تعيشها البشرية تحت وقع هذا النظام الاقتصادي الذي لا يرحم، ولا يلبي بالأساس طموحات الإنسان في أي مكان، ولا يشبع حاجاته، والشعب الأمريكي نموذج واضح اليوم في معاناته أكثر من أي شعب آخر من هذا النظام، ويجزم المحللون الاقتصاديون بأن هذه الأزمة المالية سيدفع فيها الكثير من شعوب العالم ثمناً باهظاً.
فك الارتباط بالدولار .. فك للارتباط بالأزمة
لقد بات على دول العالم المتضررة اليوم من أزمة أسواق المال الأمريكية أن تفك ارتباطها بالدولار فوراً، وإذا كانت بعض الأسواق قد استردت بعض خسائرها خلال اليومين الماضيين إلا أن ذلك لا يقلل من حجم المأساة، لأن المخاطر ما زالت قائمة وبطريقة أسوأ من كل تصور، وإذا كان ضخ مئات المليارات من الدولارات لإنقاذ بعض المؤسسات الاقتصادية بعد هروب المستثمرين ورفضهم شراء تلك المؤسسات قد أوقف الانهيار، إلا أن المسألة ليست حلاً للأزمة الاقتصادية، فأوروبا التي أحست بالخطر القادم تدعو اليوم إلى قمة جامعة لدراسة وضعها الاقتصادي برمته.
حقيقة موقف الاقتصاد الأمريكي
لقد شهد الاقتصاد الأمريكي على مدى السنوات السابقة مأزقاً كبيراً بسبب عجز ضخم في ميزان المدفوعات، أي زيادة الواردات عن الصادرات وقد بلغ العجز ثلث الميزانية الأمريكية ذاتها، وهو ما أضاف عبئاً كبيراً على الاقتصاد الأمريكي وزاد الدين الخارجي إلى أكثر من ثلاثة تريليون دولار، وقد أكد هذا مرشحا الرئاسة الأمريكية (أوباما وماكين) في المناظرة بينهما الأسبوعين الماضيين، وعلى سبيل المثال فإن أمريكا مدانة للصين وحدها بأكثر من 500 مليار دولار وللبرازيل بمثلها بسبب شراء النفط من الأسواق العالمية وحقنه لزيادة الاحتياطي الأمريكي خشية التقلبات السياسية العالمية، ولعل الأخطر هو توقف النمو في الاقتصاد الأمريكي عند 1 %فقط على مدى العام الماضي وفقاً للبيانات الأمريكية ذاتها، بينما بلغ النمو في الصين مثلاً حوالي 10 %وفي الهند 8 %وفقاً لتقديرات دولية، ومن ثم يطفو على السطح سؤال كبير..
ما هو موقف الدول التي لا تملك احتياطيات نقدية تفك بها أزمتها..؟!
والإجابة هي أن دولاً كثيرة معرضة للانهيار، ليس الاقتصادي فحسب، بل والسياسي في حال تفاقم الأزمة المالية الدولية الراهنة، لأنها ببساطة شديدة ليس لديها ما يغطي أية خسائر تنجم عن اهتزازات أسواق المال العالمية، وعلى الدول الصغيرة والنامية وخاصة دول جنوب العالم أن تنأى بنفسها عن هذه المجزرة المالية التي يذبح فيها النظام الرأسمالي نفسه، وأن تفك ارتباطها بالدولار الذي فقد قيمته في الأسواق المالية العالمية.
ربما لم يتيقظ العالم لصيحات محذرة سابقة لهذا الانهيار الكبير الذي يشهده النظام الرأسمالي الظالم، صيحات تأسست على وعي بأن آليات السوق تؤسس لاحتكارات كبرى على المدى البعيد، تلك الاحتكارات لن تحترم آليات السوق ذاتها، وبالتالي لم تعد المسألة عرضاً وطلباً، بل أصبحت احتكاراً وقدرة على المنافسة من عدمها، وأصبح المال سيد الموقف، كما رسمت له الرأسمالية ذاتها، ومن ثم ما يشهده العالم اليوم هو ذروة للنظام الرأسمالي الذي لم يحقق الوفرة كما ادعت نصوصه، بل حقق الذل والمهانة لكل من سار على نهجه، فلم يحترم آدمية الإنسان، وعجز عن إشباع حاجاته، وهاهو النظام الرأسمالي ينتحر من التخمة.
لقد رأينا في الحلم الجماهيري سقوط الماركسية، باعتبار أنها رأسمالية الدولة، وسقطت الماركسية، ورأينا في الحلم الجماهيري انهيار الرأسمالية، باعتبار أنها نظام اقتصادي لا يعين محتاجاً ولا ينقذ جائعاً ولا يعين مظلوماً، فهو يقوم على علاقات ظالمة، علاقات سنّها أصحاب رأس المال لخدمة مصالحهم على حساب مصالح الجموع، حيث الاستغلال والسمسرة والمضاربة، فرأس المال حر، وأمامه كل الطرق مفتوحة، وكل الوسائل مشروعة، وها هي الرأسمالية تنهار، وليس أمام العالم إلا أن يحني رأسه أمام الرؤية الجماهيرية، فعليها الرهان، من التاريخ، ومن الإنسانية.
عن صحيفة الزحف الأخضر.












