بقلم :زيد ابوزيد
إن طبيعة الحاجات الديناميكية والمتغيرة يؤكدها صراع الإنسان ضد كل من يسيطر على حاجاته، ولو كانت الحاجات ثابتة ومحددة، لبقي الإنسان في مرحلة الجمع والالتقاط بشكل دائم، وهذا يؤكد أن الإنسان يصارع من أجل حريته، في الوقت الذي يصارع فيه من أجل إشباع حاجاته، فالجوع من أجل الحرية أفضل من الشبع في ظل العبودية.
وبذلك نصل إلى عمق ومتانة العلاقة بين الحاجة والحرية، فالوجود الإنساني ما هو إلا ممارسة حرية، والإشباع مهما تعددت صوره ما هو إلا ممارسة للحرية، ومن الظلم أن نفصل بين الحاجة والإشباع؛ لأن أي محاولة للفصل بينها فإنها تكون على حساب الحرية، التي لا معنى للحياة الإنسانية دونها، والحرية تكمن في الخلق المستمر للحاجات، وأي محاولة لإيقاف هذا الخلق للحاجات، فإننا ندق المسمار الأخير في نعش الحرية، وفي ذلك تجميد للوجود الإنساني وزوال الفوارق بين الإنسان والحيوان.
وهنا لا بد لنا من فهم العلاقة الوطيدة بين حرية الإنسان، وخلق الحاجات، فخلق الحاجات وإشباعها هو ممارسة للحرية، والحاجة تدفع الإنسان للإنتاج والابتكار، والذي هو هدف بذاته؛ لأن كل إنتاج يهدف لإشباع حاجة، والحرية هنا ضرورية لفهم جدلية الحاجة والإشباع، والحرية بين الدافع والهدف لا تتم إذا كان هناك ما يمنع هذه الحركة، والتي تكمن فيها سعادة الإنسان.
الحاجات منها: الواقعية التي لا يمكن تأجيلها، ومنها التطلعية ويمكن تأجيل إشباعها: وكل حاجة قد تكون واقعية وفي نفس الوقت تطلعية لنفس الشخص، أو نسبية لدى شخص آخر غيره، ولهذا فإن الكتاب الأخضر لم يحدد الحاجة رغم أنه ذكر أهميتها، وأنها تشمل الملبس والمشرب والمأكل والسكن والمركوب، إلا أن كل إنسان حر في تحديد طبيعة حاجاته للعمل وإشباعها شريطة ألا يتناقض ذلك مع الحرية.
أن يتخذ الإنسان بيتاً صغيراً مأوى له لا يشكل عائقاً يمنعه من التطلع إلى اتخاذ بيت كبير ليسكنه، وفي ذلك فهم عميق لطبيعة الإنسان، لأنه إنسان قبل كل شيء، وله حتى التطلع إلى الأفضل.
إن التطلع إلى أن الحاجة حافز للعمل والإنتاج يعني أن الحاجات التطلعية للفرد يمكن تأجيل إشباعها، لأن كل إنسان يختلف عن الآخر في ذوقه واهتماماته، وفي ذلك تأكيد لذاتيته كإنسان، وإلا لكان أفراد النوع الإنساني كلهم نسخة واحدة. وليس كما نادت الماركسية.
الحرية هي المسئولة عن خلق الحاجة التطلعية، وتحويلها إلى واقعية تتجاوزها الذات عند الإشباع، فالحرية هي العلاقة بين الحاجة الواقعية والحاجة التطلعية، إن سر التقدم والتطور منبعه في خلق الحرية للحاجة التطلعية، وكل تدخل في هذه العلاقة بين الواقع والمستقبل يعني الجحود للإنسان، والتأخر بالنسبة للمجتمع، وجعل مستقبله في علم الغيب.
إن أشد الحاجات إلحاحاً تلك التي لم يتم إشباعها بعد، وهي تشكل تحدياً لحريته، وهذا التحدي مطلوب بقدر معقول لبقاء الدافع حيث إنه يؤدي إلى خلق نوع من القلق والتوتر، ويجب أن تكون الفجوة ليست كبيرة بين الطموح والإمكانية؛ لأنه يؤدي إلى الإحباط، وأيضاً ألا تكون الفجوة صغيرة بحيث يحقق الحاجة التطلعية بسهولة؛ لأنها تؤدي للكسل وتحد من الدافعية.
وفي الحالة الأولى فإذا كان التحدي الذي يواجه الحرية كبيراً، ولا يقوى على المواجهة كما هو الحال في النظام الماركسي والرأسمالي، فإن الحرية هي من سيدفع الثمن، فالحرية تقع بين حاجات تشد ماضينا إليها كلما كانت صعبة المنال، وبين واقع لا يرحم ولا يعطيها الفرصة لمحاولة الإشباع، فلا يبقى أمامها إلا الأعراض المرضية؛ لتشبع رمزياً ما عجزت عن إشباعه فعلياً.
ما يهمنا هو كيفية الحفاظ على جدلية العلاقة بين الواقع والمستقبل، لنحافظ على كينونة الإنسان حراً بعيداً عن الفوضى، كيف نضمن له حاضره ومستقبله دون أن يستعبده غيره، وسنعرض تالياً وجهات النظر المطروحة في هذا الموضوع.
ففي النظام الماركسي، ليس للإنسان أي مستقبل يسعى إليه، كل همه أن يشبع حاجاته الأساسية كالطعام والشراب، والطريق أمامه مقفلة ليطور نفسه، فقد تحول إلى شيء حتى بنظرته لنفسه، ولم يعد بإمكانه تحقيق ذاتيته كإنسان يختلف عن غيره، فهو يفتقد لإمكانية الخلق والابتكار، فقد جمدت حريته من خلال تجميد حاجاته، فكل حاجات الأمة يحددها المكتب السياسي، واللجنة المركزية للحزب.
جدلية الحرية والحاجة ليس لها مكان عند الماركسيين لا من ناحية شكلية (الظواهر الخارجية لها)، ولا من ناحية جوهرية (الوجودية)، وكل ما يهمهم هو الإشباع المادي فقط، وبما أن الحاجة – برأيهم – لها مقاييسها فإن تغيرها وتطورها يتم من خلال قوانين من الخارج، وفي ذلك تقييد للحرية.
وهنا نلاحظ أن الماركسية لم يميزوا بين خلق الحاجة، وارتباطه الوثيق بالحرية، وبين الاختلاق والذي هو مظهر من مظاهر المجتمع الرأسمالي، مما أدى إلى وأد الطموح، رغم محاولاتهم دفع عجلة الإنتاج، والتي تعتمد على رقابة السلطة الخارجية، فهي عرضة للتباطؤ أو التوقف؛ لأن الإنتاج هو بحد ذاته هدف، ورغم الإجراءات والعقوبات، والتي وصلت حد الحرمان من بعض الامتيازات كالبطاقة التموينية ظل تباطؤ الإنتاج والتمارض، والتغيب ديدن العمال كتعبير عن رفضهم للواقع الدكتاتوري المؤلم.
وبسبب التنافس بين النظام الاقتصادي الماركسي، والرأسمالي، وللتطورات الاقتصادية التي شهدها النظام الرأسمالي، وأيضاً التطور التقني الذي وصلت إليه بعض البلدان الرأسمالية، سعى الماركسيون نحو الوصول على مستوى النمو الذي وصلت إليه تلك الدول لخلق نموذج في النمو الرأسمالي، ولكن لوحظ أن سرعة خلق الحاجات لا تتناسب مع القدرة على الإنتاج؛ لإشباع الحاجات بسبب تأثرها بشكل غير مباشر بالنظم الرأسمالية السابقة، وأيضاً فإن الفارق بين الحاجات والإشباع مسؤولية الماركسيين الذين قللوا من أهميته، ولكن الحلول الماركسية زادت الطين بلة، فقد لجأت إلى التحكم في خلق الحاجات من الخارج، فلكل فرد حاجته كماً ونوعاً، وكيفية إشباعها، إما بشكل مباشر من خلال القوانين، أو بشكل غير مباشر من خلال التحكم في الأمور كماً ونوعاً، وفي ذلك تحكم في حرية الإنسان، مع أن المنطق والذي يجسده الكتاب الأخضر يقول بأن تحديد الحاجة بواسطة الإنتاج، وليس الأجر هو الذي يحدد الحاجة كما في الماركسية والرأسمالية، والفجوة بين الوضع القائم الموروث، والحل النظري الذي سيظل منارة نهتدي بها هي السبب فيما نحن فيه.
أما مجتمعات النظام الرأسمالي، فقد أتاحت المجال لعملية الخلق أن تعمل بكل طاقتها خدمة لمجتمعات الاستهلاك، وجيّرت علم النفس والاجتماع لخدمة أغراضها من خلال فنون الدعاية والإعلان التي تستدر الرغبات اللاشعورية للمستهلكين، ليصبحوا مستهلكين أكثر؛ مما سرّع في خلق الحاجات، وكل ذلك أدى إلى:
تبديد خيرات الأمة من خلال تحويل الحاجات التطلعية إلى حاجات ضرورية، مثل لجوء بعض الشركات إلى ما أسموه (ميكانيزم الشيخوخة)، والتي تعني مثلاً أن تقوم شركة صناعة الكمبيوتر بإضفاء جديد على جهاز الكمبيوتر بين فترة وأخرى؛ لإيهام المستهلك بأن جهازه أصبح قديماً، وأن هناك جديداً، وكذلك السيارات حيث تتغير (موديلاتها) بسرعة كبيرة.
لم يعد الإنتاج لإشباع الحاجات، بل من أجل الربح، وخلق أسواق الحاجة استجابة لمتطلبات الإنتاج، وما يوافقه من دعاية وإعلان قادرين على تصريف المنتوجات مهما كانت جودتها رديئة، بالإضافة إلى أن الدعاية أدت إلى ارتفاع سعر السلع، والنتيجة أن الإنسان أصبح ينتج ما لا يحتاجه، وإنفاق مبالغ باهظة لجعل الإنسان يحتاج أشياء لا يحتاجها.
تحولت عملية خلق الحاجات إلى اختلاق الحاجات بوساطة الإعلان عن طريق التكييف والتلاعب، والتحكم في الإعلان، وأدى الاختلاق إلى نوع الهوس الذي يسحق الأفراد أنفسهم دون استثناء.
الظلم الاجتماعي، فالقلة القليلة في المجتمع تشبع حاجاتها التطلعية على حساب الحاجات الضرورية للغالبية العظمة في المجتمع، وكل ذلك ليس لأن هذه النظم لا تشعر بمسؤوليتنا عن إشباع الحاجات لدى الناس فقط، بل إنها أيضاً لا تستطيع ذلك، فهدف الإنتاج الرأسمالي هو الربح، فما يهمه هو خلق حاجات جديدة، يمكن تلبيتها في الأسواق، بل إنه يعمل على زيادة الطلب من خلال التسريع في خلق هذه الحاجات لتحقيق الحد الأعلى للربح.
فالحاجات الجديدة التي يتم اختلاقها تزيد من روابط التبعية، التي تقود الإنسان للخضوع من خلال اعتياده على حاجات جديدة، أصبح غارقاً أكثر في بحر الرأسمالية، وبذلك انقلب القانون الاقتصادي؛ ليصبح العرض هو الذي يخلق الطلب وليس العكس، وهذا هو النظام الرأسمالي الذي ينتج للربح ويصادر حرية الإنسان، والتي لا معنى للحياة دونها، وتخلق أسواقاً وحاجات؛ لكي يزداد الربح أكثر فأكثر، والخلق للحاجات في النظام الرأسمالي لا يتم بصورته الطبيعية، بل يتم وفق (ميكانيزم الشيخوخة)، ويتم فرضها على الناس بكل الوسائل، والفرد مرغماً تحت تأثير الدعاية والإعلان التي تخاطب اللاشعور عند الإنسان باستخدام أحدث التقنيات، والرأسمالية بذلك تحمل بذور فنائها إذ إن اختلاق الحاجات سيؤدي إلى اختلاق حاجات لا يستطيع الناس إشباعها، وهذا سيوسع قاعدة النقمة على هذا النظام، وسيقود إلى الثورة، وسوف لن تقتصر الثورة على الطبقة المسحوقة، بل تمتد لتشمل كل من لا يملك حاجاته، وستكون ثورة عنوانها "الثورة الجماهيرية".
الحرية مغرية في النظام الماركسي، كما هي في النظام الرأسمالي، ففي النظام الماركسي هناك اختلال بين تحديد الحاجات بشكل مباشر، أو غير مباشر، يؤدي إلى تدني القدرة على الإنتاج، وفي النظم التي تسمي نفسها ليبرالية تحتل الحرية حيزاً صغيراً، فالحرية خاضعة لضغوط خارجية، تغربها والنتيجة في النظامين واحدة، فالحرية هي الضحية، فتحديد النظام الماركسي للحاجات قضى على الحرية، وفي النظام الرأسمالي طالما أن عملية الاختلاق للحاجات لا تتم بشكل طبيعي، بل تحت تأثير الدعاية والإعلان مما يجعل الحرية مقيدة بقيد لم تصنعه تحت أوهام أنها خالِقَته.
والسبب في ذلك أن كلا النظامين لم يأبه للعلاقة بين الحاجة والإشباع، أو بين الحرية الخلاقة وملكية أدوات الإنتاج، فقد قضت الدولة على الحرية من خلال ملكيتها لأدوات الإنتاج، والإنتاج والتحكم بما يعود على المنتج من إنتاجه، وفي النظم الرأسمالية فالإنسان يدفع نحو حاجات – تحت تأثير الدعاية والإعلان – وله أن يخلق من الحاجات ما يشاء دون أن يكون بإمكانه غالباً إشباعها.
أما في النظام الماركسي فإن الدولة تتوسط بين الإنتاج وخلق الحاجات، وتدخلها هذا يحول دون إشباع حاجة المنتج، وفي النظام الرأسمالي فإن محاولة المنتج لإشباع حاجته تزيد في الإنتاج دون تحقيق المنتج لحاجته، وهذه غاية الرأسمالي؛ لأن السعي لإشباع الحاجة يعني زيادة في الإنتاج، وزيادة في الاستهلاك، وكل ذلك يزيد في تراكم الرأسمال.
ولا يمكن التحدث عن الحرية في ظل أوضاع كهذه، لأن انعدام التوازن بين (خلق) الحاجات، والإنتاج فالرأسمالي يدفع المنتج إلى تبني حاجات أكثر؛ لينتج أكثر ليربح هو أكثر وأكثر، وهذا ما أدى إلى أزمة النظام الرأسمالي التي حتمت وجود حاجات غير مشبعة، وإنتاج سلع غير مستهلكة؛ مما يؤثر في أرباح الرأسماليين.
فكيف نحافظ إذن على كينونة الإنسان حراً بعيداً عن الفوضى التي تغرب الحرية؟ بعدما قطعنا الشك باليقين بأن اختلاق الحاجات يؤدي إلى استغلالها من قبل طرف للتحكم في الأطراف الأخرى، عدا عن التبذير وتبديد ثروات الأمة، واتساع الهوة بين الحاجات يعني الجحود، ووأد أي بادرة للتقدم والتطور.
وهنا ورغم المكتسبات التي حققها العمال في إطار الصراع داخل المجتمعات الرأسمالية، حيث هناك نقابات واتحادات تدافع عن حقوقهم، وتمَّ تحديد ساعات العمل، منع الفصل التعسفي وشُرِّع الضمان الاجتماعي، وظهر حقهم في المطالبة برفع أجورهم، إلا أن مشكلتهم لا تزال قائمة، ولقد استطاعت الرأسمالية دائماً تحويل المكتسبات العالمية إلى مكتسبات لها، وأن يصبح نضال العمال ضد العمال أنفسهم.
فقد استغلت البرجوازية الكادحين؛ لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية، ودفعت بهم إلى المقدمة يحصدهم الرصاص عندما رفعت شعارات تتناقض مع الأساس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للثورة، مثل: الديمقراطية والمشاركة في الحياة السياسية ضد الحكم المطلق الاستبدادي، وضد نبالة الأصل السائد كمعيار للتقييم الاجتماعي، لقد لاقت هذه الشعارات رواجاً لدى عامة الشعب، الذي استهوته المشاركة في الحكم بعد طول حرمان، وبعد سياسة تكميم الأفواه، بعد أن سلبت كل حقوقهم، استهوى الشعب أن يكون له حقوق وتحترم، وأن تكون السيادة للشعب، فقد عُرِّفت الديمقراطية حينها أنها (حكم الشعب) رغم أنها كانت على صورة مبادئ عامة في الدستور، زرعت في أذهان الشعب المطالب التي رفعتها، فقد سبقتها مرحلة نقدية في كل المجالات:الدين، السياسة، الفلسفة، الاجتماع، عملت على تحطيم ركائز النظام القديم الثقافية قبل الإجهاز على ركائزه المادية.
وبعد أن تم للبرجوازية ما أرادت وحطمت النظام القديم ظهر أن حليف الأمس (الشعب) قد يكون عدو اليوم، وأن الشعارات التي رفعتها ضد النظام القديم قد يرفعها اليوم حليف ضدها، فلجأت إلى إفراغ الشعارات من مضمونها، فالديمقراطية (حكم الشعب) أصبحت عن طريق ممثلين عن الشعب، وحرية التعبير بقيت ضمن الحيز النظري، أما حق التكتل والتجمع للدفاع عن المصالح الخاصة فقد أصرت أن يكون حكراً على البرجوازية، مقابل حرمان العمال من أي تجمع يدافع عنهم ويحمي مصالحهم، مما اضطر العمال إلى النضال مجدداً؛ للمطالبة بحقهم الذي كفله لهم الدستور، ورغم ذلك لم تقبل الحكومات الرأسمالية ذلك بسهولة؛ لأن التكتل يحدُّ من إمكانية استغلال العمال، بينما تفرد العمال يجعلهم لقمة سائغة لصاحب العمل، كما أن عدم تأطير العمال ضمن إطار جعلهم ينافسون بعضهم بعضاً، ويقبلون أجوراً أقل على حساب بعضهم بعضاً، وهكذا تخلى العامل عن حقوقه في مواجهة أرباب العمل، وساءت ظروف العمال، فساعات العمل غير محدودة، بل هي حسب مزاج صاحب العمل وحالة السوق، وكذلك الأجور متروكة لظروف العمل، ومزاج صاحب العمل،وسن العمل غير محدودة، مما حدا بأصحاب العمل إلى استغلال الأطفال في العمل، وكذلك النساء دون مراعاة لها كأنثى، تختلف عن الذكر من ناحية بيولوجية، والعامل الذي يمرض أو يعجز، ولا يعود قادراً على الإنتاج الذي كان ينتجه سابقاً مصيره الفصل من العمل ومأواه الشارع.
قاومت الرأسمالية وبشراسة كل المحاولات التي قام العمال من أجل التكتل، وتحسين ظروف حياتهم، لأنها تعلم بأن العمال لم يثوروا لكي يستبدلوا الرأسمالية بالإقطاع، والتاريخ شاهد على هذه المحاولات والعنف الذي جوبهت به.
اضطرت الرأسمالية تحت ضغط الحروب الرأسمالية (حروب السوق) بين الطبقات أن تقدم تنازلات عن بعض مواقفها إزاء العمال رغماً عنها؛ لأنها أدركت أنه لا مفر من ذلك إذا أرادت البقاء، حيث أظهرت هذه الحروب أهمية العمال والفلاحين.
والنقابة كذلك فإن ظروفاً مختلفة جعلتها أمراً لا مفر منه، غير أن الرأسمالي أفرغها من مضمونها؛ ليضمن على الأقل حيادها، واستطاع ترويضها، وتقليم أظافرها من خلال تقييدها بحبال القانون والدستور، فقد اشترط لوجودها، ولوجود أي إطار عمالي وجوداً علنياً شرعياً أن تحترم القانون، وتخضع للدستور مع أنها لم تشارك في وضع أي منهما، ولم يستأنس برأيها، وبذلك أصبحت النقابات اسماً بلا مضمون، فكلما رفعت رأسها لتطالب بحقوق أعضائها وجدت أمامها سيف القانون مشهراً، ليذكرها دائماً بأن عليها أن تسلك (الطريق الديمقراطي الشرعي).
وإذا أرادت القيام بأي نشاط عليها أن تحصل على إذن كتابي، مع تحديد النشاط بالتفصيل، وتحديد الأشخاص المسئولين عنه، وتحمله المسؤولية في حالة الخروج عن (النظام والقانون)، فإذا رغبوا بعمل إضراب عليهم التبليغ مقدماً مع بيان التاريخ، وتحديد مدة الإضراب كي يتخذ المعنيون السبل الكفيلة بإبطال مفعوله، ولم تعد النقابة تحمي العمال، بل أداة احتواء للعمال في خدمة الرأسمالية، وبذلك تقمصت الرأسمالية خصائص النظام الذي حاربته لترخيص النقابة، وأوجبت عليها أن تخضع للقانون.
فلا تجتمع إلا بترخيص، ولا تنظم مسيرة إلا بترخيص، وقادتها معروفون؛ مما سهل الضغط عليهم بكل الوسائل المتاحة التي تصل حد التصفية الجسدية؛ مما سهل على أرباب العمل التحكم بالعمال أكثر مما لو كانوا غير منتظمين، وبذلك استطاعت الرأسمالية تحويل نضال العمال ضد العمال أنفسهم، وأصبحت النقابات تستخدم لخدمة المناورات السياسية أكثر من خدمة العمال أنفسهم عندما صار لها ممثلون في البرلمان.
تحولت النقابة من منظمة تحمي العمال، وتطالب بحقوقهم إلى منظمة تحتويهم، وتحمي الوضع القائم، إذ إنه مهما بلغ تطرف النقابة، فإنها لن تصل إلى مرحلة التشكيك بأسس المجتمع، لأنها كمؤسسة تستمد شرعيها من مؤسسات المجتمع وقوانينه، فالطعن في مؤسسات المجتمع يعني الطعن في شرعيتها، وهذا ما حصل مع الأحزاب السياسية المتطرفة التي أصبحت أحزاب انتخابات وتنافس على السلطة، وما ظهور حركات الإرهاب والمظاهرات العنيفة غير المنظمة إلا دليلاً على يأس الشارع من نقاباته العمالية، وأحزابه التقدمية.
وفي أوروبا تقلص دور النقابات في قيادة الشارع، ولم يعد لها القدرة على التحكم كما كان سابقاً، بل إن الشارع يدخل أحياناً في صراع مع نقاباته العمالية وأحزابه والرجعية على السواء. فقد حوّلت الرأسمالية التقدم من مكسب إنساني إلى نقمة يدفع ثمنها العامل، وهكذا يُكشف القناع الذي تخفي خلفه الرأسمالية المبرر الذي تحاول إقناعنا به، لتخفي الأسباب الحقيقية، فالكنيسة اتخذت الدين كمبرر للمآسي الاجتماعية، والعلاقات الظالمة، وتسير الرأسمالية على نهجها، وتحاول أن تخلق مبرراً جديداً للعلاقات الظالمة؛ لكي نتنصل من مسؤوليتها؛ فتوهمنا بأن التقدم العلمي هو السبب والمسئول، مع أن الآلة بالنسبة لها ليست إلاّ العامل، وهذا يدلل على جوهر النظام الرأسمالي.
حتى في زيادة الأجور، فقد استطاعت الرأسمالية تحويل زيادة الأجور لصالحها بعد أن طوعتها، وصارت توافق عليها فالزيادة في الأجور يرافقها زيادة في الأسعار وهذا معترف به في نقابات العمال؛ مما يلغي الزيادة الفعلية في الأجور، بل يرتد بهم إلى مستوى أقل من المستوى السابق، فالعامل الذي يتقاضى يومياً عشرة دنانير، وزادت أجرته لتصبح أثنا عشر ديناراُ، ولكن نسبة الزيادة في الأسعار تفوق نسبة الزيادة في أجرته، وهنا نجد أن القوة الشرائية للإثنا عشر ديناراً تعادل القوة الشرائية للعشرة دنانير قبل الزيادة، فعلياً بقيت أجرته اليومية كما هيَ، والزيادة اسمية فقط.
من جانب آخر فإن العلاقة بين الإنسان والبيئة ليست دائماً علاقة سبب ونتيجة كما هو في الماركسية – اللينية، وهو تفسير غير صحيح، فالقول إن أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج أي نمط الملكية يحدد شكل المجتمع قد يكون صحيحاً، ولكن لماذا نتوقف ولا نغوص في الأعماق؟ أي في الملكية نفسها، حيث إن أفعال الإنسان وإرادته هي التي تحدد نمط الملكية، وليس شكل المجتمع، فدور الإنسان هنا إيجابي وليس سلبياً.
الماركسية توصلت إلى السبب وليس إلى النتيجة، فنمط الملكية شكل من أشكال العلاقات الاجتماعية، فقد جعلت الماركسية العلة الثانوية في الصراع علة أولية، فتوقفت عند السطح دون الغوص في الأعماق، يتباهى (إنجلز) بأن ماركس اكتشف قانون التطور التاريخي، وطبق جميع الوقائع المعطاة على الإنسان، كما على الأشياء الأخرى، واعتبر التاريخ الإنساني جزءاً من التاريخ الطبيعي.
النشاط الإنساني فردي أو جماعي هو مشروع متحقق، ولا يمكن أن يكون موضوعاً، وهذا يعني أن العديد من المشاريع الأخرى كانت من الممكن أن تحدث، وأن تحقيق هذا المشروع لم يكن حتمياً حتمية حدوث التفاعل الكيميائي، فالطبقية إن وجدت كان من الممكن أن لا توجد، بمعنى أنها ليست الشكل الوحيد الحتمي للتنظيم الاجتماعي، رغم أن هذا الشكل أوجده الإنسان في فترة ما من تاريخه.
نحن الآن على مفترق طرق: أن ندرس الإنسان كموضوع للعلم، أو محاولة اكتشاف الإنسان كحرية، وهذا ما لم تفعله الماركسية المقيدة بالحتمية التاريخية كما الداروينية مقيدة بالصراع من أجل البقاء، لكن الأولى مطبقة على الحياة الاجتماعية والداروينية على الحياة البيولوجية.
وما الذي تتوقعه من فلسفة تقوم على الحتمية، فاللحظة التي نفرط فيها بالحرية فإننا نفرط في كل شيء!
إن مقولة نمط الإنتاج يحدد شكل العلاقات الاجتماعية، وصراع الطبقات يحد مسيرة التاريخ، إنه مقولة خاطئة.
فالطبقة ليس بالضرورة أن تكون على أساس اقتصادي، والصراع في المجتمع ليس اقتصادياً دائماً وفي كل الأحوال، والحكم بأنه اقتصادي حُكم مبني على مسلمة تشير إلى أن الإنسان في أي مكان هو صورة طبق الأصل، وهذا حكم غير علمي ترفضه العقول السوية كما يرفضه الواقع.
إن الشروط المادية، ووحدة المصالح، والتشابه في الظروف المعيشية لا تكفي لوجود الطبقة، وإن كانت لازمة لوجودها، فالطبقة عبارة عن مجموعة من الناس تربط بينهم علاقات معينة في مواجهة آخرين، والآخرون شرط أساسي وضروري لتكوين الطبقة.
والآخرون قد يكونوا الفقراء المعدمين الذين لا مأوى لهم، وهم الذين يحددون أولئك الذي يملكون ما يفتقدونه كوجود مختلف عنهم، وهؤلاء يحددون العمال والفقراء كوجود مختلف عنهم بوساطة الأحكام التي يصدرونها عليهم، والاستغلال الذي يمارسونه عليهم.
نستطيع أن نضع معياراً كمياً للوجود الطبقي، فهناك من يملك الملايين لكنه ليس بعد عضواً في الطبقة، وهناك من لا يملك قوت يومه، لكنه يتصرف على أنه من الطبقة، وهذا ليس اغتراب فقط، بل إن عدم الانتماء الطبقي هو ما يجعل الاغتراب سهلاً، الذي يدافع عن سادته؛ لأنه لا ينتمي لطبقة العبيد، عنه في الممارسة وأسلوب المعيشة والذوق...، في الوقت الذي لا يدرك فيه أنه ينتمي إلى طبقة، وفي الحالتين نجد تحديداً من قبل الفرد للكل.
الإنسان، كما يقول ماركس الذي يرى أن غاية الصراع هي السيطرة على العامل الاقتصادي، ولكنه لم يفسر لماذا، وماذا بعد ذلك؟
الطبقة نظام اجتماعي صنعه الإنسان، فالإنسان من يصنع الطبقة، وليست الطبقة التي تصنع الإنسان، وإن حصل وارتد على الإنسان ما صنعه، فإن ذلك ضد الجدل، صحيح أن تاريخنا شهد في بعض المجتمعات صراعاً طبقياً نتج عن عوامل اقتصادية، إلا أن ذلك لا يعني أن ذلك سيحدث دائماً.
إذن، فالتحدث عن الطبقية كنوع من العلاقات المستبطنة تربط بين مجموعة من الناس أنشأها تبني نظرة مجموعة أخرى إليها ضد مجموعة أخرى ضدها، فالذي صنعها هو الإنسان، وليس الحتمية! وكان للعامل الاقتصادي دور كأداة للصراع؛ لأن التحكم في حاجة الغير يعني التحكم في حريته (وفي الحاجة تكمن الحرية)، فما نقصده هنا وهنا، هو أن حرية الغير هي المستهدفة من خلال التحكم بحاجاته، أو السيطرة على العامل الاقتصادي.
ما حدث تاريخياً بناءً على رغبة ما أحدثوه فهو يرتبط بإرادتهم، والإرادة تختلف باختلاف الزمان والمكان، وما حدث ليس بالضرورة أن يكون تكراراً لما سيحدث على مدى التاريخ، وفي كل المجتمعات.
فعلى مر التاريخ كان هناك سادة وعبيد، لكن السيادة في الأصل لم يكن مصدرها اقتصاديا، بل دينياً أو عسكرياً أو الاثنين معاً، بينما نظام الإقطاع نشأ لأسباب اقتصادية؛ لكي يتحكم في النشاط الاقتصادي، والقوة العسكرية نراها جلياً في مرحلة ما قبل الإقطاع، عندما كان الإنسان نفسه (العبد) أداة إنتاج يسلب منه كل إنتاجه، كونه مسيطراً عليه بالقوة من قبل شخص، فمن أين يستمد هذا الشخص هذه القوة التي تجعله قادراً على استعباد الناس، وتحويلهم إلى أدوات وهنا يأتي الجواب من النظرية العالمية الثالثة التي تقدم الحل الجذري وإلى الأبد لكل هذه المشكلات، فهي
أولاً: لم تغلب مصلحة الفرد على الجماعة أو العكس لأن ما يصلح للفرد قد لا يصلح للجماعة والعكس صحيح، والعلاقة هي علاقة فرد بآخرين، وأن الوعي باختلاف المصالح الخاصة والعامة يدفعنا للبحث عن صيغة واعية تمنع سيطرة فئة على أخرى وهذه الصيغة تتمثل في سلطة الشعب.
ثانياً: النظر إلى القضية نظرة ليست اقتصادية بحتة، ويكون تحرير الحاجات يكون بهدف تحرير الإنسان لكي يحقق السعادة، والعوامل الاقتصادية مع أهميتها ليست الهدف النهائي ولذلك فإن النظرية العالمية الثالثة سعت لإيجاد توزيع عادل للثروة يرتبط بتغيير جذري.
المجتمع الاشتراكي الجديد:
وهو في المجتمع الجماهيري الجديد له أنماط جديدة أساسها أن كل فردٍ فيه يمارس ما يناسبه بحرية مطلقة، وباختيار مطلق، ولذلك يعمل الفرد في شكلٍ من هذه الأنماط بشكلٍ فردي، أو مع أسرته ويعود نِتاجُه عليه، أو أن يتشارك فردٌ في مؤسسة بشركة الإنتاج، وينال إنتاجُه بالكامل أيضاً دون نقصان ولا سلب لجهده، أو أن يُقدم في نمطٍ ثالث خدمةٌ عامة من فردٍ كالطبيب أو المعلم للمجتمع، وبالمقابل يُشبع لهم المجتمع حاجاتهم دون نسيان لغير القادرين على العمل من مرضى وشيوخ، فيرعاهم المجتمع تأهيلاً وإشباعاً لحاجتهم أيضاً، وهكذا فالنشاط الاقتصادي في المجتمع الجماهيري اشتراكي حقاً، وهو إنتاجي يشبع الحاجات بعيداً عن الربح غير المشروع، وبالتالي يتمثل للعيان نموذجاً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً جديداً بديلاً عن النماذج المختلفة والوحشية في النظم الأخرى، ففي الملكية عبر النموذج الجديد مقدسات، أهمها أهما قدسية ملكية الشعب، وقدسية ملكية الفرد بلا قواعد ظالمة. فللفرد الحق أن يتملك بيته، وإنتاجه، وأدوات إنتاجه، وله أيضاً الحق أن يتملك القدر الذي يكفيه من الأرض التي تعود عليه بما يشبع حاجته، لا إقطاعيات يستغل فيها باقي أفراد المجتمع، كما أن الملكية الخاصة مقدسة دون أن تكون بعيدة عن حرية المواطن في المجتمع أو ضارةً به، وكذلك ملكية الشعب لا ملكية الدولة.
وأرى هنا من الضروري التأكيد على موقع فكر معمر القذافي مما سبق عنه الحديث من أيديولوجيات رأسمالية أو ماركسية، إن ما يميز فكر معمر القذافي عن الأيديولوجيات الشمولية مثل الماركسية هو احترام هذا الفكر للإنسان، ولقيمته التراثية والدينية، فالنظرية العالمية الثالثة لم تعط تفسيراً لنشأة الكون والإنسان كما فعلت الماركسية، وإذا كانت هذه النظرية تقوم على أساس العلم، وتؤمن بالعلم، فهي لم تفرض نظرية علمية معينة.
كما أنها – أي النظرية العالمية الثالثة – لم تتعسف مثلما فعلت الماركسية في إرجاع كل أنواع ومظاهر الفكر الإنسان إلى عوامل محض مادية، كما أنها لم تعط تفسيراً وحيداً للتاريخ، ولحركة الصراع الفكري والقومي.
على العكس من ذلك تقوم هذه النظرية – وهذا ما يؤكد إنسانيتها وديمقراطيتها – على احترام كل المعتقدات الدينية والعرفية وتجعل من هذه المعتقدات الدينية، والعرفية شريعة للمجتمع.
كذلك تقوم هذه النظرية على احترام حرية الإنسان، وتوجهاتها الفكرية، وتدين كل أساليب الترويض الفكري، وفرض اختيارات ثقافية تتعارض مع قدرات الإنسان العقلية، واستعداده الفطري فالحرية تحدد نفسها بنفسها، فالحاجات لا يمكن اختلاقها من الخارج كما في النظم الماركسية، ولا يطلق العنان لاختلاقها كما هو الحال في النظم الرأسمالية، بل تحدد من الداخل، فالقدرة على الإنتاج تحدد سعة الحاجات.
كما وإن مشكلتي السلطة والثروة يرتبطان أيضاً بالحرية، وأي حل لا يأخذ هذا في الاعتبار سيظلّ حلاً قاصراً،ولا شك في أن الحرية تأخذ بعدها الأعلى في الديمقراطية المباشرة، حيث لا نيابة أو تفويض، أو تنازل، أو تجزئة للديمقراطية، بل سيادة كاملة للشعب، حيث تمارس الحرية فعلياً، وينهى عند ذلك التناقض بين الحرية والنظام. وفي ذلك اختلاف عما هو موجود في المجتمعات الغريبة.
إن النظرية العالمية الثالثة تصرح إن الإنسان يسعى لضمان إشباع حاجاته، رغم الدعاية المضادة التي تهاجم الحل الاشتراكي، ونستطيع من خلال النجاحات المتكررة هزيمة هذه الدعاية، وبيان أغراضها، لأن النظريات السابقة لم تضمن للإنسان إشباع حاجاته، فالماركسية رغم إلغائها للملكية الخاصة لم تضمن للإنسان إشباع حاجاته، والرأسمالية بسيطرتها على الشؤون الاقتصادية تركت الباب مفتوحاً للشعور بعدم الأمن إلى جانب القلق والخوف من المستقبل.
إن الإنسان لا يستحوذ على أي شيء إذا ضمن حاجته منه، لأنه يدرك أنه على المدى البعيد لن يضمن إشباع هذه الحاجة. إن المجتمع الجماهيري هو مجتمع الأصحاء، وهو يضمن لأفراد المجتمع إشباع حاجاتهم، وهو حالة واقعية، لأن المجتمع هو مجتمع أعضاء المؤتمرات، وليس كائناً وهمياً أو أسطوريا.
وبذلك نصل إلى عمق ومتانة العلاقة بين الحاجة والحرية، فالوجود الإنساني ما هو إلا ممارسة حرية، والإشباع مهما تعددت صوره ما هو إلا ممارسة للحرية، ومن الظلم أن نفصل بين الحاجة والإشباع؛ لأن أي محاولة للفصل بينها فإنها تكون على حساب الحرية، التي لا معنى للحياة الإنسانية دونها، والحرية تكمن في الخلق المستمر للحاجات، وأي محاولة لإيقاف هذا الخلق للحاجات، فإننا ندق المسمار الأخير في نعش الحرية، وفي ذلك تجميد للوجود الإنساني وزوال الفوارق بين الإنسان والحيوان.
وهنا لا بد لنا من فهم العلاقة الوطيدة بين حرية الإنسان، وخلق الحاجات، فخلق الحاجات وإشباعها هو ممارسة للحرية، والحاجة تدفع الإنسان للإنتاج والابتكار، والذي هو هدف بذاته؛ لأن كل إنتاج يهدف لإشباع حاجة، والحرية هنا ضرورية لفهم جدلية الحاجة والإشباع، والحرية بين الدافع والهدف لا تتم إذا كان هناك ما يمنع هذه الحركة، والتي تكمن فيها سعادة الإنسان.
الحاجات منها: الواقعية التي لا يمكن تأجيلها، ومنها التطلعية ويمكن تأجيل إشباعها: وكل حاجة قد تكون واقعية وفي نفس الوقت تطلعية لنفس الشخص، أو نسبية لدى شخص آخر غيره، ولهذا فإن الكتاب الأخضر لم يحدد الحاجة رغم أنه ذكر أهميتها، وأنها تشمل الملبس والمشرب والمأكل والسكن والمركوب، إلا أن كل إنسان حر في تحديد طبيعة حاجاته للعمل وإشباعها شريطة ألا يتناقض ذلك مع الحرية.
أن يتخذ الإنسان بيتاً صغيراً مأوى له لا يشكل عائقاً يمنعه من التطلع إلى اتخاذ بيت كبير ليسكنه، وفي ذلك فهم عميق لطبيعة الإنسان، لأنه إنسان قبل كل شيء، وله حتى التطلع إلى الأفضل.
إن التطلع إلى أن الحاجة حافز للعمل والإنتاج يعني أن الحاجات التطلعية للفرد يمكن تأجيل إشباعها، لأن كل إنسان يختلف عن الآخر في ذوقه واهتماماته، وفي ذلك تأكيد لذاتيته كإنسان، وإلا لكان أفراد النوع الإنساني كلهم نسخة واحدة. وليس كما نادت الماركسية.
الحرية هي المسئولة عن خلق الحاجة التطلعية، وتحويلها إلى واقعية تتجاوزها الذات عند الإشباع، فالحرية هي العلاقة بين الحاجة الواقعية والحاجة التطلعية، إن سر التقدم والتطور منبعه في خلق الحرية للحاجة التطلعية، وكل تدخل في هذه العلاقة بين الواقع والمستقبل يعني الجحود للإنسان، والتأخر بالنسبة للمجتمع، وجعل مستقبله في علم الغيب.
إن أشد الحاجات إلحاحاً تلك التي لم يتم إشباعها بعد، وهي تشكل تحدياً لحريته، وهذا التحدي مطلوب بقدر معقول لبقاء الدافع حيث إنه يؤدي إلى خلق نوع من القلق والتوتر، ويجب أن تكون الفجوة ليست كبيرة بين الطموح والإمكانية؛ لأنه يؤدي إلى الإحباط، وأيضاً ألا تكون الفجوة صغيرة بحيث يحقق الحاجة التطلعية بسهولة؛ لأنها تؤدي للكسل وتحد من الدافعية.
وفي الحالة الأولى فإذا كان التحدي الذي يواجه الحرية كبيراً، ولا يقوى على المواجهة كما هو الحال في النظام الماركسي والرأسمالي، فإن الحرية هي من سيدفع الثمن، فالحرية تقع بين حاجات تشد ماضينا إليها كلما كانت صعبة المنال، وبين واقع لا يرحم ولا يعطيها الفرصة لمحاولة الإشباع، فلا يبقى أمامها إلا الأعراض المرضية؛ لتشبع رمزياً ما عجزت عن إشباعه فعلياً.
ما يهمنا هو كيفية الحفاظ على جدلية العلاقة بين الواقع والمستقبل، لنحافظ على كينونة الإنسان حراً بعيداً عن الفوضى، كيف نضمن له حاضره ومستقبله دون أن يستعبده غيره، وسنعرض تالياً وجهات النظر المطروحة في هذا الموضوع.
ففي النظام الماركسي، ليس للإنسان أي مستقبل يسعى إليه، كل همه أن يشبع حاجاته الأساسية كالطعام والشراب، والطريق أمامه مقفلة ليطور نفسه، فقد تحول إلى شيء حتى بنظرته لنفسه، ولم يعد بإمكانه تحقيق ذاتيته كإنسان يختلف عن غيره، فهو يفتقد لإمكانية الخلق والابتكار، فقد جمدت حريته من خلال تجميد حاجاته، فكل حاجات الأمة يحددها المكتب السياسي، واللجنة المركزية للحزب.
جدلية الحرية والحاجة ليس لها مكان عند الماركسيين لا من ناحية شكلية (الظواهر الخارجية لها)، ولا من ناحية جوهرية (الوجودية)، وكل ما يهمهم هو الإشباع المادي فقط، وبما أن الحاجة – برأيهم – لها مقاييسها فإن تغيرها وتطورها يتم من خلال قوانين من الخارج، وفي ذلك تقييد للحرية.
وهنا نلاحظ أن الماركسية لم يميزوا بين خلق الحاجة، وارتباطه الوثيق بالحرية، وبين الاختلاق والذي هو مظهر من مظاهر المجتمع الرأسمالي، مما أدى إلى وأد الطموح، رغم محاولاتهم دفع عجلة الإنتاج، والتي تعتمد على رقابة السلطة الخارجية، فهي عرضة للتباطؤ أو التوقف؛ لأن الإنتاج هو بحد ذاته هدف، ورغم الإجراءات والعقوبات، والتي وصلت حد الحرمان من بعض الامتيازات كالبطاقة التموينية ظل تباطؤ الإنتاج والتمارض، والتغيب ديدن العمال كتعبير عن رفضهم للواقع الدكتاتوري المؤلم.
وبسبب التنافس بين النظام الاقتصادي الماركسي، والرأسمالي، وللتطورات الاقتصادية التي شهدها النظام الرأسمالي، وأيضاً التطور التقني الذي وصلت إليه بعض البلدان الرأسمالية، سعى الماركسيون نحو الوصول على مستوى النمو الذي وصلت إليه تلك الدول لخلق نموذج في النمو الرأسمالي، ولكن لوحظ أن سرعة خلق الحاجات لا تتناسب مع القدرة على الإنتاج؛ لإشباع الحاجات بسبب تأثرها بشكل غير مباشر بالنظم الرأسمالية السابقة، وأيضاً فإن الفارق بين الحاجات والإشباع مسؤولية الماركسيين الذين قللوا من أهميته، ولكن الحلول الماركسية زادت الطين بلة، فقد لجأت إلى التحكم في خلق الحاجات من الخارج، فلكل فرد حاجته كماً ونوعاً، وكيفية إشباعها، إما بشكل مباشر من خلال القوانين، أو بشكل غير مباشر من خلال التحكم في الأمور كماً ونوعاً، وفي ذلك تحكم في حرية الإنسان، مع أن المنطق والذي يجسده الكتاب الأخضر يقول بأن تحديد الحاجة بواسطة الإنتاج، وليس الأجر هو الذي يحدد الحاجة كما في الماركسية والرأسمالية، والفجوة بين الوضع القائم الموروث، والحل النظري الذي سيظل منارة نهتدي بها هي السبب فيما نحن فيه.
أما مجتمعات النظام الرأسمالي، فقد أتاحت المجال لعملية الخلق أن تعمل بكل طاقتها خدمة لمجتمعات الاستهلاك، وجيّرت علم النفس والاجتماع لخدمة أغراضها من خلال فنون الدعاية والإعلان التي تستدر الرغبات اللاشعورية للمستهلكين، ليصبحوا مستهلكين أكثر؛ مما سرّع في خلق الحاجات، وكل ذلك أدى إلى:
تبديد خيرات الأمة من خلال تحويل الحاجات التطلعية إلى حاجات ضرورية، مثل لجوء بعض الشركات إلى ما أسموه (ميكانيزم الشيخوخة)، والتي تعني مثلاً أن تقوم شركة صناعة الكمبيوتر بإضفاء جديد على جهاز الكمبيوتر بين فترة وأخرى؛ لإيهام المستهلك بأن جهازه أصبح قديماً، وأن هناك جديداً، وكذلك السيارات حيث تتغير (موديلاتها) بسرعة كبيرة.
لم يعد الإنتاج لإشباع الحاجات، بل من أجل الربح، وخلق أسواق الحاجة استجابة لمتطلبات الإنتاج، وما يوافقه من دعاية وإعلان قادرين على تصريف المنتوجات مهما كانت جودتها رديئة، بالإضافة إلى أن الدعاية أدت إلى ارتفاع سعر السلع، والنتيجة أن الإنسان أصبح ينتج ما لا يحتاجه، وإنفاق مبالغ باهظة لجعل الإنسان يحتاج أشياء لا يحتاجها.
تحولت عملية خلق الحاجات إلى اختلاق الحاجات بوساطة الإعلان عن طريق التكييف والتلاعب، والتحكم في الإعلان، وأدى الاختلاق إلى نوع الهوس الذي يسحق الأفراد أنفسهم دون استثناء.
الظلم الاجتماعي، فالقلة القليلة في المجتمع تشبع حاجاتها التطلعية على حساب الحاجات الضرورية للغالبية العظمة في المجتمع، وكل ذلك ليس لأن هذه النظم لا تشعر بمسؤوليتنا عن إشباع الحاجات لدى الناس فقط، بل إنها أيضاً لا تستطيع ذلك، فهدف الإنتاج الرأسمالي هو الربح، فما يهمه هو خلق حاجات جديدة، يمكن تلبيتها في الأسواق، بل إنه يعمل على زيادة الطلب من خلال التسريع في خلق هذه الحاجات لتحقيق الحد الأعلى للربح.
فالحاجات الجديدة التي يتم اختلاقها تزيد من روابط التبعية، التي تقود الإنسان للخضوع من خلال اعتياده على حاجات جديدة، أصبح غارقاً أكثر في بحر الرأسمالية، وبذلك انقلب القانون الاقتصادي؛ ليصبح العرض هو الذي يخلق الطلب وليس العكس، وهذا هو النظام الرأسمالي الذي ينتج للربح ويصادر حرية الإنسان، والتي لا معنى للحياة دونها، وتخلق أسواقاً وحاجات؛ لكي يزداد الربح أكثر فأكثر، والخلق للحاجات في النظام الرأسمالي لا يتم بصورته الطبيعية، بل يتم وفق (ميكانيزم الشيخوخة)، ويتم فرضها على الناس بكل الوسائل، والفرد مرغماً تحت تأثير الدعاية والإعلان التي تخاطب اللاشعور عند الإنسان باستخدام أحدث التقنيات، والرأسمالية بذلك تحمل بذور فنائها إذ إن اختلاق الحاجات سيؤدي إلى اختلاق حاجات لا يستطيع الناس إشباعها، وهذا سيوسع قاعدة النقمة على هذا النظام، وسيقود إلى الثورة، وسوف لن تقتصر الثورة على الطبقة المسحوقة، بل تمتد لتشمل كل من لا يملك حاجاته، وستكون ثورة عنوانها "الثورة الجماهيرية".
الحرية مغرية في النظام الماركسي، كما هي في النظام الرأسمالي، ففي النظام الماركسي هناك اختلال بين تحديد الحاجات بشكل مباشر، أو غير مباشر، يؤدي إلى تدني القدرة على الإنتاج، وفي النظم التي تسمي نفسها ليبرالية تحتل الحرية حيزاً صغيراً، فالحرية خاضعة لضغوط خارجية، تغربها والنتيجة في النظامين واحدة، فالحرية هي الضحية، فتحديد النظام الماركسي للحاجات قضى على الحرية، وفي النظام الرأسمالي طالما أن عملية الاختلاق للحاجات لا تتم بشكل طبيعي، بل تحت تأثير الدعاية والإعلان مما يجعل الحرية مقيدة بقيد لم تصنعه تحت أوهام أنها خالِقَته.
والسبب في ذلك أن كلا النظامين لم يأبه للعلاقة بين الحاجة والإشباع، أو بين الحرية الخلاقة وملكية أدوات الإنتاج، فقد قضت الدولة على الحرية من خلال ملكيتها لأدوات الإنتاج، والإنتاج والتحكم بما يعود على المنتج من إنتاجه، وفي النظم الرأسمالية فالإنسان يدفع نحو حاجات – تحت تأثير الدعاية والإعلان – وله أن يخلق من الحاجات ما يشاء دون أن يكون بإمكانه غالباً إشباعها.
أما في النظام الماركسي فإن الدولة تتوسط بين الإنتاج وخلق الحاجات، وتدخلها هذا يحول دون إشباع حاجة المنتج، وفي النظام الرأسمالي فإن محاولة المنتج لإشباع حاجته تزيد في الإنتاج دون تحقيق المنتج لحاجته، وهذه غاية الرأسمالي؛ لأن السعي لإشباع الحاجة يعني زيادة في الإنتاج، وزيادة في الاستهلاك، وكل ذلك يزيد في تراكم الرأسمال.
ولا يمكن التحدث عن الحرية في ظل أوضاع كهذه، لأن انعدام التوازن بين (خلق) الحاجات، والإنتاج فالرأسمالي يدفع المنتج إلى تبني حاجات أكثر؛ لينتج أكثر ليربح هو أكثر وأكثر، وهذا ما أدى إلى أزمة النظام الرأسمالي التي حتمت وجود حاجات غير مشبعة، وإنتاج سلع غير مستهلكة؛ مما يؤثر في أرباح الرأسماليين.
فكيف نحافظ إذن على كينونة الإنسان حراً بعيداً عن الفوضى التي تغرب الحرية؟ بعدما قطعنا الشك باليقين بأن اختلاق الحاجات يؤدي إلى استغلالها من قبل طرف للتحكم في الأطراف الأخرى، عدا عن التبذير وتبديد ثروات الأمة، واتساع الهوة بين الحاجات يعني الجحود، ووأد أي بادرة للتقدم والتطور.
وهنا ورغم المكتسبات التي حققها العمال في إطار الصراع داخل المجتمعات الرأسمالية، حيث هناك نقابات واتحادات تدافع عن حقوقهم، وتمَّ تحديد ساعات العمل، منع الفصل التعسفي وشُرِّع الضمان الاجتماعي، وظهر حقهم في المطالبة برفع أجورهم، إلا أن مشكلتهم لا تزال قائمة، ولقد استطاعت الرأسمالية دائماً تحويل المكتسبات العالمية إلى مكتسبات لها، وأن يصبح نضال العمال ضد العمال أنفسهم.
فقد استغلت البرجوازية الكادحين؛ لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية، ودفعت بهم إلى المقدمة يحصدهم الرصاص عندما رفعت شعارات تتناقض مع الأساس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للثورة، مثل: الديمقراطية والمشاركة في الحياة السياسية ضد الحكم المطلق الاستبدادي، وضد نبالة الأصل السائد كمعيار للتقييم الاجتماعي، لقد لاقت هذه الشعارات رواجاً لدى عامة الشعب، الذي استهوته المشاركة في الحكم بعد طول حرمان، وبعد سياسة تكميم الأفواه، بعد أن سلبت كل حقوقهم، استهوى الشعب أن يكون له حقوق وتحترم، وأن تكون السيادة للشعب، فقد عُرِّفت الديمقراطية حينها أنها (حكم الشعب) رغم أنها كانت على صورة مبادئ عامة في الدستور، زرعت في أذهان الشعب المطالب التي رفعتها، فقد سبقتها مرحلة نقدية في كل المجالات:الدين، السياسة، الفلسفة، الاجتماع، عملت على تحطيم ركائز النظام القديم الثقافية قبل الإجهاز على ركائزه المادية.
وبعد أن تم للبرجوازية ما أرادت وحطمت النظام القديم ظهر أن حليف الأمس (الشعب) قد يكون عدو اليوم، وأن الشعارات التي رفعتها ضد النظام القديم قد يرفعها اليوم حليف ضدها، فلجأت إلى إفراغ الشعارات من مضمونها، فالديمقراطية (حكم الشعب) أصبحت عن طريق ممثلين عن الشعب، وحرية التعبير بقيت ضمن الحيز النظري، أما حق التكتل والتجمع للدفاع عن المصالح الخاصة فقد أصرت أن يكون حكراً على البرجوازية، مقابل حرمان العمال من أي تجمع يدافع عنهم ويحمي مصالحهم، مما اضطر العمال إلى النضال مجدداً؛ للمطالبة بحقهم الذي كفله لهم الدستور، ورغم ذلك لم تقبل الحكومات الرأسمالية ذلك بسهولة؛ لأن التكتل يحدُّ من إمكانية استغلال العمال، بينما تفرد العمال يجعلهم لقمة سائغة لصاحب العمل، كما أن عدم تأطير العمال ضمن إطار جعلهم ينافسون بعضهم بعضاً، ويقبلون أجوراً أقل على حساب بعضهم بعضاً، وهكذا تخلى العامل عن حقوقه في مواجهة أرباب العمل، وساءت ظروف العمال، فساعات العمل غير محدودة، بل هي حسب مزاج صاحب العمل وحالة السوق، وكذلك الأجور متروكة لظروف العمل، ومزاج صاحب العمل،وسن العمل غير محدودة، مما حدا بأصحاب العمل إلى استغلال الأطفال في العمل، وكذلك النساء دون مراعاة لها كأنثى، تختلف عن الذكر من ناحية بيولوجية، والعامل الذي يمرض أو يعجز، ولا يعود قادراً على الإنتاج الذي كان ينتجه سابقاً مصيره الفصل من العمل ومأواه الشارع.
قاومت الرأسمالية وبشراسة كل المحاولات التي قام العمال من أجل التكتل، وتحسين ظروف حياتهم، لأنها تعلم بأن العمال لم يثوروا لكي يستبدلوا الرأسمالية بالإقطاع، والتاريخ شاهد على هذه المحاولات والعنف الذي جوبهت به.
اضطرت الرأسمالية تحت ضغط الحروب الرأسمالية (حروب السوق) بين الطبقات أن تقدم تنازلات عن بعض مواقفها إزاء العمال رغماً عنها؛ لأنها أدركت أنه لا مفر من ذلك إذا أرادت البقاء، حيث أظهرت هذه الحروب أهمية العمال والفلاحين.
والنقابة كذلك فإن ظروفاً مختلفة جعلتها أمراً لا مفر منه، غير أن الرأسمالي أفرغها من مضمونها؛ ليضمن على الأقل حيادها، واستطاع ترويضها، وتقليم أظافرها من خلال تقييدها بحبال القانون والدستور، فقد اشترط لوجودها، ولوجود أي إطار عمالي وجوداً علنياً شرعياً أن تحترم القانون، وتخضع للدستور مع أنها لم تشارك في وضع أي منهما، ولم يستأنس برأيها، وبذلك أصبحت النقابات اسماً بلا مضمون، فكلما رفعت رأسها لتطالب بحقوق أعضائها وجدت أمامها سيف القانون مشهراً، ليذكرها دائماً بأن عليها أن تسلك (الطريق الديمقراطي الشرعي).
وإذا أرادت القيام بأي نشاط عليها أن تحصل على إذن كتابي، مع تحديد النشاط بالتفصيل، وتحديد الأشخاص المسئولين عنه، وتحمله المسؤولية في حالة الخروج عن (النظام والقانون)، فإذا رغبوا بعمل إضراب عليهم التبليغ مقدماً مع بيان التاريخ، وتحديد مدة الإضراب كي يتخذ المعنيون السبل الكفيلة بإبطال مفعوله، ولم تعد النقابة تحمي العمال، بل أداة احتواء للعمال في خدمة الرأسمالية، وبذلك تقمصت الرأسمالية خصائص النظام الذي حاربته لترخيص النقابة، وأوجبت عليها أن تخضع للقانون.
فلا تجتمع إلا بترخيص، ولا تنظم مسيرة إلا بترخيص، وقادتها معروفون؛ مما سهل الضغط عليهم بكل الوسائل المتاحة التي تصل حد التصفية الجسدية؛ مما سهل على أرباب العمل التحكم بالعمال أكثر مما لو كانوا غير منتظمين، وبذلك استطاعت الرأسمالية تحويل نضال العمال ضد العمال أنفسهم، وأصبحت النقابات تستخدم لخدمة المناورات السياسية أكثر من خدمة العمال أنفسهم عندما صار لها ممثلون في البرلمان.
تحولت النقابة من منظمة تحمي العمال، وتطالب بحقوقهم إلى منظمة تحتويهم، وتحمي الوضع القائم، إذ إنه مهما بلغ تطرف النقابة، فإنها لن تصل إلى مرحلة التشكيك بأسس المجتمع، لأنها كمؤسسة تستمد شرعيها من مؤسسات المجتمع وقوانينه، فالطعن في مؤسسات المجتمع يعني الطعن في شرعيتها، وهذا ما حصل مع الأحزاب السياسية المتطرفة التي أصبحت أحزاب انتخابات وتنافس على السلطة، وما ظهور حركات الإرهاب والمظاهرات العنيفة غير المنظمة إلا دليلاً على يأس الشارع من نقاباته العمالية، وأحزابه التقدمية.
وفي أوروبا تقلص دور النقابات في قيادة الشارع، ولم يعد لها القدرة على التحكم كما كان سابقاً، بل إن الشارع يدخل أحياناً في صراع مع نقاباته العمالية وأحزابه والرجعية على السواء. فقد حوّلت الرأسمالية التقدم من مكسب إنساني إلى نقمة يدفع ثمنها العامل، وهكذا يُكشف القناع الذي تخفي خلفه الرأسمالية المبرر الذي تحاول إقناعنا به، لتخفي الأسباب الحقيقية، فالكنيسة اتخذت الدين كمبرر للمآسي الاجتماعية، والعلاقات الظالمة، وتسير الرأسمالية على نهجها، وتحاول أن تخلق مبرراً جديداً للعلاقات الظالمة؛ لكي نتنصل من مسؤوليتها؛ فتوهمنا بأن التقدم العلمي هو السبب والمسئول، مع أن الآلة بالنسبة لها ليست إلاّ العامل، وهذا يدلل على جوهر النظام الرأسمالي.
حتى في زيادة الأجور، فقد استطاعت الرأسمالية تحويل زيادة الأجور لصالحها بعد أن طوعتها، وصارت توافق عليها فالزيادة في الأجور يرافقها زيادة في الأسعار وهذا معترف به في نقابات العمال؛ مما يلغي الزيادة الفعلية في الأجور، بل يرتد بهم إلى مستوى أقل من المستوى السابق، فالعامل الذي يتقاضى يومياً عشرة دنانير، وزادت أجرته لتصبح أثنا عشر ديناراُ، ولكن نسبة الزيادة في الأسعار تفوق نسبة الزيادة في أجرته، وهنا نجد أن القوة الشرائية للإثنا عشر ديناراً تعادل القوة الشرائية للعشرة دنانير قبل الزيادة، فعلياً بقيت أجرته اليومية كما هيَ، والزيادة اسمية فقط.
من جانب آخر فإن العلاقة بين الإنسان والبيئة ليست دائماً علاقة سبب ونتيجة كما هو في الماركسية – اللينية، وهو تفسير غير صحيح، فالقول إن أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج أي نمط الملكية يحدد شكل المجتمع قد يكون صحيحاً، ولكن لماذا نتوقف ولا نغوص في الأعماق؟ أي في الملكية نفسها، حيث إن أفعال الإنسان وإرادته هي التي تحدد نمط الملكية، وليس شكل المجتمع، فدور الإنسان هنا إيجابي وليس سلبياً.
الماركسية توصلت إلى السبب وليس إلى النتيجة، فنمط الملكية شكل من أشكال العلاقات الاجتماعية، فقد جعلت الماركسية العلة الثانوية في الصراع علة أولية، فتوقفت عند السطح دون الغوص في الأعماق، يتباهى (إنجلز) بأن ماركس اكتشف قانون التطور التاريخي، وطبق جميع الوقائع المعطاة على الإنسان، كما على الأشياء الأخرى، واعتبر التاريخ الإنساني جزءاً من التاريخ الطبيعي.
النشاط الإنساني فردي أو جماعي هو مشروع متحقق، ولا يمكن أن يكون موضوعاً، وهذا يعني أن العديد من المشاريع الأخرى كانت من الممكن أن تحدث، وأن تحقيق هذا المشروع لم يكن حتمياً حتمية حدوث التفاعل الكيميائي، فالطبقية إن وجدت كان من الممكن أن لا توجد، بمعنى أنها ليست الشكل الوحيد الحتمي للتنظيم الاجتماعي، رغم أن هذا الشكل أوجده الإنسان في فترة ما من تاريخه.
نحن الآن على مفترق طرق: أن ندرس الإنسان كموضوع للعلم، أو محاولة اكتشاف الإنسان كحرية، وهذا ما لم تفعله الماركسية المقيدة بالحتمية التاريخية كما الداروينية مقيدة بالصراع من أجل البقاء، لكن الأولى مطبقة على الحياة الاجتماعية والداروينية على الحياة البيولوجية.
وما الذي تتوقعه من فلسفة تقوم على الحتمية، فاللحظة التي نفرط فيها بالحرية فإننا نفرط في كل شيء!
إن مقولة نمط الإنتاج يحدد شكل العلاقات الاجتماعية، وصراع الطبقات يحد مسيرة التاريخ، إنه مقولة خاطئة.
فالطبقة ليس بالضرورة أن تكون على أساس اقتصادي، والصراع في المجتمع ليس اقتصادياً دائماً وفي كل الأحوال، والحكم بأنه اقتصادي حُكم مبني على مسلمة تشير إلى أن الإنسان في أي مكان هو صورة طبق الأصل، وهذا حكم غير علمي ترفضه العقول السوية كما يرفضه الواقع.
إن الشروط المادية، ووحدة المصالح، والتشابه في الظروف المعيشية لا تكفي لوجود الطبقة، وإن كانت لازمة لوجودها، فالطبقة عبارة عن مجموعة من الناس تربط بينهم علاقات معينة في مواجهة آخرين، والآخرون شرط أساسي وضروري لتكوين الطبقة.
والآخرون قد يكونوا الفقراء المعدمين الذين لا مأوى لهم، وهم الذين يحددون أولئك الذي يملكون ما يفتقدونه كوجود مختلف عنهم، وهؤلاء يحددون العمال والفقراء كوجود مختلف عنهم بوساطة الأحكام التي يصدرونها عليهم، والاستغلال الذي يمارسونه عليهم.
نستطيع أن نضع معياراً كمياً للوجود الطبقي، فهناك من يملك الملايين لكنه ليس بعد عضواً في الطبقة، وهناك من لا يملك قوت يومه، لكنه يتصرف على أنه من الطبقة، وهذا ليس اغتراب فقط، بل إن عدم الانتماء الطبقي هو ما يجعل الاغتراب سهلاً، الذي يدافع عن سادته؛ لأنه لا ينتمي لطبقة العبيد، عنه في الممارسة وأسلوب المعيشة والذوق...، في الوقت الذي لا يدرك فيه أنه ينتمي إلى طبقة، وفي الحالتين نجد تحديداً من قبل الفرد للكل.
الإنسان، كما يقول ماركس الذي يرى أن غاية الصراع هي السيطرة على العامل الاقتصادي، ولكنه لم يفسر لماذا، وماذا بعد ذلك؟
الطبقة نظام اجتماعي صنعه الإنسان، فالإنسان من يصنع الطبقة، وليست الطبقة التي تصنع الإنسان، وإن حصل وارتد على الإنسان ما صنعه، فإن ذلك ضد الجدل، صحيح أن تاريخنا شهد في بعض المجتمعات صراعاً طبقياً نتج عن عوامل اقتصادية، إلا أن ذلك لا يعني أن ذلك سيحدث دائماً.
إذن، فالتحدث عن الطبقية كنوع من العلاقات المستبطنة تربط بين مجموعة من الناس أنشأها تبني نظرة مجموعة أخرى إليها ضد مجموعة أخرى ضدها، فالذي صنعها هو الإنسان، وليس الحتمية! وكان للعامل الاقتصادي دور كأداة للصراع؛ لأن التحكم في حاجة الغير يعني التحكم في حريته (وفي الحاجة تكمن الحرية)، فما نقصده هنا وهنا، هو أن حرية الغير هي المستهدفة من خلال التحكم بحاجاته، أو السيطرة على العامل الاقتصادي.
ما حدث تاريخياً بناءً على رغبة ما أحدثوه فهو يرتبط بإرادتهم، والإرادة تختلف باختلاف الزمان والمكان، وما حدث ليس بالضرورة أن يكون تكراراً لما سيحدث على مدى التاريخ، وفي كل المجتمعات.
فعلى مر التاريخ كان هناك سادة وعبيد، لكن السيادة في الأصل لم يكن مصدرها اقتصاديا، بل دينياً أو عسكرياً أو الاثنين معاً، بينما نظام الإقطاع نشأ لأسباب اقتصادية؛ لكي يتحكم في النشاط الاقتصادي، والقوة العسكرية نراها جلياً في مرحلة ما قبل الإقطاع، عندما كان الإنسان نفسه (العبد) أداة إنتاج يسلب منه كل إنتاجه، كونه مسيطراً عليه بالقوة من قبل شخص، فمن أين يستمد هذا الشخص هذه القوة التي تجعله قادراً على استعباد الناس، وتحويلهم إلى أدوات وهنا يأتي الجواب من النظرية العالمية الثالثة التي تقدم الحل الجذري وإلى الأبد لكل هذه المشكلات، فهي
أولاً: لم تغلب مصلحة الفرد على الجماعة أو العكس لأن ما يصلح للفرد قد لا يصلح للجماعة والعكس صحيح، والعلاقة هي علاقة فرد بآخرين، وأن الوعي باختلاف المصالح الخاصة والعامة يدفعنا للبحث عن صيغة واعية تمنع سيطرة فئة على أخرى وهذه الصيغة تتمثل في سلطة الشعب.
ثانياً: النظر إلى القضية نظرة ليست اقتصادية بحتة، ويكون تحرير الحاجات يكون بهدف تحرير الإنسان لكي يحقق السعادة، والعوامل الاقتصادية مع أهميتها ليست الهدف النهائي ولذلك فإن النظرية العالمية الثالثة سعت لإيجاد توزيع عادل للثروة يرتبط بتغيير جذري.
المجتمع الاشتراكي الجديد:
وهو في المجتمع الجماهيري الجديد له أنماط جديدة أساسها أن كل فردٍ فيه يمارس ما يناسبه بحرية مطلقة، وباختيار مطلق، ولذلك يعمل الفرد في شكلٍ من هذه الأنماط بشكلٍ فردي، أو مع أسرته ويعود نِتاجُه عليه، أو أن يتشارك فردٌ في مؤسسة بشركة الإنتاج، وينال إنتاجُه بالكامل أيضاً دون نقصان ولا سلب لجهده، أو أن يُقدم في نمطٍ ثالث خدمةٌ عامة من فردٍ كالطبيب أو المعلم للمجتمع، وبالمقابل يُشبع لهم المجتمع حاجاتهم دون نسيان لغير القادرين على العمل من مرضى وشيوخ، فيرعاهم المجتمع تأهيلاً وإشباعاً لحاجتهم أيضاً، وهكذا فالنشاط الاقتصادي في المجتمع الجماهيري اشتراكي حقاً، وهو إنتاجي يشبع الحاجات بعيداً عن الربح غير المشروع، وبالتالي يتمثل للعيان نموذجاً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً جديداً بديلاً عن النماذج المختلفة والوحشية في النظم الأخرى، ففي الملكية عبر النموذج الجديد مقدسات، أهمها أهما قدسية ملكية الشعب، وقدسية ملكية الفرد بلا قواعد ظالمة. فللفرد الحق أن يتملك بيته، وإنتاجه، وأدوات إنتاجه، وله أيضاً الحق أن يتملك القدر الذي يكفيه من الأرض التي تعود عليه بما يشبع حاجته، لا إقطاعيات يستغل فيها باقي أفراد المجتمع، كما أن الملكية الخاصة مقدسة دون أن تكون بعيدة عن حرية المواطن في المجتمع أو ضارةً به، وكذلك ملكية الشعب لا ملكية الدولة.
وأرى هنا من الضروري التأكيد على موقع فكر معمر القذافي مما سبق عنه الحديث من أيديولوجيات رأسمالية أو ماركسية، إن ما يميز فكر معمر القذافي عن الأيديولوجيات الشمولية مثل الماركسية هو احترام هذا الفكر للإنسان، ولقيمته التراثية والدينية، فالنظرية العالمية الثالثة لم تعط تفسيراً لنشأة الكون والإنسان كما فعلت الماركسية، وإذا كانت هذه النظرية تقوم على أساس العلم، وتؤمن بالعلم، فهي لم تفرض نظرية علمية معينة.
كما أنها – أي النظرية العالمية الثالثة – لم تتعسف مثلما فعلت الماركسية في إرجاع كل أنواع ومظاهر الفكر الإنسان إلى عوامل محض مادية، كما أنها لم تعط تفسيراً وحيداً للتاريخ، ولحركة الصراع الفكري والقومي.
على العكس من ذلك تقوم هذه النظرية – وهذا ما يؤكد إنسانيتها وديمقراطيتها – على احترام كل المعتقدات الدينية والعرفية وتجعل من هذه المعتقدات الدينية، والعرفية شريعة للمجتمع.
كذلك تقوم هذه النظرية على احترام حرية الإنسان، وتوجهاتها الفكرية، وتدين كل أساليب الترويض الفكري، وفرض اختيارات ثقافية تتعارض مع قدرات الإنسان العقلية، واستعداده الفطري فالحرية تحدد نفسها بنفسها، فالحاجات لا يمكن اختلاقها من الخارج كما في النظم الماركسية، ولا يطلق العنان لاختلاقها كما هو الحال في النظم الرأسمالية، بل تحدد من الداخل، فالقدرة على الإنتاج تحدد سعة الحاجات.
كما وإن مشكلتي السلطة والثروة يرتبطان أيضاً بالحرية، وأي حل لا يأخذ هذا في الاعتبار سيظلّ حلاً قاصراً،ولا شك في أن الحرية تأخذ بعدها الأعلى في الديمقراطية المباشرة، حيث لا نيابة أو تفويض، أو تنازل، أو تجزئة للديمقراطية، بل سيادة كاملة للشعب، حيث تمارس الحرية فعلياً، وينهى عند ذلك التناقض بين الحرية والنظام. وفي ذلك اختلاف عما هو موجود في المجتمعات الغريبة.
إن النظرية العالمية الثالثة تصرح إن الإنسان يسعى لضمان إشباع حاجاته، رغم الدعاية المضادة التي تهاجم الحل الاشتراكي، ونستطيع من خلال النجاحات المتكررة هزيمة هذه الدعاية، وبيان أغراضها، لأن النظريات السابقة لم تضمن للإنسان إشباع حاجاته، فالماركسية رغم إلغائها للملكية الخاصة لم تضمن للإنسان إشباع حاجاته، والرأسمالية بسيطرتها على الشؤون الاقتصادية تركت الباب مفتوحاً للشعور بعدم الأمن إلى جانب القلق والخوف من المستقبل.
إن الإنسان لا يستحوذ على أي شيء إذا ضمن حاجته منه، لأنه يدرك أنه على المدى البعيد لن يضمن إشباع هذه الحاجة. إن المجتمع الجماهيري هو مجتمع الأصحاء، وهو يضمن لأفراد المجتمع إشباع حاجاتهم، وهو حالة واقعية، لأن المجتمع هو مجتمع أعضاء المؤتمرات، وليس كائناً وهمياً أو أسطوريا.












