و لأن النظرية العالمية الثالثة أوضحت بأن الأمة في مجملها شخص معنوي قانوني يختص وحده بحق السيادة وممارستها ، مما يفرض حتى تستوي النظرية قانوناً أن يتم ابتداع الشكل القانوني الأمثل الذي يمنح هذا الكل – مجموع الأمة – إرادة لا راد لها لممارسة السلطة بالشكل والكيفية التي يراها مناسبة ، لأنه صاحب السيادة وصاحب الولاية، والمواطن عندما يمارس سلطته السياسية إنما يحافظ بهذه الممارسة على حريته وعلى ثروته وعلى إنتاجه وعلى مسكنه، حيث السلطة الشعبية تضع مهام تاريخية على عاتق الجماهير بمختلف فئاتها .
والنظرية العالمية الثالثة بما أبدعته من صيغ ورؤى جديدة ، لحل إشكالية " السلطة " التي مثلت دائما ً وعلى طول مراحل التاريخ مفصلاً رئيساً ومحوراً أساسياً ، تفاعلت حوله حياة شعوب البشرية في حركتها الدائبة نحو الوصول إلى كمالها واستقرارها هي نتاج عقل إستقرائي إنساني ، عاش صاحبه الحياة وسط الملايين ، فاستنبط حقائقها وأسرارها واحتياجاتها ، مشاهدة ومعاينة ولم يستذكرها في كتب المتكلميين والسفسطائيين كما يفعل أصحاب العقول الرخوة الذين يتصورون الحياة حقل تجارب لأفكارهم ونظرياتهم المسرفة في الشطط والخيال.
ولأنها كذلك - النظرية - وعلى حدَ تعبير صاحبها تتويج طبيعي صنعته ظروف التجربة الإنسانية التي أوشكت على النضج متخذة بحكم " الحتمية التاريخية والضرورة المنطقية " مسارات تقترب بثبات وإصرار ولكن ببطء " ربما " من الصورة البديعة التي يقدمها الكتاب الأخضر للمجتمع الديمقراطي الحق المتأسس على البديهيات والمسلمات الاجتماعية التي تنبثق عن الفطرة الإنسانية السليمة المنحازة بطبيعتها لكل قيمة أو مبدأ يدعم وجود ثالوث الحلم البشري " العدل والمساواة والحرية " حتى ليبدو أن الكتاب الأخضر يمكن النظر إليه على أنه بالإضافة لكونه " نبوءة علمية " تبشر الإنسان بحتمية وصوله إلى الطريق التي يقوده لتحقيق حلمه في السعادة والرخاء فإنه أيضاً يجسد الدليل والمرشد لهذا الإنسان للوصول إلى تلك الطريق الموعودة.
بسبب هذه الحقائق اللصيقة بالنظرية ، وأيضاً بسبب تأجج ما تعيشه شعوب العالم من فوضى وضياع كامل في النظم التقليدية البالية التي اتخذتها نبراساً يقود مسيرة حيلتها . فأحالتها إلى جحيم لا يطاق حيث تنوعت صور معاناة تلك الشعوب وآلامها من قهر سياسي بسبب حرمانها من ممارسة سلطتها وتحقيق رقابتها الفعلية على أدوات حكمها ، إلى قهر اقتصادي قسَم المجتمع الواحد إلى سادة يملكون المال والثروة والنفوذ وآخرين عبيد مسخرين لخدمة مصالح هؤلاء السادة ومراكمة ثرواتهم ، إلى قهر اجتماعي جعل الإنسان الضعيف الذي لا تشمله إحدى دوائر ا لقوة "المال أو السلطة أو السلاح " أرخص من أن يساوي الكلاب المؤصلة والقطط المدللة في قصور السادة المرفهين .فإن الحل أتى في تكوين المؤتمرات الشعبية الأساسية لممارسة السلطة على أحسن وجه وأكمله ،فها هي المؤتمرات هي القواعد الأساسية للديمقراطية المباشرة حيث تتمتع فيها الجماهير بكامل السلطة لأنها سلطة شعبية تخص كل مواطن ، وهنا يكمن إنتصار الجماهيرية وتحديها لقوى الرجعية والإمبريالية رغم جميع التهديدات وأشكال العدوان .
أجل بسبب كل هذا كانت الأنفاس تنحبس في الصدور والأكف تضغط على القلوب ، وتكاد العيون تقفز من محاجرها مشدودة مبهورة بقوة ضوء هذا الفجر الوليد الذي انبلج في الثاني من مارس "الربيع " عام 1977ف ، ناهضاً من قلب ظلمات البشرية وعذاباتها المريرة التي كابدتها عبر العصور والأزمنة في رحلة شاقة امتدت آلاف السنين حاملاً في قسماته وعداً أكيداً بأن اللون الأخضر الذي اتخذته الطبيعة رمزاً لخصبها ورخائها سيعم الأرض إيذاناً ببدء ربيع الإنسان الذي طالما انتظره وناضل من أجله وقدم في سبيله التضحيات الجسام .
إن الإنسان في كل مكان من العالم " سواء ذلك الذي يسكن كوخاً خشبياً على في غابة أفريقية بكر يعاني الحرمان والجهل والمرض ويقاسم الحيوانات البرية طعامها ، أو ذلك الذي يتوسد الرصيف الحجري القاسي في إحد شوارع مدينة باريس أو لندن ، متقلباً على نار الظلم الصارخ الذي تصبه على رأسه الرأسمالية المتوحشة ، أو ذلك الذي يطارده رجال البوليس القمعي بهراوتهم الغليظة في أحياء مدن أمريكا بسبب لونه الأسود - جميع هؤلاء يتطلعون بلهفة يملؤها الأمل إلى التجربة الرائدة التي يخوضها الليبيون لبناء دولة الجماهير .... الدولة الإنموذج التي ينضوي تحتها كل الناس " برؤوس متساوية الارتفاع " كأنها أسنان المشط ، فلا رأس يعلو فوق رؤوس الآخرين، والجميع يتطلع إلى البناء الحضاري البديع المتمثل في المؤتمرات الشعبية ألأساسية ، التي تجمع كل الناس فيها ، يقررون من خلالها مصيرهم وأمور حياتهم، ولجان شعبية تفرزها الجماهير من بين صفوفها لتكون في يدها أداة للتنفيذ والعمل .، هذا البناء الذي صممت هندسته مقولات الكتاب الأخضر حاسمة بذلك مشكلة معقدة ومجيبة على سؤال صعب، ظل يؤرق عقول المفكرين والفلاسفة على مدى من الزمن . والذي كان ملخصه : " كيف يمكن أن يجلس كل الشعب على كرسي السلطة ؟ . أو بصياغة أخرى للسؤال: ما الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق الديمقراطية المباشرة فعلياً وعملياً إذا كنا لا نختلف على ضرورتها وعدالتها من ناحية نظرية؟ .
وقد كانت إجابة الكتاب الأخضر جامعة مانعة من خلال"في حل هذه المشكلة وهي مشكلة أداة الحكم ، في التصور المبتكر الذي جاء به متجاوزاً بأشواط عديدة كل محاولات مفكري ودعاة الديمقراطية الشعبية عبر التاريخ، والتي تعثرت وأجهضت بالذات بسبب غياب التصور الهندسي للكيفية التي يمارس فيها الشعب السلطة بنفسه ولنفسه .
ومن هنا كانت المسؤولية الملقاة على عاتق الشعب الليبي العظيم ، وهو يضطلع بأعباء تطبيق وإنجاح هذه التجربة الإنسانية الخالدة مسؤولية كبيرة تضع مستقبل أجيال البشرية جمعاء بين يديه لأن الآمال كلها معقودة على مدى النجاح الذي سينجزه وهو الآن ، مدعو بقوة بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الممارسة ، إلى أن يستنهض كل الهمم ويبدي كامل حرصه ويقظته لئلا يتيح الفرصة لأي متسلل أو مريض لخدش نقاء هذا العمل العظيم وإفساد طبيعته النبيلة .ولأن في نجاح التجربة كذلك إثباتاً أن الشعب عندما يكون في السلطة ويمارسها بحرية يصنع المعجزات.












