نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
الحريات العامة والشخصية بين الديمقراطية الليبرالية والنظرية العالمية الثالثة

 

بقلم زيد ابوزيد

إن الحريات المعروفة اليوم والتي تناولتها الدساتير المنبثقة عن الأنظمة السياسية القائمة على الديمقراطية الليبرالية ، ومنها ،حرية الفكر والعمل والرأي والانتخاب ،لم تعمد من خلال تعدادها لتأكيدها بقدر ما عملت على رسم حدود لها ، تنسجم ومنهجها ، بحيث حدت هذه الدساتير من الحريات الخاصة والعامة، بدلاً من أن تطلقها .

وفي الوقت الذي أكدت فيه كثير من الدساتير-بنصوصها - الحقوق المطلقة للهيئات والأفراد في أن يؤمنوا بما يطيب  لهم، اشترطت هذه الدساتير وجوب أن يكون السلوك و أن تكون الممارسة غير مقصود  منها تغييرالنظام أوالقانون أو وقف استمرار العادات الإجتماعية ،أو الإحتجاج على تآكل الدخول ، وانحدار الوضع الإقتصادي .إنما العرض النقدي الصوري للحال بهدف العرض لا غير.
اذن الحريات في ظلال الأنظمة القائمة ،هي حريات ذات اتجاه واحد ، تضع النظام في برج عاجي لا مجال مطلقا لتغييره ، أما نقده فلا يتم الا ضمن أصول ضيقة محدودة من حيث الأهداف والشخوص ، وكذلك في مراميها حتى لا تخرج عن اطارالنظام نفسه.

إن جوهر الحريات المنصوص عليها في دساتير النظم التقليدية ،ليست إلا حرية السلطة وحرية القوة ، ولعل أفضل مثال على ذلك هو حرية التعاقد ، حيث تتلاقى إرادة العامل المحتاج للعمل وإرادة رأس المال التي تريد أن تنتقي من سوق العمل اليد العاملة الرخيصة ، هذه الحرية التي تجد نفسها بين خياري  إستمرارالحياة والحصول على الرغيف من جهة أخرى ، إنهما نظريا خياران ولكنهما فعلا خيار واحد لا مجال حتى لمناقشته ..كذلك حرية التعاقد بين المالك الذي يبقى شقق بنائه فارغة حتى يحصل على الايجار الذي يريد من جهة و الإنسان المضطر للسكن ضمن شروط صحية معقولة من جهة أخرى ، هذه هي بعض الحريات الفردية التي يضمنها القانون ، والتي هي أقرب إلى حرية السلب واللصوصية منها إلى الحرية الحقيقية والتي هي انسانية قبل كل شيء ، وإذا لم  تكن حرية التعاقد هي موضوعنا فإننا عرضنا لها على سبيل المثال ، لا الحصر، لإعطاء فكرة عن الحريات المضمونة دستوريا بقوانين النظم التقليدية ،و كيف تكون في ظلال الأنظمة القائمة وكيف تمارس فعلا.

فإذا كانت الحريات المعطاة في ظلال الدساتير القائمة تجعل القانون حصانة لا مجال لرفعها ، وقداسة يجب عدم الإعتداء عليها تحت طائلة هذه القوانين بالذات ، فإنه لا بد لنا من التذكير بأن هذه القوانين نفسها ما هي الا أداة، و وسيلة من أدوات ووسائل الأنظمة التي توخت بها حماية نفسه، وجعلت منها حاجزا بينها وبين المحكومين،  وسدا منيعا في وجوههم وقيدا على تصرفاتهم وحرياتهم ، إنها القوانين التي وضعتها هذه السلطات نفسها ، وإن كانت قد أصدرتها بإسم المحكومين اللذين  لا حول لهم ولا قوة ، سواء أخرجتها السلطة بفعل استفتاء شعبي أو صدرت عن ممثلين في البرلمان ، أو صدرت بقوانين مؤقتة كما يحدث أحياناً في ظل غياب البرلمان الصوري ، فإن هذه القوانين تأخذ صفة القداسة ولا تستطيع الكتلة الشعبية تغييرها مطلقاً ، بينما السلطة التنفيذية وعلى العكس تماماً باستطاعتها وفي أي وقت وتحت أي مبرر أن تغير في صفة هذه القوانين بالتعديل أو التجميد ، بل بالإلغاء أيضاً.وبما يستجيب لمتطلباتها  ، وأمرها هنا لا راد فيه ، ولها فيه الإرادة المطلقة .

هكذا ومهما فصلنا نبقى في دائرة واحدة وضمن إطار ومفهوم واحد , وهو ألآ حرية إلاَ للحاكم ولصاحب السلطان , وحرية الحاكم باقية ما بقيت النظريات والقيود التي تحد منها ، وتبقى مفاتيح القيود بيده هو وتصبح حرية صاحب السلطان فعلا دون حدود وتبقى حريات المحكومين لا تتعدى قضبان القفص القانوني الذي صنعه لهم الحكام والحكومات.

هذه هي حال الحريات الفردية ، تبقى ضمن الخطوط التي حاولنا رسم صورة لها في ظلال الأنظمة القائمة في العالم اليوم .. ولا شك أن حرية التعبير هي أيضا من بين هذه الحريات التي نظمتها الدساتير وحددتها،والتي تعتبرالأنظمة أنها احدى أخطر الحريات الفردية ، مما حدا بالأنظمة الإكثارمن القيود التي تحد منها فتعقل اللسان وتراقب المطبوع ، وهذه الحرية هي مجال بحثنا هنا.

 لنبحث في حرية التعبير،و يجب أن نبدأ بالتمييز بين الكلمة المكتوبة والكلمة اللفظية ، ولانريد أن نعود هنا لمنقاشة الحدود التي  ترسمها الدساتير لحرية التعبير فيكفي أن نذكر بأن القوانين في ظلال الأنظمة القائمة تفرض التراخيص للاجتماعات وتعاقب من يخرج في كلماته عن الحدود القانونية المرسومة ، وكذلك تعمد الى رقابة ما تكتبه الصحف وتحيلها الى المحاكمة،  وتحكم بتعطيلها اذا تمادت في النقد ..وإذا كان العنوان الذي نذهب إليه هو الصحافة والحريات الصحفية فمن الطبيعي أن نحاول حصر بحثنا في هذا الاطار ، بعد أن عرضنا بشكل موجز للحريات الفردية ، وما عرضنا له وسنعرض إنما هو من باب المقارنة والمدخل لفهم ما تعنيه النظرية العالمية الثالثة وما هي نظرتها للحريات الصحفية .

لقد أصبحت حدود حرية الصحافة في ظل مختلف الأنظمة القائمة في العالم اليوم مطاطة بشكل يتسع لكثير من التأويلات ، ولعل من أطلق عليها في ظلال الأنظمة البرجوازية لقب السلطة الرابعة ، أعطاها بعداً جديداً لأنها في ظلال الأنظمة القائمة ، قد جرى تنظيم ملكيتها بشكل يجعل امتلاك صحيفة من الأمور الصعبة التي لا تتيسر إلا لأصحاب رأس المال ، و هؤلاء شئنا أو أبينا ، هم من الطبقة المستفيدة من استمرارية النظام ، وأضحت الصحف ملكا لأشخاص اعتباريين لهم داخل النظام باع طويل،  واما أن تكون ملكاً  لمؤ سسات استثمارية رأسمالية لها مصالح لا تتعارض ورغبة الحكومات .

إذن والحال هكذا، فالصحف مملوكة بالشكل الذي قدمناه لما  يخدم وأن  تدور ضمن سياسة هذه المؤسسات أو هؤلاء الأشخاص،  وتسير ضمن الخطوط التي رسموها لها ولأنفسهم ، وهي إذ تتمادى في بعض الحالات بنقد ومواجهة نظام قائم أو تطالب بإصلاحات اجتماعية، أو إقتصادية ،  فما ذاك إلا ،لابتزاز النظام أو لتحقيق مكاسب هدفت إليها من خلال ذلك ، وهذا يعني كذلك أن الصحيفة أداة طيعة بيد مالكها فالصحافة المملوكة هي كأية سلعة خاصة خاضعة للمساومة وتعبر عن مالكها ولايمكن إلا  أن تكون كذلك،          سواء لجهة التعامل أو لجهة التعبير .    

وإذا حاولنا أن نسلم جدلا بان دور الصحافة ، باعتبارها أساسا صحافة وطنية بحتة تصب اهتمامها على نقد الأخطاء نقدا بناءاً،  وتحليل السياسة تحليلاً موضوعيا،  واعطاء  الخبر أبعاده الحقيقية ، وأن تعبر عن الرأي العام ولا تتأثر إلا بمصلحة الشعب ، فإن ذلك يعني وجوب قصر ملكيتها على أشخاص اعتباريين أو طبيعيين أو على مؤسسات أو شركات تتحلى بهذه المواصفات وتعمل لهذه الأهداف التي حددناها لهذه الصحافة . ومن خلال نقدنا للمؤسسات وللأحزاب وللأشخاص الاعتباريين في ظل الأنظمة التقليدية ،  يستحيل عليها أن تكون إلا معبرة عن المالك فحسب،  وأن المالك في ظل النظام يجعل من الصحيفة مدخلاً لتحقيق مكاسب فيحولها إلى بوق إعلامي لا يأخذ بعين الاعتبار إلا مصالحه هو بالذات ، والقوى التي تؤمن له هذه المصالح وتصبح الصحيفة سلعة في سوق الإعلام التجاري لا أكثر ولا أقل .

وهكذا لدرء هذه الأخطاء ترى النظرية العالمية الثالثة أن الصحيفة يجب أن تكون ملكيتها للشعب ، ولا تعني النظرية بذلك تأميم الصحف بالمعنى الذي حدث في كثير من البلدان،  لأن التأميم لم يفعل سوى أن قلب موظفي الصحيفة إلى موظفين عموميين،  ودخلت الصحيفة نفسها ملكية النظام القائم باسم الشعب وأضحت مبخرة على مذبح النظام ليس إلا ، كما حدث في كثير من الدول التي تحكمها الأحزاب المنفردة ، وهنا تصبح الصحيفة جزءاً من التنظيم الحزبي فتفقد دورها .........

النظرية العالمية الثالثة عندما قدمت حلاً لمشكلة حرية الصحافة إنما وضعته ضمن رؤيتها الكاملة لعصر الجماهير حيث يمارس الشعب السلطة ، وعندما قالت بوجوب تملك الشعب للصحافة واعتبارها ملكية خاصة له ، لايصدرها موظفون فيها ، إداريون أو رسميون ، إنما تشرف على إصدارها لجنة شعبية منتخبة تضم عناصر من كافة فئات المجتمع وبهذا تعبر عن هذه الفئات بشكل فعلي لا صوري وتنطق بالتالي بإسمها ..

ولا يعني هذه قصر الصحافة على هذا الأسلوب ، إنما تركت النظرية لكافة المؤتمرات المهنية والاتحادات حق إصدار الصحف ، لكنها نظمتها بشكل يضمن سلامة التعبير واختصاصاته ، وأعطت لذلك أمثلة كثيرة فالمؤتمر المهني للمعلمين  مثلا إذا ما أصدر صحيفة وجب أن تكون صحيفة تربوية خالصة ولا يعني هذا أن تتكلم فقط عن التربية والتعليم  ، لكن لها أن تتعرض في نفس الوقت لدور المعلمين في المجتمع ولآرائهم ومسؤولياتهم وكذلك الأطباء والمهندسين والزراعيين ......... الخ

وهنا يتبادر للذهن سؤال :- على أن هذا التنظيم للصحف ، أليس هو كذلك من باب التقنين الذي يحد من حرية الصحافة وحرية الإمتلاك والرأي ؟، وخاصة أن للصحافة اليوم  دوراً نقدياً لسياسة الدولة تقوم به الصحافة لمصلحة إصلاح المجتمع ، وأن الصحافة رقيب على أعمال السلطة ؟.

والإجابة :لا ،  فعند الحديث عن دور الصحافة في ظل  النظرية العالمية الثالثة  ، سنكتشف أن النظرية العالمية الثالثة بالتنظيم الذي وضعته قد أفقدت الصحافة دورها العام التقليدي الذي عليها الأضطلاع به ، بل قضت عليه ؟

فلا يمكن قياس دور الصحافة في ظل اللأنظمة القائمة في العالم اليوم على دورها في ظل سلطة الشعب ، وهذا ما تعبر عنه النظرية العالمية الثالثة ، وإن الصحافة تكون رقيباً على أعمال السلطة لمصلحة الشعب ،   - وهذه مثالية لا واقعية – لأنه كما قدمنا لا تمثل الصحيفة إلا رأي مالكها ، أو مالكيها، وهذا يعني رقابة شخصية لا عامة.

ونقول رقيباً لمصلحة الشعب في حال كون الحاكم هو غير شخصية الشعب ومتميزاً عنه ، كما في حال كون الحاكم حزباً أو شخصاً طبيعياً أو طبقة ، أو مجموعة رأسمالية ، أو نظاماً تمثيلياً،  إلى آخر ما هنالك من نماذج للأنظمة القائمة ، حيث يكون الشعب منفصلاً عن الحاكم وعن الحكم تماماً ومحكوماً من النظام السائد ، فقد تلعب الصحافة دوراً نقدياً إذا تيسر ذلك ......

ولكن إذا كانت السلطة بيد الشعب فمن ستمثل الصحافة ؟.وماذا ستنتقد ؟ ، ولمصلحة من نقدها ؟، و عمن ستدافع؟.

هل ستدعي الصحافة تمثيل الشعب هنا ؟ ، والشعب هو صاحب السلطة ، وهل ستنتقد الحاكم لمصلحة الشعب ، والحاكم هو الشعب ، وإذا أقدمت على نقد الشعب فمن المؤكد أنها في هذه الحالة لا تقصد البناء ولكن تعمل على التهديم وفي ذلك مصلحة لأعداء الشعب وجب مقاومتها ومواجهتها ، وعلى هذا الأساس فإن الصحافة لا يمكن أن تدعي أنها أداة رقابة  ديمقراطية ، لأن الشعب في ظل النظام الجماهيري وسلطة الشعب ليس رقيباً بل هو سيدٌ مطلق. لأنه الحاكم الفعلي والديمقراطية ليست التعبير الشعبي ولكنها الحكم الشعبي، كما حددتها النظرية العالمية الثالثة.

وقد يتبادر إلى الذهن هنا أن النظرية العالمية الثالثة قد تجاوزت على حرية التعبير مثلاً؟ وهنا لابد من التذكير بالمؤتمرات الشعبية الاساسية ، وبأن كل مواطن هو عضو في مؤتمر شعبي أساسي حيث يطرح آراءه في كل شيء ابتداءاً من أخطر قرارات السياسة الخارجية إلى أبسط القوانين واللوائح ، وللفرد في المؤتمر الحق في التعبير عن رأيه بالشكل الذي يرتضيه وله حق المناقشة والاستماع وله الحق بنقد اللجان الشعبية مباشرة بل وباتهامها بالقصور، ومحاسبتها من خلال المؤتمر، لأن المؤتمرات الشعبية الأساسية هي صاحبة السلطة وأمامها يجري الحساب ، من هنا ولأن حرية التعبير مؤمنة لهم نرى ضرورة التعرض لها من هذا الباب ولهذا السبب ...

ويعود السؤال ليطرح نفسه مجددا ، عن ماهية دور الصحافة حسب النظرية العالمية الثالثة وفي ظل نظام سلطة الشعب ؟ .......

إن النظرية العالمية الثالثة توضح رسالة الصحافة بأنها المنبر والمشعل لتوضيح النظرية وإنارة الطريق فعليها تسليط الأضواء على السلوك الواجب اتباعه بأن تكون أداة لتعليم المواطن كيفية ممارسة حقوقه وسلطته الياسية وعليها أن تحرض حتى لا يقف موقفاً سلبياً لا مسؤولاً أمام ما يعرض للمجتمع بل عليه المشاركة في كل شيء ، وعلى الصحافة قبل كل شيء أن تكون مدرسة أخلاقية،  خاصة وأنها لن تفقد دورها في التحليل سواء الاقتصادي أو السياسي لكافة قرارات المؤتمرات الشعبية ، ولن تفقد دورها في نشر الخبر .


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية