
إن التحولات التي طالت المجتمعات العربية نحو الانفتاح الديمقراطي لا يمكن بأية حال من الأحوال معرفة وجهتها الحقيقية ومغزاها،إلا بمعرفة الغاية النهائية منها ومن وجودها،ومدى ترجمة ذلك على ارض الواقع ، من حيث حل الإشكالية السياسية إلي ترسمها النخب الحاكمة، ومدى إشراك الآخرين في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وبغير تلك المشاركة فان الحديث عن أي تحول ديمقراطي هو اقرب للمستحيل في مجتمع لا يؤمن بالحوار ولا يؤمن بقدرة الشعب على صنع مستقبله.
إن كيان الدولة العربية ما يزال لا يحتمل الديمقراطية ، لسيادة القيم والتقاليد السلبية التسلطية الاستبدادية، ولأن التعدديات العصبية المترسبة في العقل الجمعي العربي لم تصل بعد إلى مفهوم سيادة الدولة، وضرورة انصهار كل مكوناتها في بوتقة واحدة .
إن ظهور الديمقراطية يرتبط أساساً بمدى تطور المجتمع وانتقاله من الدولة العصائبية القبلية إلى دولة المؤسسات التي تحتمل النقد والرأي والرأي الآخر، وتعترف بأحقية الشعب في الحكم ، ودولة المؤسسات هي الدولة التي تعطي المواطن حقوقه الدستورية الأساسية، وتدافع عنها عبر إصدار التشريعات والأنظمة التي توصل إلى علاقة تحل الثنائية القائمة على اساس التضاد بين الحاكم والمحكوم، وتحل محلها المفاهيم القائمة على مفاهيم الديمقراطية الحقة وأساسها أن الشعب يحكم عبر أداة حكم يختارها هو وقد حلت النظرية العالمية الثالثة هذه الاشكالية عبر صيغة المؤتمر الشعبي الأساسي .
وسياسياً ، فقد ظلت الأقطار العربية التي حصلت على استقلالها في فترات متقاربة من القرن الماضي تراوح مكانها في موضوعة الديمقراطية، وسط تساؤل كان يلح على شعوبها وقادتها، أيهما أولى وأكثر إلحاحا للأوطان التحرر القومي والانعتاق من كافة تبعات الاستعمار بكل إشكاله وأنواعه الظاهرة والمستترة، أم الحرية والديمقراطية التي تحقق للشعب المزيد من المشاركة في صنع حاضره ومستقبله، لكنها من جانب اخر تحد من صلاحيات القيادات التي كانت ترى أنها فوق المسائلة، ووسط هكذا حاله كانت سمة الوطن العربي البارزة إنها ظلت بمنأى عن رياح الديمقراطية والتعددية، ولا تزال النخب الحاكمة تنأى بنفسها عن الاعتراف بأحقية شعوبها في حكم نفسها بنفسها تطبيقا لأبجديات المفاهيم الديمقراطية، وما زالت القضايا السياسية في الوطن العربي حكرا على النخب الحاكمة والأحزاب الحاكمة، ولا يسمح فيها لمؤسسات المجتمع المدني ومثقفيه والفعاليات السياسية الاقتراب من أماكن صنع القرار للمساهمة فيه، حتى في الدول التي انتهجت النهج البرلماني أو تلك التي برزت فيها بعض مظاهر التعددية، كدليل قطعي على إفتقار هذه النماذج حل مشكلة الديمقراطية ، وعدم قدرتها على إشباع حاجة شعوبها للحرية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وإذا كان العيب في تحديد مفهوم الديمقراطية ، فلا شك أن الفكر الساسي لم يستقر على مفهوم واحد للديمقراطية ، ولكن هذا لا يعني التسليم بتعريف والوقوف عنده ، فلا بد من وضع مفهوم وحدود واضحة للمفهوم ، ووسائل وطرق تحقيق مفهوم الديمقراطية ،فقد اختلفت التعريفات وتباينت تبعا لخلفيات المفكرين السياسية وتوجهاتهم،علماً بأن الديمقراطية مصطلح لاتيني الأصل مكون من كلمتين هما"ديمو" وتعني شعبي،و "كراسي" أي الحكم ، لتصبح ديموكراسي ، أي الحكم الشعبي(حكم الشعب).
وعرفها الفيلسوف هارولد لاسكي بأنها كالحذاء، وفسرها بأن حذاء شخص لا يصلح بالضرورة لشخص آخر، ويوجد للديمقراطية الغربية الليبرالية نماذج عدة كالنموذج السويسري-نظام الجمعية- ، أو النموذج البريطاني -البرلماني-، أوالنموذج الرئاسي الأمريكي ، فلكل منها خصوصيته، ولكل مجتمع عاداته وتقاليده، وإذا كانت الديمقراطية الليبرالية هي أساس أنظمة الحكم في الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية ، فذلك كأسس عامة ،
وخطوط عريضة ،ولكن إجتهاد كل مجتمع فيها ضمن خصوصيته ومصالح الطبقات الحاكمة فيه أفرز نظماً سياسية متنوعة .
وقد قال الكاتب الفرنسي جورج بوردو في كتابه عن الديمقراطية:- إن الديمقراطية ترتبط فكرياً وعملياً بفكرة الحرية، فالحرية هي التعبير الخارجي عن الارادة ،والديمقراطية هي التعبير القانوني عن استعمال الحرية في الجماعةالإنسانية ، ومن ثم فالحرية لا يمكن فصلها عن الديمقراطية.
وقد قال جون ديوي في كتابه القيم" الديمقراطية والدين" :- الديمقراطية هـي أن يتمكن جميـع أفراد الشعب من الإفصاح عن مطالبهم بكامل الحرية ، وأن يناضلوا سياسياً بالوسائل المشروعة للتداول على السلطة ، بواسطة إنتخابات حرة ودورية.
أما العلوم السياسية فقد قالت بأن الديمقراطية معناها حرية الرأي والتعبير والمعتقدات، وللناس الحق أيضاً في تكوين الأحزاب والجمعيات والتساوي أمام القانون لا فرق بين الحاكم والمحكوم.
أما عالم الإنسانيات والمفكر ميلي فيقول:- الديمقراطية هي الحكم الذي يملك فيه كل فرد نصيباً، أي لكل فرد حرية الاختيار،وإمكانية الوصول إلى السلطة بنضاله وعمله.
و عرفها جوزيف شومبيتر على أنها :- نظام يتضمن توسيع قاعدة المشاركة في عملية صنع القرار السياسي، والذي يتحقق من خلال الانتخابات التنافسية.
ومما سبق يتبين أن الإختلاف في التعريف يسحب نفسه على الممارسة والتطبيق ، ليظهر أن إختلاف الأفكار ينشأ إختلافا في طرائق الحياة ، ويتحتم علينا هنا التدقيق في طبيعة ما نطالب أحيانا ً بتطبيقه من نماذج لم تخدم إلا سادة العصر الجديد ، من إقتصاديين وحكام و منظرين.
والديمقراطية قد تكون مباشرة يحكم فيها الشعب بغير وساطة أجهزة أخرى، وهذه هي الصورة المثالية للديمقراطية كما عبّرت عنها النظرية العالمية الثالثة، حيث يشارك الشعب في صنع الإرادة العامة واتخاذ القرار وتنفيذه من الشعب بلا وساطة أو نيابة ، وقد شهد العلم القديم صوراً منها ويشكل هذا التعريف الإجرائي احد أهم عمليات الممارسة الديمقراطية فهو يتيح تغيير الحكومات التي لا تمتلك مقومات الشعبية أو الرضى الجماهيري بأخرى يفرزها الشعب وتنال رضاه لتحقيق أهدافه ومصالحه العليا التي يراها المواطن أولوية له وبهذا فإن تغيير الحكومات أو الحاكمين هو جوهر العملية الديمقراطية التي يساندها بالتأكيد قيام دولة مؤسسية تحترم إرادة الأغلبية وإرادة الناخبين وتقبل بالتعددية السياسية والمساواة واحترام حقوق الإنسان.
إن عناصر الديمقراطية الليبيرالية الحديثة تتمثل في دعامتين أساسيتين، هما حكم الأغلبية وحكم القانون،ويتحقق حكم الأغلبية من خلال انتخابات حرة مباشرة تضمن انتخاب حكومة تمثل الشعب على أن يتم الفصل بين السلطات المختلفة مع وجود رقابة متبادلة بينها والقدرة على محاسبة المؤسسات الحكومية، هذا إضافة إلى التداول السلمي للسلطة داخل البلد الديمقراطي بشكل سلس لفترة زمنية كافية أما بالنسبة لحكم القانون فهو يتحقق من خلال صياغة دستور وقوانين مدنية تحمي حرية المواطنين من التدخل التعسفي للسلطة، كما تحمي حقوقهم المدنية عند التعامل مع بعضهم البعض، على أن تمنح السلطة القضائية والهيئات التنفيذية السلطة المناسبة لتنفيذ القوانين دون التعسف في تنفيذها، وهذا ما ثبت عدم إمكانية تحقيقه في النماذج الغربية المتقدمة للديمقراطية الغربية ، ناهيك بالنماذج المشوهة خارج النموذجين الاوروبي والامريكي لتطبيق الديمقراطية الغربية ، ففصل السلطلت غير ممكن عملياً ، والمشاهد البسيط سيكتشف بسهولة ذلك في أي نموذج غربي ، فالبرلمان المتشكل من حزب الاغلبية يشكل حكومة ، وهذا يعني تمركز سلطتي التشريع والتنفيذ بيد الاغلبية ، وهذا ينهي أي فصل للسلطات ، وهي أساس فكرة الديمقراطية الليبرالية ، أما الدساتير ورغم أن إخضاعها للتغيير ليس بذات السهولة المتبعة في القوانين الاخرى ، إلا أن الأمثلة الكثيرة بينت سهولة التغيير عندما تصطدم النصوص بمصالح الحكام.
لقد تضافرت العديد من العوامل في الوطن العربي للحد من التحول الديمقراطي وأدت إلى مراوحة الديمقراطية مكانها وميلها إلى الجانب الشكلي بعيداً عن الممارسة الحقيقية ، ولعل ابرز هذه العوامل تظهر في سيطرة الحزب الواحد في بعض الأقطار ، فقد سعت الأحزاب السياسية الحاكمة في الوطن العربي الى إحكام قبضتها على مقاليد الحكم والى فرض سيطرتها شبه المطلقة على القرارات ذات السيادة، وإن ظهرت بعض بوادر الانفتاح هنا أو هناك، فانه لا يمكن على أية حال من الأحوال معرفة وجهتها الحقيقة ومغزاها إلا بمعرفة الغاية النهائية من وجودها، وهل كان الهدف منها إشراك الآخرين في صناعة القرار السياسي والسيادي، أم أنها تستهدف مزيدا من إحكام قبضة الحزب الحاكم على مرافق الدولة، ليبدو ان الحديث عن أي تحول ديمقراطي هو اقرب للمستحيل في ظل حكم لا يؤمن بالحوار ولا يؤمن بقدرة الشعب على صنع مستقبله، كما يعد الوطن العربي من اقل مناطق العالم استجابة لموجة التحول الديمقراطي التي شهدها العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين، حيث لم تحدث تحولات ديمقراطية جوهرية في أية دولة عربية، وان ما تحقق في أفضل الأحوال هو نوع من الانفتاح السياسي والجزئي من خلال بعض الأساليب والإجراءات الديمقراطية الشكلية، التي أوجدت هامشا محدوداً من الديمقراطية، محاطا بجملة من القيود والضوابط السياسية والقانونية والإدارية والممارسات العملية التي أفرغتها من مضامينها الحقيقية ، وهذا ما يميز الديمقراطيات الليبيرالية المتقدمه ، فكيف بالنماذج المشوهة منها ؟ ، وان كانت بعض الأقطار العربية قد شهدت بعض التحول نحو الديمقراطية بمظاهرها البدائية فان الحكام العرب ما زالوا ينظرون بعين الريبة والشك إلى التعددية السياسية ، وان سمحت ببعض مظاهرها فان ذلك ليس من منطلق الإيمان بها ولكنها تراها وسيلة لإحكام قبضتها منعاً لأي احتقان قد يؤدي إذا ما أزمن وطال إلى تغييرات جوهرية تطال بنية المجتمع، وتؤدي إلى نمو مزيد من الميل المتطرف الساعي إلى تغيير الحكم بالقوة، وقد نجحت بعض الأنظمة العربية التي تنزع إلى السلطوية ورفض النقد والحوار والمشاركة في خلق حالة من التهيؤ الذهني لدى الشعوب العربية في الامتثال والإذعان والقبول بحالة استبداد الحكام وحقهم في الانفراد بالسلطة ، عندما رسخت فكرة أن النظام السياسي الموجود هو النظام الأمثل وهو الوحيد القادر على تأمين العدل والسلام والأمن والحرية، ونظراً لتآكل الشرعية التي قامت عليها تلك الأنظمة في فترات سابقة، فقد تصاعد الهاجس الأمني لديها وأصبح ضمان السلطة هدفها الرئيس ، باتت حركة التقدم الثقافي والاجتماعي والاقتصادي التي شهدها الوطن العربي تمثل أداة ضغط على الأنظمة الحاكمة ما دفع ببعض هذه النظم إلى الانفتاح الديمقراطي كحل جانبي أو تعويضي لمشاكل سياسية وأمنية واقتصادية لا يبدو أن الفكر السياسي العربي قد وجد لها الحل.
وعندما نقدم نماذج من ما يسمى جدلاً نماذج للديمقراطية في الوطن العربي ، فإننا نقدمها للتدليل على ضرورة التغيير والإنتقال إلى الأمام في البحث عن الديمقراطية الحقيقية وعدم الوقوف في المكان لمحاولة تطوير نماذج ثبت عجزها عن تحقيق مصالح الشعوب ، بل أنها ساهمت بخلق أزمات عديدة في سياسات الأقطار المطبقة لهذه النماذج ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، فعلى الرغم من ان جمهورية مصر العربية قد شهدت أحزابا سياسية، وحراكا سياسيا في فترة الحكم الملكي إلا ان ثورة يوليو التي قادها القائد الخالد في العقل العربي جمال عبد الناصر ، مالت الى بث الحرية السياسية بقيود ،عبر تعزيز دور الحزب الاشتراكي الحاكم ،أما الحياة العامة في عهد الرئيس محمد أنور السادات فقد شهدت بعض الحريات ، حيث سمح فيه بالتعددية السياسية ، لكنها كانت تعددية هامشية يسيطر فيها الحزب الحاكم على مقاليد الحكم، مما جعل الانفتاح السياسي ثابتا غير متطور، ولم يتطور أي شكل من أشكال المشاركة السياسية للنخب المعارضة او للمواطنين على وجه العموم في القرارات المصيرية،ثم إنقلب على كل ذلك ،وإلى الآن لا تزال التعددية تراوح مكانها مع هامش لا يتغير من حرية التعبير.
أما في الجزائر التي أوشكت على دخول عالم التعددية السياسية عام 1988 م ، بعد فوز جبهة الإنقاذ في الانتخابات، أدى التدخل العسكري إلى منع التحول تجاه المشاركة السياسية واندلعت اثر ذلك الاعتداءات الإرهابية التي ما زالت تعصف ببنية الدولة والمجتمع وفي أجزاء كبيرة من البلاد.
أما في العراق فقد استأثر نظام الحزب الحاكم فيه بكل مقاليد السلطة ، إلى أن حدثت التحولات الدراماتيكية ، عندما شنت الولايات المتحدة الأمريكية غزواً أطاح بنظام الحكم السائد، ليحتل العراق ويحوله إلى بقعة بغير هوية، تتنازعها الطوائف والاثنيات والأعراق.
وفي سورية على الرغم من قيام انتخابات مباشرة لمجلس الشعب ووجود تجمع جبهوي يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي، فان السيطرة في الشان السياسي تكاد تكون حكراً على الحزب الحاكم ، ما تمارس الدولة سيطرة مباشرة على الاقتصاد ، وسائل الإعلام .
وفي لبنان الذي شكل خروجا على القاعدة العربية المشتركة في واد الديمقراطية ،حين سمحت بوجود ديمقراطية انتخابية برلمانية وإن كانت شكلية قائمة على المحاصصة الطائفية ، ولكنها على الرغم من ذلك أقرت مبدأ الانتقال السلمي للسلطة وفق توليفة تعتمد على توزيع مراكز القوى على مختلف طوائف الشعب اللبناني، إلا أن أحداث العنف والاقتتال الطائفي الداخلي التي شهدها منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي ، قد ألقت بظلالها على العملية السياسية حتى وصل الأمر إلى تعديل الدستور للسماح للرئيس المنتخب الاستمرار في السلطة ثلاث ولايات متتالية في حين أن النص الدستوري حصرها بولايتين فقط ، ولا زالت أزمة اختيار الرئيس الجديد ترمي يظلالها على الشأن السياسي اللبناني ، بما يسمح بتدخلات إقليمية ودولية تزيد المجتمع اللبناني تمزقاً وشرذمة.
فيما شهد الأردن في ربيع عام 1988م تحولا ديمقراطياً ، تمثل بعودة الحياة النيابية التي تمارس الرقابة على أعمال الحكومة، ثم ولمزيد من المشاركة السياسية الشكلية ، تم إدخال بعض القوى السياسية في الحكومة ، كما شهدت البلاد تطورات أخرى تمثلت بإلغاء الأحكام العرفية وإصدار قانون الأحزاب السياسية وقانون المطبوعات والنشر الذي لا زال موقع خلاف حتى الآن.
اما في مملكة البحرين فقد شهدت البلاد أول انتخابات تشريعية في العام 1973 م الا ان المجلس تم حله لاحقا في العام 1975 م لتغيب الحياة السياسية النيابية عن البلاد لأكثر من ثلاثين عاماً، وبعد تحويلها الى مملكة تم انتخاب مجلس نيابي عدد أعضائه 40 عضوا منتخبا ، فيما سمح الدستور بتعيين أربعين عضوا آخراً في مجلس الشورى لتكون السلطة التشريعية مكونة من المجلسين .
وفي اليمن بدأت الممارسة السياسية في العام 1999 على شكل تداول للسلطة أقر انتخاب رئيس الدولة مباشرة من قبل الشعب، وانتخب الرئيس علي عبدالله صالح مؤخرا مرة أخرى على رأس الدولة .
أما في الجماهيرية العربية الليبية فقد كان إعلان سلطة الشعب في 2مارس1977 م ،والكتاب الأخضر بعد ثورة الفاتح 1969م ،إعلانا جديدا في عصر لم يعرف قبله إلا الظلم والعسف والجور ، وكانت الديمقراطية بدءا من إعلان ثورة الفاتح ومرورا باعلان سلطة الشعب وحتى اليوم ديمقراطية شعبية ، حقيقية تتجدد كل يوم بتجربة الشعب القائد في الحكم ككائن حي ينمو كل يوم ،وقد اكتسبت التجربة مع الأيام صلابة وأخذت من التجربة شواهد ازدادت بها عمقا ، أكدت نجاعة وصوابية الفكرة التي أصبحت منهجا للحياة ،وخط الشعب عبرها طريقة حياته ، وأكدت للآخرين ان ثقافة جديدة بل حضارة شقت طريقها في الحياة ، وأثبتت أن الديمقراطيات السابقة كمفاهيم وتجارب لم تخرج عن كونها أشكالاً سياسية يستخدمها أصحاب المصلحة والسلطة في حكم الآخرين .
إن الظلم الذي مارسته الامبريالية عبر ديمقراطيتها الليبرالية في التحكم بمصائر الشعوب وابقاءها خارج الحكم، وخارج الفعل قد انتهى في الجماهيرية العظمى ،حيث أصبحت المؤتمرات الشعبية الأساسية باعتبارها أداة الحكم ممثلة لكل الشعب يمارس فيها الحكم تشريعا وقضاء وتنفيذا ،محاسبة ورقابة ، وأصبح الشعب جيشاً للدفاع عن التراب الوطني ، وهذا ما أعطى للإنسان احترامه في أخذ قراراته وترجمتها الى اعمال .
بالتأكيد لن يكون هناك أمل في التقدم لبناء نظام ديمقراطي مستقر في البلدان العربية، خاصة في المشرق، بمعزل عن حل القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وقضية إحتلال العراق والجولان ومزارع شبعا وسبتة ومليلة وجنوب السودان ...الخ من قضايا الصراع مع الإمبريالية الأمريكية ، وهي العنصر المؤثر في كل هذه القضايا، لكن يتوقف هذا التقدم نفسه على قدرة المجتمعات على تكوين قوى ديمقراطية شعبية حية تفرض على النظم والقوى الأجنبية معاً تغيير حساباتها، إن مستقبل الديمقراطية في البلاد العربية، لا يتوقف على تغيير علاقات القوى داخل الدول العربية نفسها وفرض التعددية على النظم الأحادية أو شبه الأحادية فحسب، وإنما أيضاً على تغيير علاقات القوة الإقليمية وزحزحة الاستراتيجيات الاستعمارية المترسخة في المنطقة.
إن بناء حركة ديمقراطية شعبية ليست عملية عفوية، ولا تلقائيه من جراء تراجع نفوذ القوى الدولية ، أو انحسار نفوذ النظام القائم وتداعي تحالفاته الداخلية والخارجية... إنه يتوقف على النجاح في تطوير خط جماهيري يربط بين المطالب الشعبية المشروعة والحقوق الإنسانية الأساسية وبين المصالح الوطنية العليا للوطن العربي ولكل بلد من بلدانه أيضاً، وفي هذا البناء تقع مسؤولية رئيسة على المثقفين الذين يمثلون الوسيط الحضاري الناقل للأفكار والدروس التاريخية، ومسؤولية لا تقل عنها أهمية على السياسيين بوصفهم الجسر الذي يربط بين عالم الفكر وعالم الممارسة، لكن في ما وراء ذلك، يستدعي بناء الديمقراطية، كحركة ثم كنظام مجتمعي، تربية مدنية لا غنى عنها في أي تجربة من أجل تأهيل المجتمع وإعداده لاستيعاب معنى الحرية والمسؤولية والمساواة والقانون، هذه هي الخطوة الأولى والضرورية والشرط المسبق، ليس لنمو الحركة الديمقراطية فحسب، وإنما أيضاً لتكوين قوى ديمقراطية قادرة فعلاً على حمل النظام الديمقراطي القادم وتسييره والدفاع عنه ومنع استغلاله من قبل شبكات المصالح المالية والشركات متعددة الجنسيات ، وربما كان دور المثقفين أهم بكثير في هذا المجال من دورهم في قيادة حركة التغيير السياسي نفسها، المهم أن نعرف أن الديمقراطية هي النظام الذي يستند إلى سيادة الشعب ومشاركته الكاملة في السلطة.
إنّ إعادة هيكلة جامعة الدول العربية قد تنعكس إيجابيا على العرب اليوم فيما إذا اتجهت نحو : استكمال سياسة الإصلاح الهيكلي ودمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية العربية في كل قطر عربي، والعمل المؤسساتي من أجل نجاح الإصلاح وإعادة الهيكلة في الواقع الإقتصادي والإجتماعي العربي المتخلف، وإعادة صياغة العمل العربي المشترك وفقاً لمنظومات عربية وظيفية مرنة : أمنية واقتصادية وثقافية وسياسية، والتوازن في العلاقات مع الأطراف الدولية المختلفة.
إنّ العروبة بحاجة إلى صياغة سياسية جديدة معاصرة وواعية لواقع العرب كما لظروف العالم والتحولات الخطيرة التي غيّرته وستغيّره أكثر، لكنّ الخروج من العروبة أو عليها ليس حلا أو ضمانا للنجاة ، لقد اختلف الزمان، والعروبة تواجه اليوم تحديات هي الأخطر منذ انطلاق دعوتها كبشارة للوعي بالذات والانطلاق على طريق بناء الغد الموعود للشعوب العربية المقهورة بالاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي والفقر والتأخر.
وهكذا، لسنا بحاجة لشعارات من أجل مواجهة التحديات الكبيرة المطروحة على أمتنا العربية، بل الارتقاء إلى مستوى التحديات، بما يخدم مصالح الأمة ويضمن حقوقها الأساسية في السيادة والحرية والاستقلال والتقدم ، ولكي تتحول العروبة من مشروع تعاطف قومي، يعبّر كل طرف فيه عن إرادة توحده ووحدة همومه وانشغالاته مع الآخر، إلى مشروع عملي يؤمل منه أن يتحول إلى واقع متحقق في المستقبل،و ليس على الأقطار العربية المختلفة إلا أن تصلح أوضاعها وتنمّي قدراتها المادية والبشرية، لكي تشكل كل منها أنموذجا يحتذى للآخر.
لعلنا بذلك نفتح من جديد باب التاريخ وندق أبواب المستقبل وننهض لإطلاق خطاب عربي عصري، عناوينه في توجهاته ومضامينه وفي تجديدنا له، يحتمل دائما التأويل والتعديل لصالح شعوبنا العربية ، ووفق رؤية تعتمد سلطة الشعب عنواناً للتحرك ، والحرية مطلباً ، والتحرر من التبعية الاقتصادية والسياسية للأجنبي طريقاً .
المراجع والمصادر:-
3- صموئيل هنغتون ، الموجه الثالثة والتحول الديمقراطي في اواخر القرن العشرين ، ترجمة د . عبدالوهاب علوب ، القاهرة ، مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية ، الطبعة الاولى ، 1999 .
4- د. هايل ودعان الدعجة ، التحول الديمقراطي في الاردن ، مطابع وزارة الاوقاف ،الطبعة الاولى ، 2005 .
5- د . برهان غليون ، معوقات الديمقراطية في الوطن العربي ، صحيفة المعرفة الالكترونية ، 2006 .
6- د . حسين توفيق ابراهيم ، التطورات الديمقراطية في الوطن العربي ، قضايا واشكالات ، مجلة السياسة الدولية ، العدد 142 ، عام 2000 .
7- د . محمد عابد الجابري ، الدولة القطرية هل يمكن بناء ديمقراطية راسخة قبل ترسيخ دولة مكتملة النمو تحتمل تعدديتها ، مجلة المستقبل العربي ،العدد 175 عام 1993 .












