
إن أخطر ما يواجه العمل النضالي الثوري في الواقع هو فهم طبيعة التناقض القائم بين الفكر المبدع والخلاق الذي تطرحه النظرية العالمية الثالثة ومبادىء ثورة الفاتح من جهة , وبين كافة العقائد البالية والمختلفة والتي تجسدها الثقافة الرجعية في شتى صورها من جهة أخرى ، ومن هنا نستدل عبر كافة التراكمات التاريخية المعوقة لتأكيد وترسيخ ذلك الفكر الإنساني العظيم فكر عصر الجماهير , أنه إذا لم تكن هناك قدرة كافية على استيعاب تلك المعوقات الخطيرة, ستظل ممارسة الثورة حيالها غير فاعلة الأمر الذي يحتم بالضرورة التأكيد على فهم طبيعة التناقض القائم بينها وبين القوى المعادية لها , وهذا لن يتأتى إلا عن طريق التعمق في الدراسة والتحليل لنظرية الثورة ذاتها وبشكل علمي سليم , وبعيداً كل البعد عن الدراسة العشوائية والعاطفية والتحليل السطحي لها . ونأكد على موضوع النظرية الثورية حيث لا ثورة دون نظرية ثورية علمية متكاملة تستطيع كشف القواعد الظالمة ومعرفة القواعد البديلة لها .
وعلى هذا الأساس تصبح عملية فهم طبيعة التناقض القائم في الواقع بين الثورة وأعدائها عملية ضرورية جداً, ولا بد من الاهتمام بها وأخذها في الحسبان من قبل الثوريين الذين ينتمون للثورة فكراً وسلوكاً .. وقولاً وعملاً.. ولكي تنصب مهمتهم الأولى على تلك العملية الأساسية في ممارسة الثورة بالواقع والتي تتصل في بعض الأحيان إلى حد بعيد بنضالهم السلبي , وإن كانت تأخذ أشكالاً جديدة بالضرورة .. فإذا كان طبيعياً أن تتجه كل الطاقات الثورية إبّان النضال من أجل التحرر الوطني وتحقيق الديمقراطية الحقيقية .. نحو هدف محدد .. هو توجيه الضربات الكثيرة المتلاحقة لنماذج الافكار التقليدية البالية في كل مناسبة , سبيلاً إلى خلخلة بنيتها , وتظهير البديل النظري لكل الفكر التقليدي الذي أثبت فشله .
ومن هنا فإن مهمة الثوريين الحقيقين ستتوجه بكل تلك الطاقات الثورية الفاعلة نحو مؤسسات المجتمع المدني وتقديم نماذج في العمل الثوري النضالي الخلاق المبدع في خدمة هذه المؤسسات .
إن التغيير الجذري لن يقف بكل تأكيد عند حد عملية الخلخلة لبنية تلك الأفكارالمتداعية والمتهالكة بل سيتجاوزها إلى نسف آخر أوتاد أساليب العمل النضالي التقليدي الذي كرس سياسة الأقصاء والأبعاد والأنتهازية والشللية ، ليحل محله الابداع والأخاء كعنوان للعمل الثوري المستند للنظرية العالمية الثالثة كنظرية جديدة في كل شيء ، وستنتهي فلسفة النظرة المتحكمة في الجماهير واستخدامها عند الحاجة ، هذا من جانب ومن جانب آخر , فالتغيير الثوري والجذري الذي نعنيه هنا , ليس موقفاً فورياً متعجلاً , كما أسلفنا من قبل في سياق الحديث عن الانتماء الثوري , إنه صراع طويل يمثل طرفه الأول : الجماهير المظلومة والكادحة صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير على امتداد العالم وطليعتها أبناء الفكر الجديد , وطرفه الثاني : مستغلي الجماهير – بكل قوة طاقاتهم الداخلية وارتباطاتهم الخارجية .
وبالتالي , فإن عملية الصراع تشترط بالضرورة في الثورة وجماهيرها .. أن تحرز النصر النهائي على أعدائها ما دامت الجماهير هي صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير.
من هذا المنطلق يصبح المنتمي الثوري أين ما كان يواجه جملة من التحديات اليومية ضمن طبيعة هذا الصراع , وبقدر ما تشكل تلك التحديات له حافزاً يدفعه باستمرار لمواصلة مسيرته الثورية من مواقع متقدمة لممارسة الثورة , ولأن يكون أكثر وعياً . فإنها في أحيان كثيرة , تضعه حبيس دوامات الانفعال والتشكي , إذا غابت عنه بعض المقاييس التي ينبغي أن يعتمدها دائماً للنجاح والتفوق ..إن خطأً فادحاً نرتكبه جميعاً, حين نتصور- مثلاً – أن مسألة الثورة ومهمتها , تمشي صعوداً وبوتائر ثابتة دونما التعرض إلى بعض الاهتزازات ضمن الخط البياني الذي يرسمه النهج الثوري...
والخطأ الأفدح , هو عندما يتصور- مثلاً- بعضنا أن مستقبل الثورة وطموحاتها , يمكن أن تتحول دفعة واحدة , وبقوة خارقة جبارة إلى أشياء أو كيانات مادية متحققة وضمن فترة زمنية محدودة .. وعن هذا التصور الخاطيء والوهن تنشأ وتتفرع أخطاء كثيرة لا طائل من ذكرها في هذه العجالة , وهي في نهاياتها , طوق الأعداء الذي يضيق يوماً بعد آخر على المنتمي الثوري بعيداً عن واقع التغيرات .. وما يترتب عليها من تحركات معادية غير مدركة للوهلة الأولى ،ومن هنا فعلى المنتمي ثورياً أن يعيش مع الجماهير وأن يقاوم محاولات التيئييس والتآمر ، ومن هنا أيضاً تصبح القدرة على الأستيعاب والفهم العميق للنظرية الثورية مسألة ضرورية للثوري الحقيقي لأنه بدونها لن تتحقق الممارسة الثورية الحقيقية .
ولهذا ينبغي على المنتمين ثورياً دوماً أن يعيشوا مع الجماهير التي تشكل المضمون الحقيقي للثورة في إطار طبيعة الصراع مع القوى المعادية لها , تلك الجماهير التي وهبت الثورة كل شيء – النفس والنفيس والغالي والرخيص – ومع هذا فالجماهير تطلب مقابل ذلك كل شيءٍ، وهذا حقها .
إلا أنه في كثير من الأحيان يظل المنتمون ثورياً من خلال القيام بمهامهم الثورية قاصرين أمام تحقيق جزء يسير مما تريد الجماهير .. وإذا كان الخطأ الأول يمكن حصره في بعض العناصر الثورية ضمن إطار الانتماء الثوري بشكل عام .. في وقت النضال السلبي .. والتي آثرت أن تستأثر بحيز واسع من ساحة النضال ذاته , خلال شعارات حماسية وعاطفية , فإن مهمة الثوري الحقيقي , أن يدفع الجماهير إلى مواقع العمل الصحيحة وينطلق معها من موقف الوعي في عملية حرق المراحل بإتجاه أهدافها التي تناضل من أجلها وصولاً إلى تحقيقها .
ومن هذه الخلاصة نحدد أنَ :- أكثر العناصر الثورية فاعلية وقدرة نضالية سيجمع بالتأكيد حوله وبصورة آلية عفوية المناضلين الثوريين , لا على شكل تكتل أو شلة بل على أساس نواة صلبة للعمل والابداع ، وبسعادة واقتناع منهم مما يدفع العمل للأمام ويساعد في حرق المراحل وصولا للأهداف المنشودة والتي اساسها الديمقراطية المباشرة وهي الركن الأساسي في الكتاب الاخضر لمعمر القذافي .
إن العنصر الثوري الأكثر فاعلية هو الأكثر علماً وثقافة والأقدر حركة والاسرع استجابة والاسبق فعلاً والأجرأ ممارسة والأشجع نفساً والأقوم خلقاً وبعداً عن التآمر والشللية .فعضو الحركة لا بد أن يكون فرداً قد تجاوز الحلول المطروحة لمشكلات الانسان وصاغ نفسه على أساس البديل الجديد المتمثل في النظرية العالمية الثالثة ، واكتساب روح الفكر الجديد المبشر بحضارة جديدة لها قواعدها ومفاهيمها ليجد في نفسه نموذج هذه الحضارة الجديدة ماثلاً متجسداً يستهوي أفئدة الظامئين إلى حياة جديدة في عالم جديد تسوده الحرية والعدالة والتقدم












