نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
دفاعاً عن الاشتراكية

  

 أ. د رجب بودبوس

   قد يتساءل البعض : ما جدوى محاضرة ، أو مقالة في صحيفة أو حتى كتاب في مقاومة الليبرالية الجديدة ، أو التسونامى الزاحفة ؟

 

 يحكى أن حصاة صغيرة، في سد عظيم، نظرت إلى الصخور الضخمة في ذلك السد، ونظرت إلى نفسها، فاستهانت بنفسها واستصغرت شأنها فسقطت من مكانها.

 

من مكانها تسربت المياه رويداً ، حتى دمرت ذلك السد العظيم ...

 

قد تكون ساهمت في الدفاع عن الاشتراكية، في ضئال هذه الحصاة في هذا السد. لكن لن اسقط من مكاني، ولن اسمح للمياه أن تتسرب لتدمر السد...

 

- الاشتراكية عقلنة الاقتصاد ، في حاجة لمن يعقل !

 

 

 

بداية أقول ليس لي في الاشتراكية ناقة، وليس لي في الرأسمالية جمل، لست ضد الرأسمالية حاقداً، ولا عاطفياً ولا انفعالياً. وما تشد إليه الرحال في الرأسمالية . لا يستحق من لفتة عابرة .

 

أنا ضد الرأسمالية لأنها ضد كل ما هو إنساني في الإنسان ولست مع الاشتراكية عاطفيا ولا انفعالياً ولا مصلحياً . الحرية.نها تعبر عما هو إنساني في الإنسان: العدالة.. المساواة .. الحرية ...

 

 ما بين الرأسمالية والاشتراكية كلمة حق، يجب أن اصدح بها، إذ ليس هناك اكره على نفسي من الظلم ومن السكوت عليه.

 

دفاعي عن الاشتراكية إذن، كلمة حق يجب أن تقال، لأن الساكت عن الحق شيطان اخرس، وأنا لا أريد أن أكون شيطاناً واخرساً أيضا.

 

البعض أصدروا حكمهم، بدون نظر، ولا مداولة ولا استئناف الاشتراكية فشلت !

 

إذا هذا الحكم ليس مستورداً من الخارج، مرتبطاً بما آل إليه حال الاتحاد السوفيتي، مردداً، هكذا، كالببغاء مزاعم الليبرالية الجديدة. فانه من ناحية، يجهل أو يتجاهل تماماً اختلاف ما تعنيه الاشتراكية بالنسبة لنا، عن تلك التي فشلت في الاتحاد السوفيتي. ومن ناحية أخرى يفترض هذا الحكم أن ما كان معمولاً به لدينا هو الاشتراكية، وان المساوئ التي تؤخذ عليه والسلبيات التي تعزى له، هي إذن نتاج ضروري للاشتراكية هذه.

 

يمكننا مناكفة هذا البعض . فنقول لهم : لنفترض أن الاشتراكية لدينا فشلت ، لكن ما كان قبلها الم يكن هو الفشل بعينه ؟! فما جدوى العودة إلى ما جربناه وما تبث فشله ؟

 

لكنني اترك هذا لفرصة أخرى، لكي اطرح السؤال الذي جوابه يحسم كل خلاف، إذا ما احتكمنا إلى العقل واستبعدنا ما عداه:

 

هل طبقنا حقاً الاشتراكية، أم أننا وضعناها على الرف، وجعلنا محلها قرارات وممارسات ليست أقل من أنها لا اشتراكية، وأسوأ من ذلك جعلنا الاشتراكية مبرراً لما ليس منها ؟

 

ليس همي ، في هذا الدفاع ، بيان ايجابيات الاشتراكية ، ولا أنها النظام العقلاني في غابة الفوضى ، ولا بيان سلبيات ومساوئ ما يراد له الحلول محلها ، أزماته التي يعانيها الإنسان في كل مكان ، تشهد على ذلك . وإنما همي فقط معرفة ما إذا كانت الاشتراكية قد طبقت حقاً، فترتب عنها ما يزعم أنها سببه. أم أن ما طبق شيء آخر، غير الاشتراكية. حتى لا نقذف بالوليد مع ماء  الحمام .

 

بالطبع لا أجادل في أننا شعب حر ، يمارس الديمقراطية المباشرة يمكنه أن يقرر ما يشاء وليس على سلطانه قيود الاشتراكية نفسها كانت خيارنا .

 

 لكن ليس من حقنا ولا من شيم الكرام التملص مما قرروه ، ولا البحث عن كبش فداء المسؤولييترنح،وجه الآخر للحرية ، وليس من حقنا أن نحمل الاشتراكية أوزار ما يزعمه نتاجها ، إلا إذا كانت قد طبقت فعلا ، وإلا ليس من حقنا أن نحمل على الاشتراكية  ما ترتب عن قراراتنا وممارساتنا .

 

يقال في أمثالنا الشعبية ( الجمل وين يطيح يكثرن سكاكينه ) وعندما بدا للبعض أن الجمل يترنح ، تحت وطأة الأثقال التي حملناها عليه ، استلوا سيوفهم وشحذوا سكاكينهم :

 

لقد حملوه ما لا طاقة له به، وعندما لم ينهض، اتهموه بأنه السبب، وبأنه فاشل، لأنه لم يقو على حمل ما لا يمكنه حمله.

 

هكذا بعداحتكارية.لاشتراكية ما ليس منها، تتهم !

 

- بأنها احتكارية .

 

- حولت كل شيء إلى ملكية عمومية، حتى صارت الدولة كل شيء.

 

- أنها تسيب في الإدارة.

 

- أنها تدنى في الإنتاج.

 

والقائمة ربما تطول بقدر ما في بعض النفوس من ضغينة ذلك لأنها في الحقيقة تخشى نجاح الاشتراكية، أكثر مما تأسف لفشلها المزعوم.

 

اعرف الاعتراض الذي يمكن أن يواجهني: يقال أن النظرية دائما على حق، وان الخطأ دائما في التطبيق.

 

هذا الحكم القطعي ارفضه قطعاً، ليست النظرية دائماً على حق وليس الخطأ دائما في التطبيق. لكن هذا لا يمنع أن النظرية يمكن أن تكون على حق، وان الخطأ أحيانا في التطبيق.  التطبيق . الممارسة ليست دائما محك صدق كل نظرية إذن لكي نعرف أين يكمن الخلل وقبل أن نغزوا الخطأ للتطبيق أو الخلل للنظرية، يجب أولا فحص النظرية.

 

هكذا أقول لهم ، تعالوا إلى كلمة حق بيننا هل الاشتراكية هي كما يصفونها استنادا إلى مساوئ وسلبيات الممارسة ، أم أننا نحن الذين حملناها ما ليس منها كل نظرية لا تملك إجبار من يأخذ بها علي احترامها إنها تشير إلي طريق يمكن أن نسلكه أو ننحرف عنه

 

أنا لا اختلق كلمة الحق هذه للمناسبة ، إنها مكتوبة ومنشورة منذ عام 1978 - ( * ) ويفترض أن التطبيق يستلهمها ، ما علينا إذن إلا إعادة قراءتها لنعرف ما مدى مسؤولية الاشتراكية عما ينسب إليها : اى هل ما ينسب للاشتراكية يترتب عنها ضرورة ؟

 

نعم جعلنا كل شيء تقريباً ، ملكية عمومية ، وكل نشاط اقتصادي ، إنتاجي أو خدمي ، جعلناه خاضعاً للدولة من آبار النفط ومصافيه إلى مصنع الحديد والصلب ، إلى صياد السمك في قاربه في عرض البحر ، إلى الجزار في دكانه وتاجر الخضروات ، والبقال وحتى أهل خمسة قعمز طاولة كسر جعلناهم موظفي دولة ، وها نحن نواجه اليوم صعوبة كأداء في جعل صياد السمك والجزار وبائع المعدنوس ... الخ يعتمدون على أنفسهم وليس على الخزانة العمومية هذا واقعا لا يمكن إنكاره. لكن هل هذه هي الاشتراكية ؟

 

قطعاً لا .. وأنا لا أقول هذا اليوم، والاشتراكية في قفص الاتهام، فريسة سهام النقد والحقد.

 

 اذكر في بداية أعوام 1980 ، وفى احد الأيام خرجت صباح يوم الجمعة ، ابحث عن برتقال وجدت في طريق الهواري -بنغازي - رجلا متقدماً في السن ، يقف بجوار سيارته المحملة بأكياس البرتقال اشتريت منه كيس برتقال وبينما أنا أتوجه إلى سيارتي ، وقفت سيارة أخرى ، ونزل منها اثنان ، أخذا يتجادلان مع بائع البرتقال ، عدت أدراجي لاستطلع الأمر ، لعل بائع البرتقال في حاجة إلى مساعدة وجدتها من الحرس البلدي ، يريدان مصادرة حمولة البرتقال  .

 

سالت البائع: هل أنت مزارع ؟ أجاب: نعم وها هو كتيب الحيازة الزراعية، وهذا البرتقال من إنتاج مزرعتي التي ملكتها لي الثورة، طرابلس مشبعة بالبرتقال، فرأيت المجيء إلى بنغازي لأبيع إنتاجي.

 

عندئذ سألت الرجلين : ما الخطأ في هذا ؟ انه منتج يبيع إنتاجه. قالا: هذا ممنوع، يجب بيع الإنتاج لشركة تسويق الإنتاج الزراعي فقط ولا يجوز له بيعه مباشرة للمستهلكين.

 

هذه الحجة لم تكن مقنعة بالنسبة لي ، انطلاقاً من معرفتي بالاشتراكية ، وتعبر عن احتكار .

 

الاشتراكية هي إلغاء الوساطة ، بين المنتج والمستهلك ، وجعل العلاقة مباشرة . لا يتدخل القانون إلا في تنظيمها. لكن الشركة هذه صارت وسيطاً، فحلت محل ( الحاج عمر ) والأسوأ من هذا أنها احتكارية، تحدد سعر الشراء ونوعية المنتج، وتحدد أيضا سعر البيع وهكذا تسيطر على منتج السلعة وعلى مستهلكيها معاً.

 

لم افهم لماذا يمنع مزارع من بيع إنتاجه للمستهلكين مباشرة وهذا يعفي الدولة من هذا العناء وما يرتبط به أحيانا من تكاليف إدارية وحتى خسارة عندما لا تتمكن من تسويق السلعة إن للدولة مهام اكبر وأهم من تسويق البرتقال ومن أن تكون  وسيطاً بين المنتج والمستهلك ..

 

قالا لي: إن كنت رجلا اذهب وقل هذا لمدير الشركة !

 

ولم أتردد لحظة ، ذهبت إليه ، حاورته ، لكنه كان أصما عن سماع أقوالي ودفعي بان الاشتراكية  ، كما اعرفها من مصدرها ليست هذا ولم يفتأ يردد: انه القانون وأنا ملزم بتطبيق القانون !

 

نعم معه حق ، انه قانون الشركة التي أنشأت بقانون وتحددت مهامها واختصاصاتها بقانون ، لكن هذا القانون صادر عن المؤتمرات  الشعبية وليس صادراً عن الاشتراكية مسؤولية ما قررناه في المؤتمرات الشعبية ؟

 

انه القانون إذن وليس الاشتراكية .

 

وماذا أقول عن ذلك الذي أقام  بوابة ، بين طرابلس وبنغازي ، ويجعل كل سيارة تحمل انتاجاً زراعية تدوس على حمولتها ؟

 

 حجته أيضا انه يطبق القانون، وليس الاشتراكية.

 

الأمثلة عديدة ، تشير إلى حقيقة واقعية ، أن الاحتكار كان ممارساً ولست أنا من ينكره ، بل أنني لم اقبله ولم اصمت عنه .

 

لكن هل هذه هي الاشتراكية ؟ هذا هو السؤال  ..

 

 لقد حلت القرارات والقوانين محل الاشتراكية لأننا ربما كنا في عجلة من أمرنا.

 

مشكلة الذين يتهمون الاشتراكية اليوم ، أنهم لا يميزون بين ما أصدرناه من قوانين وتشريعات ، وبين الاشتراكية فاخذوا قوانيننا وتشريعاتنا ، وما ينتج عنها ، على أنها الاشتراكية مثلما اخذ بعض الفقهاء اجتهاداتهم على أنها الدين الحق .

 

هكذا ما يوردونه من سلبيات ومساوئ، يمكن أن تؤخذ على القوانين والتشريعات، وليس على الاشتراكية. لكن هذا لا يعفيهم من المسؤولية ، باعتبارهم أعضاء مؤتمرات شعبية ، والتي صدرت عنها هذه القوانين وهذه التشريعات .

 

الاشتراكية ليست أبداً احتكاراً ، بل الاحتكار وليست بالضرورة ملكية عمومية لكل وسائل الإنتاج ، على العكس تقوم على أن ( الذي ينتج هو الذي يستهلك ) 78 وان لكل إنسان أن يمارس النشاط الاقتصادي الذي بإمكانه في إطار جهده الخاص اوالاسرى وان الذي يعمل لنفسه مخلص في عمله وباعثه على الإنتاج هو اعتماده على عمله الخاص 95 وإذا كان ذلك غير ممكن ، لأسباب ترجع إلى التكاليف والى متطلبات أخرى فتشاركياً حيث يتشارك عدة منتجين في الإنتاج معتمدين على أنفسهم .

 

الاشتراكية تضع الأساس من النشاط الاقتصادي ، خدمي أو إنتاجي في مستوى الأفراد والشركاء ، وليس في مستوى الاقتصاد العمومي والذي هو استثناء تفرضه الظروف وليس قاعدة هذا هو مفهومها لتحرير الاقتصاد .

 

الاشتراكية لم تلغ الملكية الخاصة، ولم تحضر النشاط الخاص على العكس إنها تهدف إلى توسيع حقيقي لقاعدة الملكية بجعل الأفراد والشركاء، يملكون وسائل إنتاجهم وبهذا تكافح الاستغلال.

 

هكذا رغم الواقع والوقائع ، الملكية الخاصة مكفولة سواء على المستوى الفردي ، شرط عدم تحولها إلى أداة استغلال الغير ، كما على مستوى الشركاء .

 

أما الملكية العمومية فإنها استثناء عملي وليس مطلباً نظرياً ، عندما ليس بإمكان الأفراد أو الشركاء القيام بمشروع ما ، يفوق إمكانياتهم لأسباب مختلفة فان الدولة عندئذ ملزمة بالقيام به .

 

مع ذلك يجب أن نتذكر أن الدولة هذه ليست إلا مؤتمرات شعبية ولجان شعبية تنفيذية.

 

هل نسينا هذا ونحن نجرم الدولة ؟ ألسنا عندئذ نجرم أنفسنا ؟

 

الاشتراكية تعلمنا أن الذي يعمل مقابل أجرة وليس له باعث على العمل 95 وان الأجير هو شبه العبد للسيد الذي يستأجره بغض النظر عن حيثية صاحب العمل. من حيث هو فرد أو حكومة 78

 

هذا المبدأ صادق بإطلاق ، سواء أمكن إلغاء علاقة الأجرة أو لم يمكن . وأكثر من هذا نذهب الاشتراكية إلى أن المحاولات التي انصبت على الأجرة، لم تحل مشكلة المنتجين، فلا يزالون أجراء رغم انتقال أوضاع الملكية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار 77 من ملكية خاصة رأسمالية إلى ملكية عمومـــية.

 

هكذا بالنسبة للاشتراكية يتساوى الأجراء في عبوديتهم، سواء لرب العمل الرأسمالي الفردي، كمـــا للدولة رب عمل فبأي حق ادن تتهم الاشتراكية بأنها احتكارية. وأنها حولت كل شي إلي مملكة عمومية

 

حولت كل شيء إلى ملكية عمومية ؟

 

نحن الذين صنعنا الدولة كل شيء وليس تطبيقاً للاشتراكية.

 

 كما نحن الذين نتحول اليوم إلى الدولة لا شيء !

 

عن صحيفة الشمس

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية