نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
الديمقراطية و نظرية الحكم
 

بقلم :زيد ابوزيد
 
ينطبق على موضوع الديمقراطية الوصف العربي  البليغ “السهل الممتنع” وبخاصة  وأن كل من كتبوا عنها اتفقوا على تعريف واحد يقترب من معناها الحرفي الذي أتى من اندماج كلمتين من اللغة اليونانية القديمة تعنيان حكم الشعب ، فالكل يكاد يقر أن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب وللشعب ، ولكن الصعوبات تظهر عندما نغوص في أعماق هذا التعبير ، حيث نصطدم بعدة تساؤلات أساسية ، على شاكلة ، ماذا نعني بالشعب الحاكم ، ومن هذا الشعب الذي سيكون من أجله الحكم ، وكيف يمكن أن يكون الحكم بالشعب وللشعب ؟، وهنا يبرز

   الاختلاف وتتعارض المدارس الفكرية والاجتماعية حيث يعطي كل منها للديمقراطية معاني ومضامين مشتقة من منطلقاته الأيديولوجية، وهو ما أدى بالتالي  إلى ظهور عدة صور للحكومات الديمقراطية.
ونقطة الأساس في نظم الديمقراطيات التقليدية أنها اتجاه سياسي يستهدف نقل السلطة سياسياً وقانونياً من الملك إلى الشعب، أو من الحاكم الى المحكوم وحق الشعب في ممارسة سلطة التقرير  النهائي  لمستقبله ، وفي إختيار النظام الذي يناسبه ، وتعيين الحكومة التي يرتضيها

 لتصريف  شؤونه، وهذا ما يميّزها عن الحكم الفردي، حيث السيادة مركزة في يد فرد واحد،  كما تميزها عن الحكم الأرستقراطي حيث السيادة مركزة في يد فئة قليلة من الأفراد .

 أما المصادر الفكرية لهذه النظرية -سيادة الشعب-، فنجدها في نظريات القرنين  السابع عشر والثامن عشر في أوروبا لمجموعة من مفكري الاقتصاد والتربية والسياسة من أمثال جون لوك ، وجان جاك روسو ، وكذلك مونتسيكو في كتابه الشهير " روح القوانين " .

وقد انطلقت على أساس هذه النظريات حركة الديمقراطيات التقليدية في أمريكا أولاً، ثم في أوروبا إلاّ أنه وبسبب اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية  لتلك الدول أمكن ظهور صور متعددة من الحكومات الديمقراطية . 
 ويرتبط مفهوم الديمقراطية بالسياسة علماً وممارسة، وهو موضوع يمثل أهمية  كبرى بالنسبة لحياة البشر من أقدم العصور، وحتى يومنا هذا.
 
وإذا كان مصطلح السياسة قد اشتق من أصول لاتينية تعني في مجملها المدينة أو  الدولة، أو من الأصل العربي ساس يسوس سياسة،  بمعنى تدبير أمور الناس أو القيام  بأمورهم، فقد أضاف الاسلام إلى هذا المعنى أمور الدين بلا فصل بينها وبين أمور الدنيا ، ليترتب على هذا

 المفهوم العربي للسياسة معنى الزعامة والقيادة، لأن القيام بإمور الناس يتطلب بالتأكيد من 
يتولى هذه الأمور بحيث يصبح الذين يتولون أمور الناس هم الساسة ، كما جاء في لسان  العرب، وأولي الأمركما ورد في القرآن الكريم .
 
وإذا كانت السياسة تعني الحكم في المفهوم الغربي الليبرالي؛ فقد  ترتب عليـه  وجـود ما عرف بعلاقة السلطة بين الحكام والمحكومين، وهي علاقة أمر وطاعة،  وهو ما مورس في المجتمـع القبلي الجاهلي عند العرب كما جاء ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى :-

"  يا أيها الذين امنوا أطيعـوا الله وأطيعوا الرسول وأولي  الأمر منكم " صدق الله العظيم .
إلاّ أن نظام الاسلام جعل طاعة أولي الأمر مشروطة بطاعتهم لله والرسول، وأكد  عقد البيعة بين الطرفين، آخذاً بمبدأ الشورى كأساس لهذا العقد وهذه البيعة .
والديمقراطية مصطلح لاتيني الأصل مكون من كلمتين هما"ديمو" وتعني شعبي، و" كراسي "
   بمعنى الحكم أي ديموكراسي "الحكم الشعبي" ، أي حكم الشعب،    وعرفها الفيلسوف هارولد لاسكي بأنها كالحذاء، وفسرها بأن حذاء شخص لا يصلح  بالضرورة لشخص آخر، ومن هنا نرى أن للديمقراطية الغربية الليبيرالية نماذج عدة كالنموذج السويسري - نظام

 الجمعية- ، أو النموذج البريطاني -البرلماني-،  أو النموذج الرئاسي الأمريكي، فلكل منها خصوصيته، ولكل مجتمع عاداته وتقاليده، وإذا كانت الديمقراطية الليبيرالية هي أساس أنظمة

 الحكم في الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، فذلك كأسس عامة وخطوط عريضة، ولكن اجتهاد كل مجتمع  فيها ضمن خصوصيته أفرز نظماً سياسية متنوعة.
وقد قال عنها الكاتب الفرنسي جورج بوردو في كتابه عن الديمقراطية:- إن الديمقراطية ترتبط فكرياً وعملياً بفكرة الحرية، فالحرية هي التعبير الخارجي  عن الإرادة، والديمقراطية هي التعبير القانوني عن استعمال الحرية الجماعة الإنسانية ، ومن ثم فإن الحرية لا تنفصل عن

 الديمقراطية.
وقد قال جون ديوي في كتابه القيم الديمقراطية والدين:- فالديمقراطية هـي أن يتمكن جميـع أفراد الشعب من الإفصاح عن مطالبها بكامل الحرية ، وأن تناضل سياسياً بالوسائل المشروعة
   للتداول على السلطة بواسطة إنتخابات حرة ودورية .
 أما العلوم السياسية فقد قالت بأن الديمقراطية معناها حرية الرأي والتعبير والمعتقدات، وللناس الحق أيضاً في تكوين الأحزاب والجمعيات والتساوي أمام القانون لا فرق بين الحاكم
  والمحكوم، ولا بد من الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية؟.
وأن تكون الانتخابات حرة، وأن يجري التداول على السلطة بالإقناع والانتخاب.
وقد عرفها أبراهام لنكولن بأنها -حكم الشعب بواسطة الشعب، ومـن أجـل الشعب -ومعناها أن الشعب هو الذي يحكم السلطة، والشعب هو الذي يختار الحاكم، وهذا من أجل فائدة الشعب.
أما ميلي فيقول:-  الديمقراطية هي الحكم الذي يملك فيه كل فرد نصيباً، أي لكل فرد حرية الاختيار،  وإمكانية الوصول إلى السلطة بنضاله وعمله.
والديمقراطية قد تكون مباشرة يحكم فيها الشعب بغير وساطة أجهزة أخرى، وهذه  هي الصورة المثالية للديمقراطية كما عبّرت عنها النظرية العالمية الثالثة، حيث  يشارك الشعب في صنع الإرادة العامة واتخاذ القرار وتنفيذه من الشعب بلا وساطة أو نيابة ، وقد شهد العالم

 القديم صوراً من هذا النموذج كما في نموذج الديمقراطية في أثينا القديمة مثال على بدء تطبيق هذا  النموذج، وقد تكون الديمقراطية شبه مباشرة وهناك أيضاً الديمقراطية النيابية

التي  تقوم على وجود ممثلين عن الشعب مستقلين عن ناخبيهم.
ويقودنا الحديث عن المساواة والحرية إلى نمط آخر من الحكم عُرِّفَ باسم  الديمقراطية الشعبية.
والتي تعتبر نموذج الديمقراطية الآثينية  القديمة أول صورها عبر التاريخ البشري  كله.
ديمقراطية أثينا:- 
ارتكزت الديمقراطية الأثينية على ثلاثة أركان، هي:-¬
1-وحدة السلطة:- أي اندماج كل السلطات على اختلافها في أيدي الشعب، لكي يمارسها بصورة  مباشرة.
2- المساواة:- من خلال المشاركة في الحكم وحرية التعبير والمساواة أمام القانون،
 
3- سيادة القانون:- أي هيمنـة الشعـب علـى تقـرير الحيـاة العامة.
 
أما بالنسبة للتنظيمات السياسية والإدارية الخاصة بتطبيق الديمقراطية المباشرة في  المجتمع الأثيني، فقد تمثلت في الجمعية العمومية ومجلس الخمسمئة والمحاكم، مما  يعبّر عن ممارسة السلطات العامة الثلاث، وهي:-

التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعلى النحو التالي:- 
تضم المواطنين الذكور من طبقة الأحرار ممن بلغت أعمارهم عشرين عاماً،  وتستثني هذه الديمقراطية طبقة الأجانب، وطبقة العبيد، والنساء من المشاركة.
و كانت الجمعيـة العامـة تعقـد في بداية القرن الخامس ق. م  عشر دورات عادية في  السنة، مع امكانية دعوتها لعقد دورة طارئة عند الضرورة، وكان جدول الأعمال  يعلن قبل أربعة أيام مع امكانية الحذف، أو الإضافة أو التعديل في أثناء الجلسة ، وتختص الجمعية العامة -المؤتمر

 العام - بوضع القوانين، وتعيين القضاة  ومحاسبتهم والرقابة على الموظفين العموميين، كما كان لها أن تقرر أمور الحرب  والسلام، وعقد المعاهدات، ومراقبة الميزانية ، وفرض

 الضرائب، وكان أعضاء هذه الجمعية يمارسون أسلوب الديمقراطية المباشرة في معالجة القضايا المطروحة أمام  الجمعية، وأعطيت لهم الحرية الكاملة للحديث، وإبداء وجهة النظر في أي موضوع يثار ، أو يطرح للحديث .
2:- مجلس الخمسمئة :-
 
كان بمثابة اللجنة التنفيذية للمؤتمر أو الجمعية العامة، ووظيفته الأساسية وضع  قرارات الجمعية العامة أو المؤتمر موضع التنفيذ، ويتشكل من ممثلي القبائل  العشر المكونة لأثينا حيث تختار كل قبيلة خمسين ممثلاً لها في المجلس عن طريق القرعة ، وتستمر عضويتهم

لمدة سنة فقط، على أن يكون العضو قد بلغ الثلاثين من  العمر فأكثر.
ويقوم 59 عضواً من الخمسمئة بمهام الحكم والإدارة لمدة عشرة أيام في السنة وهؤلاء هم
 ممثلوا إحدى القبائل الخمسين، وممثل عن كل قبيلة من القبائل التسع الأخرى. 

3:-  المحاكم :-
تتشكل المحاكم عن طريق اختيار كل من الوحدات الإدارية المائة بأثينا لمرشحين  يمثلونها بالهيئة القضائية، وكان للعضو في الهيئة القضية وظيفتان:- احداهما قاض والأخرى محلف، كما أن لأبناء مدينة أثينا حقاً في مقاضاة القانون نفسه ، وإمكانية إبطال تطبيق تشريع ما إلى حين البت في قانونيته .

مما سبق يتضح لنا أن التنظيم السياسي لمدينة أثينا قامت من الناحية الفكرية والشكلية على أساس الديمقراطية المباشرة، حيث المشاركة الواسعة لطبقة المواطنين في  القيام بأعباء الحكم في ظـل نظام تتداخـل فيه السلطات الثلاث - التشريعية و القضائية والتنفيذية - ، ولكن يتضح

 أيضاً لنا أن هذه الديمقراطية المباشرة في أثينا لم تنفذ  بصورتها الكاملة المثلى، فعند الممارسة
 لم يتحقق مفهوم الديمقراطية المباشرة الحقة، لأن كلمة الديمقراطية  والمكونة من مقطعي "ديموس" وتعني الشعب، و"كراتوس" وتعني الحكم أي حكم الشعب ، لم تأخذ بعين إعتبارها
  مشاركة كل المواطنين، فقد اقتصرت على طبقة  محددة في المجتمع اليوناني، وهي طبقة الأحرار من الذكور فقط دون النساء،  وحرمت طبقتي الأجانب والعبيد أيضاً، أي أن المشاركين يشكلون ثمن سكان المدينة على وجه التقريب ، وهذا عيب كبير يسجل على التجربة ، كما أن طبقة الأحرار قسمت إلى فئات ، وجرى التفرقة بين هذه الفئات ، فطبقة

  الأشراف إستأثرت بالحقوق السياسية ، وتفوق الأغنياء على الفقراء مما ترتب عليه صراع
سلطة.
ورغم كل شيء إلاّ أن تجربة أثينا تعتبر الأولى من نوعها في التاريخ البشري ورغم كل القصور والسلبيات فلا شك أنها وضعت حجر الأساس للديمقراطية في صورتها  الطبيعية.

نظرية الحكم
أولاً:-  النظريات الاستبدادية
أ -النظريات الثيوقراطية (الاتجاه الديني):-
يستند دعاة هذا الاتجاه إلى الله وحده في رد كل الظواهر الاجتماعية والسياسية، وهذا مذهبهم في تحليل السلطة والدولة مما يحتم تقديس السلطة العامة التي أودعها الله إلى الحكام، فالخضوع للحاكم يعني الخضوع لله، واستناداً إلى ذلك ، فإن الحكام والملوك إعتبروا أنفسهم

 خلفاء الله في الأرض، ولا يحق لأحد محاسبتهم على أفعالهم إلاّ الله.
وهذه الفكرة الخاطئة قامت عليها جميع الحضارات القديمة، وقد جسدتها الكنيسة  حينما أعلن أباطرتها، وكانت حديثة العهد  ما مفاده أن الله كما خلق الإنسان فإنه خلق السلطة، لتنظيم علاقات البشر حتى لا يغرقوا في الفوضى ، وللسلطة الآلهية سيفان :-

 سيف السلطة الدينية وسيف السلطة الزمنية، وكما أن الرب يودع سيف السلطة
الدينية للبابا، فإنه يودع سيف السلطة  الزمنية للإمبراطور.
وقد بلغت هذه النظرية أوجها في القرن السابع عشر في فرنسا قبل أن تقضي عليها الثورة
  الفرنسية، التي نادت بنظرية سيادة الأمة، وقد استخدم أدولف هتلر هذه النظرية حيث أعلن
 عام 1939م  في خطاب أن الله اختاره حاكماً لألمانيا، والكثيرون  استخدموها كغطاء لتبرير استقلالهم لغيرهم.
 
ب- نظرية القوة:-
 
تقول بأن السلطة من حق الأقوى، فهي بالتالي من صنع القوة والعنف وأن أقدم  القوانين الذي يخضع لها العالم هو قانون حكم الأقوى وسيطرته على الضعيف،  والتاريخ شاهد على صحة ما يقول أصحاب هذه النظرية
إن نشأة الدولة كانت في  أغلب الأحيان يغلب عليها عنصر القوة أكثر من التعاقد بين الأفراد، والدولة حسب  هذه النظرية نظام اجتماعي مفروض من الطرف الأقوى على الطرف الأضعف .
 
ثانياً:-النظريات الديمقراطية :-
يرى أصحاب هذه النظريات أن الشعب هو مصدر السلطة، ولا تكون الهيئة الحاكمة مشروعة إلاّ إذا كانت ثمرة الإرادة الحرة للنخب السياسية في المجتمع، وأغلب النظريات الديمقراطية
 مستمدة من كتاب (العقد الاجتماعي) لجان جاك روسو، والذي  مفاده أن هنـاك حيـاة فطريـة تسبق الجماعة، وأن انتقال الفرد مـن حياة الفطـرة إلـى حيـاة الجماعـة تـم بناءً على عقد اجتماعي بين الأفراد ، ويقصد إقامة السلطة الحاكمة ، ويعتبر جان جاك روسو هو الأب الروحي للفكر الديمقراطي الليبيرالي الحديث .

 
وحسب ما ورد في كتابات روسو فإن أصل نشأة الدولة هو عقد يتفق عليه الأفراد يتم بمقتضاه الخروج من الحالة الطبيعية البدائية (عزلة، انفراد، لا يوجد قيود على  حريتهم، لا يخضعون لسلطان) كما اتفقوا على تكوين مجتمع سياسي - إنشاء دولة - ، ولمزيد من التوضيح ومعرفة

 آراء روسو في الدولة والسلطة السياسية والتي  مفادها أن الإنسان ولد حراً، ولا يمكن أن يتنازل عن حريته طواعية دون مقابل،  ومن السذاجة أن نقول غير ذلك ، وإذا إستطاع فرد ما

 أن يهب نفسه لغيره فإنه  لا يستطيع أن يهب أبناؤه من بعده، لأنهم يولدون أحراراً وحريتهم ملكهم وحدهم، ولا يحق لأحد أياً كان أن يفرط فيها تحت أي ذريعة.
وإذا اعتقدنا بأن فرداً ما تنازل عن حريته مقابل أن يعيش، فأي مبرر يقنعنا أن  يتنازل الشعب بأكمله لحاكم أو لسلطان، حيث إن السلطان يستمد عيشه منهم.
ويضيف روسو بأنه لا يوجد ما يبرر أن يسترقَّ إنسان إنساناً آخر، ولكن لا بد من  تعاون الناس في سبيل مقاومة قوى الطبيعة، وكان هذا بمثابة الدافع الذي دفع الناس إلى تعاقد أولي لا يستند إلى القوة هو العقد الاجتماعي، والذي يهدف إلى نوع من المشاركة ، لتحمي بكل قوة الأشخاص وثرواتهم ممن هم منضوين تحت هذا العقد الإجتماعي ، وبشكل يتمكن فيه كل

 عضو فيه، وبشكل يتمكن فيه كل  عضو من أعضائه أن يظل حراً رغم اتحاده مع مختلف الأفراد، ويعتبر في الوقت  نفسه جزءاً من المجموع.
ويؤكد روسو أنه لا يوجد إلاّ عقد واحد، وميثاق واحد هو ميثاق الجميع مع الجميع،  واستسلام الإرادات الفردية كلها لإرادة عامة واحدة، ويعبر عن هذه الإرادة بالقانون، وإذا رفض أحد طاعة الإرادة العامة، فإن دور المجتمع هنا أن يجبره على الطاعة ، أي إجباره على الحرية ؟.
 
وبذلك فإن روسو دحض النظريات والأفكار السابقة التي روجها أعداء الحرية مثل بودان وهوبز اللذين جعلا الحياة الفطرية للإنسان حياة بؤس وتعاسة، وعند تعاقدهم  للتخلص من هذه الحياة فإن عقدهم الاجتماعي لم يحتم وجود واجبات متبادلة بين الحكام والمحكومين ، بل أنه

 تضمن تنازل الأفراد عن كل حرياتهم وحقوقهم فقط،  وبشكل مطلق دون رجعة إلى حكامهم وسلاطينهم.
يعتبر روسو من رواد الحكم الشعبي والديمقراطية الشعبية، وقد أسهم في إرساء  دعائم الحرية بدحضه للآراء والنظريات التي روجها دعاة الاستبداد.
و رغم ما جاء به روسو إلاّ أن نظريته تبقى فيها بعض الثغرات، مثل عدم وجود  الضمانات الاجتماعية والمادية التي تكرس وتؤكد ممارسة الحرية، إضافة إلى  استبدادية الإرادة العامة التي منحت صلاحية وضع القانون، والتحلل منه إذا رغبت ، وهي حرة في أن تفعل ذلك ، أو

 لا تفعل، ودون أية قيود، وهذا يتيح لها أن تمارس  أنواعاً من العسف والدكتاتورية دون أي رادع يمنعها من ذلك.
 
1-  مفهوم الحكم في الحضارة اليونانية:-
المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، والحكم المباشر هي أهم سمات  الحضارة اليونانية، والتي جعلتها تحتل موقعاً فريداً بين الحضارات الإنسانية الأخرى، وما كان تصور المفكرين الأوروبيين في القرون الوسطى لفكرة الديمقراطية إلا إنطلاقاً من التراث اليوناني

 القديم، مما حدا بهيجل أن يصفها بأنها حرية حقة  ومساواة حقة.
 
أ- مبدأ الحكم المباشر:-
لم تعرف الحضارة اليونانية القديمة النظام البرلماني المنتخب أو المعيَّن بل عرفت  نظام الجمعية الشعبية الذي بموجبه يجتمع جميع أفراد الشعب الذين تتوافر فيهم  شروط معينة في مكان عام يتسع لهم ليتخذوا القرارات التي تخص شأن البلاد السياسية والقانونية والإقتصادية ...الخ .

فالسيادة للشعب ولا يختص بها فرد أو طبقة، وكل القرارات يشرعها الشعب، وكل  القرارات التي تخص الشؤون السياسية والإدارية والقانونية تنبع منه وحده، وذلك  تطبيقاً لمبدأ الحكم المباشر.

ب -المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات:-
يتجلى ذلك في الآلية المتبعة عند الأثينيين عند اختيار من يتولى الوظائف العامة حيث تنعدم الفوارق بين المواطنين الأحرار من الذكور بسبب الثروة أو النفوذ أو الجاه.
2-  مفهوم الحكم عند الرومان:-
امتد نفوذ الامبراطورية الرومانية إلى مساحات كبيرة شملت جميع المدن الإيطالية، وقد سادها التمييز بين المواطنين، وعدم المساواة وكان المواطنون درجات:-
أ - سكان مدينة روما القديمة:- وهم مواطنون من الدرجة الأولى يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، وينطبق عليهم القانون الروماني القديم.
ب-سكان المدن الإيطالية التي وصل إليها نفوذ روما:- وهم مواطنو الدرجة الثانية، وقد حرموا من حقوقهم السياسية والإدارية والقانونية.
 ج-الأجانب:- ويعاملون معاملة أشبه بمعاملة الأرقاء، ويخضعون لقانون خاص بهم.
والدولة الرومانية في جميع مراحلها قبل النصرانية وبعدها كان الإمبراطور فيها  مطلق الصلاحيات، وفي المقابل لم يكن للأفراد أية حقوق في مواجهة الدولة.
وهذه الدكتاتورية كانت تستند إلى مقولات بابوات الكنيسة الأوائل، الذين أقـروا  الدكتاتورية الفرديـة للامبراطـور استناداً إلى أن اللـه خلق السلطـة العامة، لتأمـر  الناس، كونه لا يحب لعباده الفوضى، وحتى يمنع الله الفوضى يتدخل مباشرة ليصطفي الحكام ويودعهم أمر هذه

 السلطة باعتبارهم وزراءه في الأرض  ومفوضين من قبله في حكم الرعية.
والذي أدى بالكنيسة إلى الاعتراف للامبراطورية بهذه السلطة المطلقة هو غرابة  فكرة الدولة عن الدين المسيحي لأنه دين فقط، ولا يتطرق لأمور الحكم والدولة،  وعندما جاءت النصرانية ولأول مرة في تاريخ مفهوم الدولة ، جائت بمبدأ إزدواج السلطة الزمنية للدولة والسلطة

 الروحية للكنيسة استناداً إلى قول المسيح عليه السلام:-" ما لقيصر لقيصر  وما لله لله "، مما أوجد صراعاً بين الدولة والكنيسة، تارة  تنتصر الدولة، وتارة تنتصر الكنيسة ، والإزدواج لم يدم فترة طويلة فالحضارة  اليونانية القديمة -¬ تحديداً نظام الحكم - أثرت في الحضارة الإنسانية وتركت بصماتها على الفكر الانساني اللاحق، بينما  الحضارة الرومانية كان لها آثار سيئة، فكلمة دكتاتورية أصلها اللغوي والتاريخي  يعود إلى النظام السياسي في مدينـة رومـا، حيـث كان يتولى الحكم شخص واحد  يدعى دكتاتور يهيمـن على السلطات جميعها، وفي كل الظروف والأحوال.
3- مفهوم الحكم في الإسلام:-
الإسلام جعل مسؤولية الحكم واجبة على جميع المسلمين، ولم يتركها ليحتكرهـا  شخـص أو جماعـة أو شريحة معينة ويجسد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :- (اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة ، فعليكم بالجماعة، فإن الله لن يجمع أمته إلأ على هدى

، وقوله تعالى:- "وأمرهم شورى بينهم".
والإسلام يدعو إلى العدل والإنصاف والمساواة في الحقوق والواجبات، والحرية في  الاعتقاد. ولم يدعو إلى التفرد بالحكم، بل دعا إلى الشورى بقوله تعالى :-"وأمرهم شورى بينهم"، فالإسلام حدد الملامح والإطار العام للدول ، وحدد الأسس التي يفترض أن تقوم عليها الدولة

الإسلامية، دولة تحترم حقوق الله، وتحترم  حقوق العباد، وتقوم على وحدانية الله، والإيمان وحده مصدر السلطان والتشريع  رغم أن هذه المبادئ  والأسس كانت مغيبة في غالبية

 المجتمعات التي يفترض أن  تقوم على هذه الأسس، ولكي تتناغم النظرية العالمية الثالثة مع الأسس والمبادئ  الاسلامية أكدت أن الدين أو العرف هو الشريعة الحقيقية لأي مجتمع، وما دون ذلك فهو باطل ، كما أن الحرية يلزم لها شريعة مقدسة ولها أحكام ثابتة ، وقد أقرت
 الجماهير في القطـر الليبي الشقيق في الملتقى العـام للمؤتمـرات الشعبيـة واللجان الشعبية
 والنقابات، وكذلك مؤتمر الشعب الذي انعقد في القاهرة عام 1977م (أن القرآن الكريم هو شريعة المجتمع في الجماهيرية الليبية)، وأن أساس النظام السياسي في الجماهيرية العظمى
  هي السلطة الشعبية المباشرة، وأن الشعب الليبي يمارس سلطته عن طريق مؤتمراته 
  الشعبية والنقابات والاتحادات وروابط المهن ومؤتمر الشعب العام .
 
ولا بد من الإشارة إلى أن أنظمة الحكم التي عرفها الاسلام من عصر الخلافة إلى  عصر الملوك لم تتطابق دوماً مع هذا التوجه الفكري، مما ترك الباب مفتوحاً  للاجتهادات من قبل بعض المفكرين، واستهجان هذا الأسلوب في الحكم ، بل وإنكاره  كونه غير إسلامي ، ومنهم

 من نقدها لدرجة اعتبارها لا تعبر عن مبادئ الإسلام،  التي يستند إليها في الحكم وسنعرض بعض الآراء التي تمثل الطوائف الاسلامية من هذه القضية فمثلاً الخوارج لا يرون أن هناك

 حاجة في الإسلام لخلافة أو إمامة؛ لأن الواجب عندهم (واجب الأمة) يتوقف على تطبيق أحكام الله، لأن الإمام لا حاجة  له عندما تقوم الدولة على العدل والمساواة وتنفيذ أوامر الله، وكذلك يرى بعض المفكرين مثل الأستاذ علي عبد الرزاق ، أن الرسول عليه الصلاة والسلام

 كانت دعوته دينية لا نزوع فيها لحكم أو لملك ولا دعوة لدولة، ويضيف إن الدعوة تستلزم لنجاحها أن  يكون لحاملها نوع من الزعامة في قومه، ولكن ليس مثل زعامة الملوك

والسلاطين على رعيتهم، إضافة إلى أن ديننا الحنيف ليس بحاجة لتلك الخلافة الفطرية.
 
ويضيف بعض المفكرين إن إقامة الخلافة ليست من الأمور المفروضة على المسلمين ، 
وليست أصلاً في أصول الدين بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم  لم يختر من يخلفه في الحكم، وإذا افترضنا أن الإجماع مصدراً للخلافة، فإن أول من خالف الإجماع هو أبوبكرالصديق عندما أوصى بأن يكون عمر بن الخطاب هو من يخلفه في الحكم .

وهنا لا بد من القول بأن الدولة الاسلامية في بداية عهدها كانت أقرب إلى الإسلام،  فقد تميزت بسمات الدولة الإسلامية التي تقوم على الشورى والعدالة، ولكنها بعد   ذلك أخذت منحى آخر مغايراً للأسس التي تقوم عليها ، فقد إمتازت في العهود التي تلت الخلافة الراشدية

 بنوع من الاستبداد، والتفرد في السلطة.
 
ثالثاً:- طبيعة الحكم وأشكال الحكومات في النظم السياسية المعاصرة :-
الأنظمة الليبرالية الجمهورية، أو الملكية تتفق على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، وتعترف بحقوق وواجبات الأفراد الأساسية - حسب تعبيرها - وقيام حكومة أغلبية حزبية، وبرلمان منتخب وهذه أرضية تقف عليها الأنظمة الليبرالية - الجمهورية والملكية - .

 
أ -المجالس النيابية ومبدأ الحكومة النيابية:-
وتسمى نيابية، لأن الشعب ينيب غيره في ممارسة سيادته، ولا يمارسها بشكل مباشر (بنفسه) كما هو الحال في النظرية العالمية الثالثة، حيث الشعب هو صاحب السيادة الذي يتحمل عبء
 عبء القيادة فيه كأن يختارها وتكون لها مباشرة السلطة والسيادة، ففكرة المجالس النيابية ظهرت في القرون الوسطى ليتمكن القانونيون من تسويغ وتبرير السلطات التي يتمتع بها
الملوك والأباطرة حيث السيادة الأصلية هي سيادة الملك التي لا تتبع أي سلطة، ولا تساويها أية سلطة، فهي على لسان أحد منظري هذا الاتجاه " سلطة أولية أصيلة ، وهي ليست من أحد
 وصاحبها لا يتحمل أي تبعة أو مسؤولية، ولها القول الفصل وتخضع لرغباتها كل أفراد
  الجماعة دون استثناء، وهي السلطة الوحيدة التي تملك سن القوانين أو إلغاءها، حيث إن الذي يتمتع بهذه السلطة يستطيع بجرة قلم إنشاء قانون ، ويلغيه أيضاً بجرة قلم ، حسب مزاجه
 وهواه الشخصي، دون رقيب أو حسيب ولا يحق لأحد مخالفته والاعتراض على سلطاته التي يظللها القانون والدستور.
 
وتكريساً لما سبق نورد نصاً من مذكرات لويس الرابع عشر:-(إن السلطان الذي يتقلده الملوك هو تفويض من العناية الإلهية؛ لأن الله هو المصدرلكل سلطان ، وإلى الله وحده يلتزم الملوك
 بتقديم الحساب عن هذا السلطان الذي يتقلدونه ).

وبعد قيام الثورة الفرنسية أصبح الشعب الفرنسي صاحب السلطة، وحافظت السيادة على سماتها كالسمو وعدم القابلية للانتقال أو التجزئة، وأصبحت تنسب للشعب ممثلاً بمجلسه النيابي بعد أن كانت تنسب للملك، ورغم
ذلك فإن المعضلة لم تحل، ولم  يتغير حال الشعب وبقي مغيباً، لأن كل ما فعلته الثورة هو هيئة ينتخبها وتنوب عنه في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحكم الملك، ولم تلتزم الثورة  الفرنسية بالشعارات التي

رفعتها مثل مبدأ السيادة الشعبية، وذلك بهدف الحيلولة دون ممارسة الجماهير للسلطة وإبعادها عنها حتى تبقى حكراً على القلة القليلة الذين  أسمو أنفسهم أعضاء الجمعية التأسيسية.ولم تكتف البرجوازية بذلك، بل إنهم مارسوا سياسات ضد مصلحة الجماهير ، مثل تقليص هامش

 الانتخاب، لإبعاد الكثير من فئات المجتمع وشرائحه عن ممارسة الحياة السياسية ، ولذلك
  وإمعاناً منهم في هذا النهج فقد ساد  مبدأ الاقتراع المقيد لكل الدساتير التي جاءت بعد الثورة الفرنسية، حيث حددت  شروطاً لحق الانتخاب منها أن يكون صاحب كفاءة أو ثروة ، وبذلك

 بقي حق  الانتخاب ضمن دائرة فئة أو طبقة من المواطنين قادرين علـى أداء مقدار معيـن مـن الضرائب السنوية على مبدأ أن لهم وحدهم المصلحة الحقيقية في الحفاظ على تراث  الأمة وحقوقها.
وتتلخص النظرية التي أقامتها الثورة الفرنسية فيما يتعلق بالسيادة والتي هي بنظرهم وحدة مستقلة عن الأفراد المكونين لها، وهذه الأمة لا تعني الشعب الذي يمثلها  ولا سيما في حاضره، وهناك مجموعة من الأشخاص
تتمتع بخصائصها القومية  الملتصقة بذاتيتها تتميز بحالتها الراهنة، مما ينتج عنه أن تمثيل الأمة لا يكون من  حق كل فرد من أفراد الشعب، بل هو حكر على من تتوافر فيهم الشروط التي نص  عليها الدستور لمصلحة من يكون صالحاً من ممثليها للتعبير عن إرادة الأمة،  والسيادة بذلك لا تعتبر ملكاً لجميع أفراد الأمة مستقلين، أي إن كل واحد منهم مالك  لجزء من السيادة، بل للسياده صاحب واحد هو الأمة التي هي شخص جماعي  مستقل عن الأفراد الذين يتبعونها.
 
-  النتائج المترتبة على هذه النظرية:-
 
1- هذه النظرية تفرز شخصين معنويين في آن واحد، هما:- الأمة والدولة؛ وذلك  يعكس نتائج قانونية خطيرة.
 
 2  -  الانتخاب هنا ليس حقاً، بل وظيفة ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الوظيفة  مثل:-      التعليم، النصاب المالي، والانتماء إلى طبقة من الطبقات.
 
3  -  هذه النظرية تصلح للتطبيق في جميع النظم السياسية( جمهورية، ملكية،  ديمقراطية تقليدية فاشية)، ولكن لا مكان لها النظام السياسي القائم على الديموقراطية الشعبية.
 
4- بموجب هذه النظرية السيادة للأمة، والأمة شخص معنوي، والتعبير عن إرادة هذه  الأمة لا يكون إلاّ من قبل من ينوب عن هذه الأمة وهم النواب. 
 
5-تقوم هذه النظرية على فكرة أن السيادة لا تتجزأ وهي غير قابلة للانقسام، فإن النائب يعبر 
  عن إرادة ناخبيه، ولا يعبر عن إرادة الأمة نفسها. وهذا بحد ذاته يعتبر عائقاً يعزل النائب عن جماهيره التي منحته صوتها؛ لأن يمثل الأمة بأكملها.
 
6- إذا أخذنا بهذه النظرية، فإننا ننتهك حقوق وحريات الأفراد، لأن التسليم بأن الأمة  هي في شخصها مختلفة عن الشعب يخلق الذرائع لمن يحكم بأن يدعي بأن تمثيل  الأمة يعود إليه وحده، ولا يحق لغيره تمثيلها،
وهي الفكرة التي استغلها منظرو  الفاشية في تبريرهم للحاكم المتسلط صاحب الحق في تمثيل الأمة والتحدث عنها دون غيره.
 
7- تعتمد هذه النظرية على الوكالة بمعنى أن هناك من ينوب عن الأمة، وهم النواب  الذين يعبرون عن إرادة أفرادها، وهذا يتنافى مع كون الإرادة لصيقة بصاحبها، ولا يمكن ولا يجوز نزعها عنه، لأن الإرادة تنتهي
بانتقالها؛ ولا يمكن لأحد أن يريد بدلاً من غيره؛ لأن الإرادة لا نيابة فيها.
 
فالمجلس النيابـي يقـوم أساساً نيابـة عـن الشعب، وذلك غير ديمقراطي، ويتنافى مع  قواعد الديموقراطية الحقيقية، لأن الديموقراطية الحقيقية تعني سلطة الشعب كل  الشعب، وفي ظل المجلس النيابي يغيب الشعب، لأن
الديموقراطية الحقيقية لا توجد ولا تكون إلاّ بوجود الشعب، وليس بوجـود نواب عنـه وحسب النظـرية العالميـة  الثالثة فإن السيادة يجب أن تكون سيادة شعبية، لتعبر تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب، كل الشعب بأفراده وهيئاته، وليس عن مجموعة تاريخية من البشر هي الأمة القومية، بل ويجب أن تعبر عن الشعب في الدولة في أي وقت، وأي مرحلة من مراحل تطوره .
 
إن دور الشعوب فـي ظـل الأنظمـة الليبرالية هو الوقوف في طوابير طويلة، لانتظـار دورهم فـي وضـع أوراق في صناديق كـل عدة سنوات، أما التعبير عن السيادة فإنه ليس من حقهم بل إنها حكراً علـى المتحذلقين في
المجتمع نيابة عن الشعب كله،  وبذلك أصبح التمثيل في مجتمعات أوروبا المعاصرة قائم على فكرة تمثيل  الجماعات، أو الهيئات دون الأفـراد، مما حدا بالديمقراطية الأوروبية لأن تصبح  حكومة الفئة، أو الأقلية ذات المصلحة الاقتصادية الواحدة، أو الأيديولوجيا الواحدة.
 
ب- -مبدأ حكومة الأغلبية الحزبية:-
 
الحكومة في النظام الليبرالي يفرزها الحزب الذي ينجح في الانتخابات، فهي حكومة حزبية أي حكومة الأغلبية الحزبية، وليس كما يدعي البعض بأنها حكومات برلمانية، وأن التعددية الحزبية وصراعها من أجل السلطة قد
جعل من البرلمان مطية  للوصول إلى السلطة.
 
وفي المجتمعات الليبرالية وعند الترشيح للانتخابات، فإن الثمن الباهظ المطلوب  للدعاية الانتخابية لا يستطيع أي فرد تحمله؛ لذلك فأي شخص يرغب بترشيح نفسه  للانتخابات لا يستطيع ذلك ما لم يكن ضمن حزب ما،
إضافة إلى قدرة الأحزاب  على توجيه الرأي العام لصالحها من خلال امتلاكها لوسائل الإعلام المختلفة  المسموعة المرئية، والتي تجيرها لصالحها.
 
وبعض دساتير الأنظمة الليبرالية تمنع الجمع بين البرلمان والحكومة مثل فرنسا  إلاّ أن جميع الوزراء ينتمون إلى الحزب السياسي الفائز الذي يشكل أغلبية حزبية  داخل مجلس النواب الفرنسي، وهكذا فالصراع بين
أحزاب المعارضة وأحزاب  الأغلبية هو صراع على السلطة، والبرلمان هو ساحة هذا الصراع.
 
والبرلمان الفرنسي هو في الحقيقة يدعم الحكومة بدلاً من ممارسة دوره الرقابي؛  فالسلطات التي يمارسها رئيس الجمهورية على وزرائه أشد، وأكبر من سلطات  الهيئة التشريعية على مجلس البرلمان.
 
يتضح لنا مما سبق بأن الحكومات في أوروبا جميعها حكومات حزبية، والمجالس  البرلمانية عبارة عن تجمع للأحزاب والمال هو المحرك الرئيس في هذه اللعبة، فقوة المال في المجتمع البرجوازي تضغط وبشكل مستمر
باتجاه تشكيل أحزاب سياسية، بل وتضغط على الرأي العام كله من خلال وسائل الإعلام، فالمال هو اللاعب الأول في المسرح السياسي، فيه يتم التحكم بتشكيل وبلورة إرادة الناخبين، وبذلك تعكس  الحكومات والبرلمانات السيطرة الاقتصادية في المجتمع.
 
رابعاً:-طبيعة الحكم في الماركسية:-
 
يقول ماركس وَ انجلز في معظم البيانات التي كتباها (إن تاريخ كل المجتمعات ما هو إلاّ صراع بين الطبقات) .
وفي خطاب ماركس الموجه إلى ويدماير يوجز خطوطاً رئيسية لماديته التاريخية  حيث يقول إن وجود الطبقات يرتبط بمراحل تاريخية بعينها وبتطور أدوات الانتاج، وإن الصراع الطبقي يقود بالضرورة إلى دكتاتورية
البروليتاريا. 
وإن هذه الدكتاتورية ذاتها تشكل الانتقال إلى إلغاء كل الطبقات، وإن صراع  الطبقات عند ماركس هو نتيجة لعامل آخر هو تطور أدوات الانتاج لأن بداية التاريخ بالنسبة له بدأ مع اختراع أول أداة انتاج.
وهذا يعني أن صراع الطبقات ما هو إلاّ انعكاس لظروف مادية، بمعنى أن العالم  المادي هو الحقيقة الوحيدة، وأن الذي يحدد وجود الناس ليس وعيهم، بل وجودهم  الاجتماعي أي العمل، البيئة، نمط الملكية، درجة تطور
أدوات الانتاج، وتحدد وعي  الناس، أن المجتمع الانساني حسب تعبير ماركس قد تطور في إطار تعارض  الأحرار والعبيـد، السادة والأقنـان، البرجوازية والبروليتاريا، وإن جدلية هـذه  التعارضات هي محرك التاريخ، وإن صراع الطبقات ليس إلاّ تعبيراً اجتماعياً عن  اختلال حاصل بين قـوى الانتـاج وعلاقـاته، والماركسيين يعتقـدون حسب تعاليم  ماركس أن الطبقات ستلغى على يد  ;البروليتاريا ودكتاتوريتها.
 
وطبقة البروليتاريا بدورها أوكلت مهمة القضاء على المجتمع البرجوازي إلى  الحزب الشيوعي، ثم إلى اللجنة المركزية، ثم إلى أمينه العام، وبذلك - وبشكل تدريجي ¬- حلت دكتاتورية الحزب الشيوعي مكان
دكتاتورية البروليتاريا.
 
ودكتاتورية اللجنة المركزية محل دكتاتورية الحزب، وأخيراً دكتاتورية واستبدادية  الرئيس (الأمين العام) محل دكتاتورية اللجنة المركزية.
 
إن الماركسيون يصفون نظريتهم بأنها شمولية قائمة على تصور شامل للكون و الإنسان والحياة، وتستطيع حل جميع معضلات الإنسان التي تتعلق بالديمقراطية  وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتستطيع تحقيق السعادة للبشرية،
من خلال تطبيق  فكرها.
 
فالنظرية الماركسية تفسر كل مظاهر سلوك الإنسان، وتعزوها إلى عوامل مادية  بحتة، وتغفل الجانب الروحي، فالمادة كما قال ماركس هي المحرك الرئيس للتاريخ، والعامل المسيطر في التطور، وعن طريقها تتحدد
العوامل الأخرى، وهذه العوامل  بدورها تتداخل وتؤثر في بعضها بعضاً، ولا تتأثر بالطرائق المتصلة بطرائق  الانتاج، وعلاقاته التي تنشأ بين هذه الطبقات.
وعلى ذلك فإنه في كل مجتمع هناك صراع طبقي، ما يحتم أن تقوم الطبقة العاملة  المسحوقة (البروليتاريا) بسحق الطبقة البرجوازية، وإقامة الدولة على أنقاضها،وفيما بعد تصل إلى الشيوعية العليا (المرحلة النهائية للتطور)؟.
وعلى كل حال فالديمقراطية الحقيقية تعني سلطة الشعب لا سلطة نائبه ،والديمقراطية الحقيقية لا تقوم إلا بوجود الشعب نفسه.

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية