عندما يقرأ البعض في بعض المقالات كلمة الجماهيرية ، يسأل عن المفهوم ودلالاته ، وهل الايراد تم خطأً على قاعدة أن الاصل إيراد مصطلح الجمهورية للدلالة في المقال عن شكل النظام السياسي المقصود.
لكل السائلين نقول: أن الجماهيرية من وجهة نظر مخرجيها إلى النور ، ومؤيديها تعني ذلك النظام السياسي الإقتصادي والإجتماعي الذي يبشر بعصر الجماهير، فالجماهيرية كما وردت في الكتاب الاخضر حجر الزاوية لنظام سياسي يعتمد الجماهير مرجعاً سياسياً ، واقتصادياً ، وتشريعياً في كل مناحي الحياة ،.
الجماهيرية حيث تمارس الجماهير سلطتها دون وساطة من أحد، وتملك فيها ثروتها وسلاحها ، فالسلطة بيد الشعب إنطلاقاً من قاعدة قانونية أن لا ديمقراطية إلا بوساطة الشعب ولمصلحة الشعب، فالسلطة يمارسها الشعب مباشرة بلا شريك أو وصي ، ولا نيابة عنه ، وعدا ذلك فإن أية ممارسة إن هي إلا صور من الإستبداد والتلفيق السياسي ولا علاقة لها بالديمقراطية الحقة.
إن المحدد لطبيعة شكل النظام السياسي هو في شكل أداة الحكم، فإذا كان الشعب هو من يمارس السلطة تنفيذاً ، وقضاءاً ، وتشريعاً ، ومراقبة للأداء ، فالسلطة شعبية ليس في ذلك شك.
فالسلطة الشعبية ، أي الديمقراطية المباشرة التي يمارس الشعب سلطته من خلالها ، تأتي عبر المؤتمرات الشعبية الأساسية ، وهي البديل الحقيقي للصيغ المعتمدة في النظم السياسية الأخرى التي اعتمدت الاحزاب والبرلمانات والحكم الفردي بديلاً عن ممارسة الشعب مباشرة لسلطته عبر أداة حقيقية تمكنه من ذلك.
إن المؤتمرات الشعبية الأساسية - أداة الحكم في النظام الجماهيري - صاحب الحق في السيادة والتشريع ، ويحتوي مكونات الشعب ، مقسمين حسب مكان سكناهم إلى عدد من المؤتمرات يحدده التقسيم الجغرافي والحاجة الإدارية بما يضمن مشاركة الجميع بلا إستثناء في اتخاذ القرارات على مستوى البلاد ، ويقوم بنقل القرار إلى مؤتمر الشعب ، أمانة لا تتجاوز قرار من اتخذ القرار، لأنها باختصار لا تملك سلطة التغيير وإلا تغيرت ، أما الاعمال التنفيذية فتمارسها ترجمة لقرارات المؤتمرات، لجان إدارية شعبية ، لا تتولى ما يتجاوز الإدارة ، لأن المؤتمر هو صاحب السلطة الوحيدة عبر أذرع للعمل . فاللجان الشعبية ، وهي الأداة التنفيذية لقرارات المؤتمرات الشعبية ، ُتحاسب محاسبة عسيرة إن هي أخطأت أو تهاونت في العمل ، وهي كذلك ُتختار علانية ، تكليفاً بالعمل ، وُتلزم بالتنفيذ الدقيق لكل قرارات المؤتمرات الشعبية الأساسية ، باعتبارها والأمانات تحمل أمانة يجب احترامها ، وعدم خيانتها ، وهذا هو المدخل للتدليل على أن النظرية العالمية الثالثة جاءت بمنهج جديد في الفكر يتجاوز مركزية الليبرالية والماركسية في نظمها الإقتصادية والسياسية والإجتماعية ،بإعتبارها نتاج مسارات فكرية نمطية محددة ، ولدت عبودية جديدة فرضتها الأنظمة التي تهتدي بهديها.
وهنا فنحن لا نريد أن ندفن رؤوسنا في الرمال ، أو أن نخالف الواقع الذي يحسه البعض بانتصار الفكر الليبرالي بحكم الانتصارات العسكرية التي حققتها الانظمة الليبرالية في العراق وافغانستان ومن قبل في يوغسلافيا بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفييتي ، لأن هذه الأحاسيس ستكتشف عمق أزمة هذه الانظمة على الصعيد العسكري والاقتصادي والسياسي ، ومن ثم ستتعمق أكثر لتصيب بنيتها ليتولد عن ذلك انتهاؤها ،ونضالات الشعوب المقهورة في العالم ستثبت ذلك في قادم الايام والأعوام.
وعوداً على بدء ،فالنظام الجماهيري يكسر الاحتكار ، ويختفي فيه تقسيم الناس إلى حكام ومحكومين ، وتتحرر الحاجات وتتحقق الحرية والسعادة وترتقي القيم الأخلاقية ويتحقق العدل وتتكافأ الفرص ، والأمنية أن تنسخ التجربة بحسب واقع الاقطار لتعم مبادىء العدل والمساواة.
وما يزيد الأمل ، أن التاريخ شهد عبر كل المراحل صفحات مضيئة جاءت في حالك الايام ، وهذه الأيام على حلكة سوادها فيها بارقة أمل في التغيير، وستكون تجربة الجماهيرية العربية الليبية قيد التكوين والتطوير بفعل الشعب وقائده المبدع كتاباً مفتوحاً للإقتداء ، وهي التجربة التي عمدت بالمعاناة منذ ما قبل الثورة حتى الانتصار.














من الجزائر