زعم من كان على رأس السلطة في الماضي ،بأن سلطته مستمدة من السماء ، وأكدت الكنيسة ذلك بكل الوسائل ، وحققا معاً السلطة والمال ، بحجة التفويض المقدس ، ولكن هذا الزعم سرعان ما ثبت زيفه، وبعده عن الحقيقة ، فثار الشعب على من إدعى بالتفويض، وطعن بشرعيته في السلطة و الحكم ، كما سحبب بعد ذلك من الكنيسة سلطتها .
من جهة أخرى فأن من حكموا بعد ذلك - وهم من البرجوازيين وغيرهم - بأسطورة التمثيل ، وهو تفويض أيضاً ولكنه يرد هذه المرة من الناس ، أي من السيادة الشعبية ، لم يتمكنوا من التمسك بهذه الحيلة مطلقاً ً ، لأن هذه الحيلة لم تنطل على الجماهير الواعية التي تمردت عليهم وثارت وأعلنت عن إرادتها بأن " السلطة للشعب ولا سلطة لسواه" .
ومن هنا وربطاً بما سبق من مقالات تتعرض للنظريتين الماركسية والرأسمالية بالنقد ، فقد بينا أن كل المشاكل على الصعد الإقتصادية والسياسية والإجتماعية ، والتي يعاني منها العالم سببها النظامين الرأسمالي والماركسي ،فالنظام الرأسمالي قائم على تبذير وسرقة الثروات ، ومن خلال الكتاب الأخضر يتبين أن القانون الوحيد للرأسمالية هو قانون الربح ، فالإنتاج فيها يجدد دائماً الحاجة ، ويفرضها على المستهلكين ، ويحولها إلى صورة عصبية ليوجد السوق الضروري لتوسيع العرض .فالنظام الرأسمالي فاسد ومتعفن ، ويكفي أن يقول معمر القذافي : عن تفضيله للنظام الماركسي على الرغم من عيوبه في حال عدم وجود إلا هذين النموذجين .
إن النظرية العالمية الثالثة لا تقدم نفسها حلاً وسطاً بين النظريتين الماركسية والرأسمالية، وإنما هي استجابة لمرحلة تاريخية عليا في حياة الشعوب ، وليست ثمة ما يحول دون تطبيقها في كل المجتمعات، أياً كان مستواها الاقتصادي أو إمكانياتها المادية ، وذلك لأن الشعب وهو يملك السلطة ويحكم نفسه بنفسه، ويستطيع تشييد حضارته تشييداًِ سليماً مادام سبيله إلى هذا الغرض هو الاهتداء بمقولات الكتاب الاخضر- مبادىء النظرية العالمية الثالثة -، ويتضح لنا أيضاَ أن سلطة الشعب تختلف جوهرياً عن كل من السلطة البرجوازية ، و الماركسية التي تتمثل سلطتها في أنها سلطة الطبقة الحاكمة الرأسمالية-ديكتاتورية البروليتاريا- المالكة لوسائل الانتاج والقابضة على الدولة بإعتبارها أداة قمعية بالرغم من الظاهر الديمقراطي المزيف المتمثل بالمجالس النيابية او الاحزاب السياسية المتصارعة في سبيل اغتصاب السلطة ، بينما سلطة الشعب هي ملك للعموم –عموم الجماهير – وليست لطبقة منها .
إن الجماهير في الديمقراطية الحقيقية تمارس سلطتها ممارسة فعلية، على قدم المساواه بلا تمييز او تفرقة بين الرجال والنساءمن افراد الشعب الواحد ، ومن حيث ان سلطة دكتاتورية البرروليتاريا الماركسية تنجم عن قيام طبقة العمال بانتزاع السلطة من البرجوازية او الاقطاع ثم مقاومة هذه الطبقة بالقوة والعنف وحرمانها نهائياَ من كل حق في السلطة السياسية، فهي اي سلطة الطبقة العاملة " البروليتاريا " سلطة طبقية بالرغم من اشراك الفلاحين والمثقفين الثوريين معها ، في حين ان السلطة الشعبية تتميز عنها في كونها ليست طبقية .
وبالمقارنة مع الديمقراطية البرجوازية بنظامها التمثيلي النيابي تبدو هذه الديمقراطيات منظمات طبقية فوقية تعمل على نحو يبعد الجماهير عن المشاركة في المؤسسات العامة، في حين أن الديمقراطية المباشرة في النظام الجماهيري هي بالعكس مجموعة مؤسسات شعبية مؤلفة أو مشكَلة على نحو يجعل الجماهير بمختلف قطاعاتها تمارس السلطة السياسية كما تمارس الإدارة، بغية تنفيذ القرارات ، وهكذا تجتمع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد الشعب في النظام الجماهيري ، فاندثرت بذلك الاجهزة التسلطية التي تخلقها البرجوازية للتضليل كالمجالس النيابية والحكومات التقليدية ....الخ.
والجيش نفسه الذي كانت البرجوازية تتخذه أداة للقمع والارهاب أصبح في الجماهيرية جيشاً شعبياً يضم كل افراد الشعب – الشعب المسلح – وأصبح الشعب المسلح حقيقة فعلية قائمة من أجل الدفاع عن الجماهيرية .
وبما أن قضية السلطة السياسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية الحريات وحقوق الانسان فلا بد وأن نبين أن التشريعات البرجوازية تحمل الكثير من الشعارات بهذا الخصوص وتعلن عنها بصورة مخمة وبليغة وهي مقررة حقا ً في القوانين الوضعية ولكن من الصعب فهم هذه الحريات والحقوق بمعزل عن طبيعة النظام السياسي القائم ؟.
إن الثورة الفرنسية عام 1789 م قد أعلنت حقوق الانسان والمواطن ووصفتها بأنها طبيعة، لصيقة بالانسان بحكم الطبيعة الانسانية ومن واجب السلطة السائدة احترامها وعدم المساس بها إلا عند الضرورة القصوى ، فنصت المادة الاولى منه على أن :-
" الناس جميعاً يولدون أحراراً ويعيشون أحراراً متساوين في الحقوق ولا يميز بينهم إجتماعياً إلا على اساس المنفعة العامة " .
فكيف فسرت البرجوازية هذه الحقوق ؟:
لقد فسرت البرجوازية الملكية الخاصة على أنها حرية المالك في أن يمتلك ما يشاء من الاملاك العقارية ، حتى الارض والمصانع ووسائل النقل والمتاجر والمساكن ...الخ ، وطبقاً للمادة (544) من القانون المدني الفرنسي القاضي بأن :- " الملكية هي حق الانتفاع بما يملكه والتصرف فيه بطريقة مطلقة بشرط ألا يستعمله إستعمالاً مخالفاً للقانون واللوائح " .
وبين المفكر " بورتاليس " وهو احد واضعي مبادىء الحريات إن الملكية الفردية في التقنين المدني تدخل ضمن النظم الطبيعية بل النظم الطبيعية بل النظم الآلهية ، وأن حقوق الملاك على أملاكهم هي حقوق مقدسة يجب أن تحترمها الدولة .
فهذا يؤكد أن حق البرجوازية في ملكيتها الخاصة الاستغلالية والتصرف فيها تصرفاً مطلقا ً إنما هو جوهر الحقوق ، حتى وأن كان أصحابها الفعليون نفر صغير في المجتمع .
أما الحريات الأخرى كحرية الرأي وحرية العقيدة وحرية التعليم وحرية الإجتماع وحرية المراسلات فهي سلطات يعترف بهاغ القانون للإنسان دون أن يهتم بتوفير وسائل ممارستها بصورة فعلية ، فهي إذن حريات صورية ،وسلطات قانونيةنظرية خالية من المضمون الحقيقي بالنسبة لأبناء الشعب الذين لا يملكون الوسائل المادية الضرورية التي تسمح لهم بالتمتع بها ، بينما الأغنياء يكون في وسعهم اللجوء الى كل السلطاتة التي يقررها القانون فيستخدمونها في استغلال الجماهير .
فالحريات القانونية البرجوازية مجرد حريات شكلية ليست حقيقية بالنسبة للأكثرية الساحقة من الناس ثم ما قيمة حرية الإنسان في العمل في الوقت الذي يجعله عقد العمل مرتبطاً بعلاقة تبعية ظالمة .
ومع أن بعض الدساتير والاعلانات تنص على بعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان كالدستور الفرنسي لسنة 1946 وكذلك لسنة 1958 م ، مثلاً ، فإن هذا الانسان المسكين لم يتحرر من الفقر والجوع بالرغم من من هذه النصوص التي ظلت جامدة لا تتحرك، وما قيمة حرية حرية الرأي أو حرية الفكر وحرية تشكيل نقابة أو جمعية إذا كان الانسان المقهور لا يستطيع أن يتحرر من عوامل قهره واستغلاله؟.
أو إذا كان لا يستطيع أن يجد له ولأبنائه مأوى ؟.. أو إذا كان لا يستطيع إرسالهم للمدارس والجامعات ؟.. فالحريات لا يمكن أن تتحقق بصورة فعلية ما دام الإنسان خاضعا للاستغلال وبعيداً أو غائباً عن السلطة السياسية .
ويتكلم الفكر البرجوازي عن الحريات الفردية والديمقراطية التمثيلية وحق العمل في الوقت الذي يوجد فيه ملايين الناس من أبناء وطنهم عاطلين عن العمل يتضورون جوعاً أو يعيشون على الكفاف دون مستوى الحاجات الضرورية للحياة .
فلا معنى إذن للحرية مع وجود الفقر .. ويجب أن يتحرر الإنسان من الفقروالعوز ، ومن الحاجة أيضاً لكي ينعم بالحرية .
وعلى النقيض من ذلك إن الجماهيرية تعلن عن حقوق الشعب بأسره وحرياته العامة وتقدم الضمانات الفعلية الكافية التي تتيح على وجه الدقة التامة إمكانيات التمتع بها ، فهذه الحقوق والحريات ليست نظرية وحسب ولكنها في الواقع حقيقفية لأنها مكفولة بوسائل تحقيقها فعلاً ، وبذلك وضعت الجماهيرية حداً لمخاوف المواطن في أن يصبح فيجد نفسه ذات يوم محروماً من وسائل المعيشة والرزق،لقد تحول مركز الثقل لاوالجاذبية من الاعتراف الشكلي بالحقوق والحريات إلى ممارستها ممارسة حقيقية، والديمقراطية المباشرة كما هي ممارسة في الجماهيرية العظمى تكفل ممارسةالحقوق المتعلقة بالسلطة وذلك بتوفير الإمكانيات المادية اللازمة في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقفافية ، فكل مواطن يتمتع بحق العمل لنفسه وبالتعاون مع الآخرين ، ويتمتع بحق التعليم ، لأن المعرفة حق طبيعي لكل إنسان ، والمجتمع يكفل ذلك بصورة عملية ، والحريات بكل صورها مصانة بتناغم شديد بين الفرد والمجتمع .
إن النظرية العالمية الثالثة التي تنبعث من الشرق قد تقود إلى بناء حضارة جديدة، هي حضارة لم تكن مقصورة على الشرق ، أو العرب، أو على المسلمين ، إنما نأمل أن تنتفع بها كل البشرية ،أن ما تنتجه النظرية العالمية الثالثة مرتبط روحاً وجوهراً بالعقلية الإسلامية المتحررة من القيود الجاهلية والافكار التكفيرية التي يشجبها فكر معمر القذافي، ويعبر عن ذلك بأكثر من صورة ،حتى وهو يرد ذلك إلى ان الظلم والقهر ، والغزو ، والإستغلال الغربي للإنسان هو المسببا للأول لظهور الفكر المتطرف والإرهاب.
ولكن الكتاب الأخضر ليس مشروعاً للإسلام يهتم بنشر الإيمان ، فلكل أمة دينها ، رغم أن الدعوة ضرورة ،ولكن مشروع القذافي الكبير هو في تخليص العالم من أوجاعه وتمليكه حريته وفي ذلك خلاص المجتمع من أوجاعه ، وبها يختار حريته في مسار حياته بما فيها اخيار عقيدته ، فطرائق الله هي هي من يعطي الإيمان الحقيقي .
إذن فالكتاب الأخضر موضوع لكل الشعوب مهما كان دينها ومعتقدها ، ولا يقصد الأديان السماوية فقط ، بل وحتى الأنظمة الشيوعية والرأسمالية ، وغيرها ، وليس من تعارض بين الدين والإيمان في الكتاب الأخضر ، ولكن ليس هناك أيضاً ما يُستنتج ويعتمد على الدين، فالكتاب الأخضر ليس بديلاً للرسالة ، ولكل منهما مجاله ، والقذافي، لا يخفي قناعته بأن القرآن هو أفضل شيء للإجابة عن التساؤلات الأولى مثل أصل ومستقبل الإنسان والعالم، وطبيعة وحدود الحقيقة،و تعريف الخير والشر، وسلوك الفرد، ولكن فيه أيضاً رفض لكل من يدعي إمتلاك المعرفة الدينية ، فليس هناك بديل عن سلطة قرار الشعب ، وعلى قدرة الشعب ، أي قدرة كل شخص على تحديد موقفه بحرية وسيادة إزاء التعاليم السماوية.من هنا نؤكد مرة أخرى أن الكتاب الأخضر هو الخط الأخير لإصلاح المجتمع العربي الإسلامي ، وهذا الإصلاح يسمح للبلاد العربية بأخذ مكانتها بين الأمم ، مع الحفاظ على ملامح شخصيتها.












