بقلم :زيد ابوزيد
لن ندلل على حتمية فشل الرأسمالية بالمقولة الدارجة: "إن الرأسمالية تحمل في رحمها بذور فنائها، حيث نستطيع أن نشاهد خضم تطور المجتمع الرأسمالي الصورة السلبية التي وصل إليها عاجزاً عن السيطرة على تشوهات أفكاره، ونماذجه في إطار هذا التطور، فالذين أوجدوه كانوا أول ضحاياه، فهو لا يرتوي ولا يرضى، يمتص الدماء، ويستحم بعرق الكادحين، ويطرب لآهات المعذبين، فهو جهنم مهما قدمت إليه يطلب المزيد، في ظله تتحول الحياة إلى جحيم لا يطاق على كل المستويات، وفي كل المجالات: اقتصادية، أو سياسية، واجتماعية، ففي المجال الاقتصادي نجد تشوهاته واضحةً عند مراجعتنا للأسس التي قامت عليها الرأسمالية، فالملكية الخاصة تحولت إلى استعباد الأقلية للأكثرية في المجتمع، مما عكر العلاقات الاجتماعية، بل تخطت ذلك إلى استعباد الملاكين لأنفسهم، وتحويلهم إلى حراس على الثروة؛ حتى لا يصل إليها المحرومون منها، فماذا كانت النتيجة؟، حُرِمت الأكثرية لصالح الأقلية مع إمكانية إشباع حاجاتهم، رغم عدم حاجة القلة إلى كل هذه الثروة؛ لأن هناك حداً يصبح بعده كل تكديس، أو كل تبذير لها، تبذير لا فائدة منه حسب قانون المنفعة الحدية.
لقد تحول الصراع حول الحرية إلى صراع دام، يُباح فيه استخدام كل الأسلحة لحسم الصراع. فالمنافسة انقلبت إلى تبذير للثروة، وانتصار للكم على الكيف، وبذلك تحولت الثروة إلى المعيار المادي الذي وجَّه كل العلاقات الاجتماعية وجهةً أصبحت العلاقات على أساسها تقيّم مادياً، محدثة خللاً كبيراً في المجتمع، تحول فيه الإنسان إلى مجرد وسيلة لإنتاج الثروة، وإن كانت هذه الثروة تسلب منه، والرأسمالي، والذي أصبح هو نفسه حارساً للثروة ليمنع المحرومين من الوصول إليها، وطالما أن الغاية هي تكديس الثروة، وتحقيق أعلى ربح، فقد أصبح الإنسان وسيلة لغاية إنسانية، مما أفرز مفاهيم جديدة في العلوم الاجتماعية أساسها استغلال الإنسان للإنسان في خدمة مصالحه، ولأجل متعته في الاستغلال.
ونتيجة للمسألة الأولى فقد أصبح النشاط الاقتصادي للإنسان نشاطاً لا معقولاً، وغريباً والإنتاج لهدف لا معقول، وهو الربح الذي يجعل الإنسان في خدمة ما يجب أن يكون في خدمة الإنسان.
لقد تمرد المارد على القيم الأخلاقية، واستخدمها في خدمة أغراضه، وهذا الهدف اللامعقول أصبحت لديه كل الوسائل متاحة، لا فرق فيها بين الصالح وغير الصالح أخلاقياً.
ففي المجال الإجتماعي ،استغلت الرأسمالية القيم الإنسانية أبشع استغلال؛ فقتلت باسم المساواة شعوباً بأكملها، وقضت على ثقافاتها، وأودت دياناتها، ودثرت لغاتها.
وعلى هذه الأسس أصبح استثمار كلِّ شيء من أجل الربح جائزاً بل مطلباً، وكانت المرأة أُولى الضحايا، وتحولت إلى سلعة تستخدم للدعاية والإعلان، وترويج السلع، والدعاية الانتخابية، وأصبحت تجارة الجنس مصدراً للإثراء، وانتشرت الدعارة الرسمية تحت مسميات عديدة (نوادي السهرة)، (مراكز المساج)، (نوادي العزّاب)، وشاعت المجلات والأفلام الإباحية، وحاز الهاجس الجنسي على مساحة واسعة من اهتمامات العديد من شرائح المجتمع، ولا سيما الشباب، مما أفقد العلاقة الأساسية للأسرة قدسيتها وطهارتها، وتحولت لعلاقة تجارية بهدف الإثراء، مما أدى إلى البحث عن علاقات أخرى على حساب العلاقة الطبيعية، بعد أن أصيبت المرأة بالبرود رغم كل ظواهر عريها وتبرجها، وكذلك الرجال أيضاً، فانتشر الشذوذ الجنسي بكل أنواعه في المجتمعات الغربية محدثاً زلزالاً اجتماعياً.
وكل ذلك أدى إلى خروج المرأة للعمل في ظل الانقلاب الصناعي؛ وذلك للحاجة للأيدي العاملة، وبحجة حاجة المرأة إلى التحرر من العبودية، لكن ذلك أوقعها في عبودية أشد، وأفقدها ما يميزها عن الرجل من أُنوثة ورقة ودفء، وتعاني ما يعانيه الرجل، دون أي اعتبار لتكوينها البيولوجي، ولكن بالرغم هذه التضحية بأنوثتها، فالمرأة تحصل على أجرة أقل من الرجال دائماً، ناهيك على أَنَّ خروجها للمصنع دمر الأسرة، وشتت الأطفال، وظهرت الجرائم الاجتماعية بشكل أكثر وضوحاً، وكل ذلك بسبب فقدان العلاقة الأسرية السليمة؛ حيث حُرم الأطفال من براءة الطفولة، ومن دفء الأبوة، وحنان الأمومة، وحُرموا من قيم المجتمع وأخلاقه، مما أفقدهم أي ارتباط بالمجتمع وبالتالي سهل التمرد عليه.
لقد أصبحت الجريمة مربحة، بل صارت مشروعاً اقتصادياً له موازنته الخاصة، وأرباحه الطائلة، وعلى مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، أصبح انتشار الجريمة بكل أنواعها أمراً بديهياً، ولم يعد هناك فرق بين سرقة نقود المستهلكين في المتاجر والمحلات، وبين السطو على المتاجر والمصارف، واستغلال المرأة كأداة للمتعة، وإشباع الشهوة، لا يختلف ذلك عن استغلالها في المصنع.
الرأسمالية الجشعة شتت أفراد المجتمع، وجعلتهم أنانيين باحثين عن مصالحهم، فلأن التقييم مادي، أصبحت أي علاقة اجتماعية علاقة مادية بحتة، فالرجل يبحث عن المرأة التي لها دخل حتى تقاسمه الإنفاق على البيت، والفتاة عندما تبلغ سن الرشد تبحث عن مصدر رزقها بأية طريقة كانت!!
فقد طحنهم السوق الرأسمالي، ومزقهم الطمع والجشع؛ لأن معيارهم المادي هو أساس تقييم أية علاقة، وقد جسّد ذلك المثل الأمريكي: (الوقت نقود)، فيجب أن يستغل؛ لتحقيق أعلى عائد ربحي، حتى العجزة وكبار السن لا يجدون من يحادثهم؛ لأن محادثتهم غير مجدية اقتصادياً؛ ولا تحقق عائداً نقدياً، ولا المحتاج لمعونة يجد آذاناً صاغية فامتلأت الملاجئ بالأطفال والآباء والأمهات الذين أصبحوا عبئاً على ذويهم، ولا وقت للاهتمام بهم.
إن المارد الاقتصادي ارتد على صانعه، والمجتمع الرأسمالي أصبح من المجتمعات ذات الهرم السكاني المقلوب؛ بحيث أصبح العجزة وكبار السن خمسة أضعاف الأطفال، فالفلسفة الرأسمالية أظهرت سمات جديدة للمجتمعات الرأسمالية من أهمها:
المرأة البرجوازية التي تميل إلى النسل القليل؛ حفاظاً على جمالها ورشاقتها، كما أن وقتها لا يسعفها؛ لأن لديها الحفلات والسهرات والجري وراء الموضة، وكل ذلك على حساب الأطفال؛ والمسؤولية المترتبة عليها لهم.
تغليب الجانب الأناني أدى إلى انتشار نوع من العلاقات الحرة، والتي لا تؤدي للزواج ولا إلى أطفال، فقد ساد هذا النوع من العلاقات لدى الطبقة الوسطى (البرجوازية الصغيرة)؛ مما أدى إلى انعدام الثقة في المستقبل تطبيقاً لمقولة (عش يومك).
بالنسبة للطبقة الفقيرة فإن ولادة أي طفل جديد تعني عبئاً اقتصادياً: (مأكل، مشرب، تعليم، علاج...).
فالدخل ثابت، ولا يتناسب مع حجم الأسرة مما يؤثر سلباً انخفاض مستوى المعيشة بالنسبة للأسرة، وزيادة الأجور لا تحل المشكلة؛ لأن ارتفاع الأسعار يجعلها عديمة الفائدة.
أما في المجال الثقافي فإن القاعدة التي تسيّر العلم والثقافة، هي: "إن لكل شيء ثمن، ومن لا يملك الثمن لا يحصل على شيء"، فمن لا يملك ثمن الكتاب لا يحصل عليه، وما عليه إلا التشرد، وبيع عضلاته في سوق العمل، فقد أصبح التعليم لرؤوس الأموال، والطالب مشروعاً استثمارياً، حيث تمنح بعض المصاريف سلفاً؛ للقيام بالدراسات، العليا في تخصصات معينة (مضمونة الدخل) على أن تسدد السلفة بفوائدها بعد التخرج، حيث يضطر المتعلم بعد إنهاء الدراسة إلى إعادة النقود، وتحقيق الأرباح اللازمة وبكل الوسائل المتاحة، وهكذا يتحول الطب والهندسة والمحاماة إلى وسائل لتحقيق الثروة، فالعلم في هذه المجتمعات رأسمالي المنشأ والهدف، كونه تمرد على القيم الأخلاقية، مثله مثل النشاط الاقتصادي، وأنَّ دعوة موضوعية العلم لا تغني أكثر من إبعاده عن القيم الأخلاقية، والتي أدّى غيابها إلى:
أن يقوم الصيادلة ببيع المواد المخدرة لمدمني المخدرات؛ لنسيان الواقع الأليم الذي يعيشون.
أن يتحول المحامون إلى باحثين عن ثغرات في القانون لصالح من يمتلكون ثمن أتعاب المحاماة، وكثيراً ما ينجحون في تبرئة مجرم، لتتضاعف الأتعاب.
أن يقوم الأطباء سراً بإجهاض الحوامل اللاتي حملن بلا إرادة، أو نتيجة علاقة غير شرعية مقابل المال.
أن تستحدث الأجهزة، وتقام بنوك للأعضاء الطبيعية، وأن يكون هناك متخصصون في أدق العمليات الباهظة الثمن من أجل علاج الذين يمتلكون المال، بينما يموت الذين فقدوا الحد الأدنى من العلاج لأنهم؛ لا يملكون الثمن.
أن يبني المهندسون مدناً كالسردين، تخنق الإنسان وتحرمه من الخضرة ومن الفضاء، ويصيبه الدوار من العمارات الشاهقة.
والعلم الذي كان وسيلة لسعادة الإنسان وراحته، وإشباع حاجاته أصبح في النظام الرأسمالي خادماً للرأسمال، وغابت القيم الأخلاقية، وهكذا تحول العلم إلى وحشٍ يقتل الإنسان، ويدمر حياته، فالآلة حلت محل الإنسان، وجعلت مئات الآلاف من العمال بلا مأوى مما قادهم إلى تدمير الآلات، والنقمة على العلم لجهلهم بالأسباب الحقيقية لهذه الوضعية المؤلمة.
وهكذا فالبطالة انعكست سلباً على الاستهلاك وانخفضت القوة الشرائية، وزحف الكساد الذي يعني المزيد من البطالة، فالأزمة الاقتصادية يذهب ضحيتها من ليس السبب فيها.
فالتقدم العلمي يفترض أن يقود الإنسان للسعادة، ويوفر له الأمن الغذائي والسكن المريح ووسيلة التنقل، ولكن هذا لم يحدث؛ لأن غياب القيم الإنسانية جعلت الإنسان يعيش أوضاعاً خطرة على الإنسانية كلها، فقد تحولت الذرة إلى سلاح يهدد العالم كله بالدمار، والطائرات ناقل لهذه الأسلحة الفتاكة، بدلاً من الاختراعات التي تكافح الفقر والمرض والجوع، فالعالم غير آمن، والسلام القائم الآن سلامٌ هش قائم على (توازن الرعب)؛ فمصير البشرية بأكملها مرتبط بشخصٍ ما في البنتاغون أو في مكان آخر، بضغطة زر ينهي العالم.
كل ذلك ما كان ليحدث لولا النظم التي جعلت هدفها تكديس الثروة على حساب القيم الإنسانية، فأين الحضارة إذن من كل ذلك؟!.
لقد حولت الرأسمالية الإنسان إلى عبد بسلاسل جديدة ناصعة وقوية، ازدادت متانتها، واختلف شكلها، وتحول الإنسان في المجتمع الرأسمالي إلى آلة فاقد للحرية والعدل، وحاجته غير مشبعة، فالقاعدة السائدة، هي: من يملك فقط يتمكن من إشباع حاجاته على حساب غيره صاحب الحاجة، ومن يملك الثمن يتعلم، والآخرون لهم الجهل، ومن يملك الثمن يحكم، فالانتخابات في المجتمع الرأسمالي مشروع تجاري؛ لأن المرشح لرئاسة الجمهورية ينفق أو تُنفق بالنيابة عنه المبالغ الباهظة، يُفعل ذلك لصالح من دفع الثمن، وليس لصالح المجتمع.
أما في البرلمانات فالصورة أيضاً بشعة، فنواب الرأسمالية ينطبق عليهم قول:
ادفع اليوم لتحصل غداً على أضعاف ما دفعته، حتى السياسة أصبحت غطاءً شرعياً، يخفي عمليات غير مشروعة؛ لتحقيق أرباحٍ خاصةٍ، وتحول الإطلاع على أسرار الدولة إلى وسيلة للثراء السريع، وتتحول سلطة التشريع إلى وسيلة للضغط أو المساومة، من أجل المصلحة الخاصة، لا للمطالبة بمصالح الشعب الغائب مستعيضاً عنه بالنائب.
أضف لذلك أن التنظيم الحزبي تحول الفرد فيه إلى أداة بيد الحزب الذي يلتهم أعضاءه الذين أسسوه رغم أنهي يفترض أن يكون وسيلة، إلا أنه يتحول بمجرد وجوده إلى هدف يلتهم حرية أعضائه. وتحتدم الصراعات ويظهر الأمين العام فرداً متجبراً ينيب نفسه عن كل الحزب، وهنا لا فرق بين الحزب الواحد، وتعدد الأحزاب؛ لأن هذا التعدد يظهر جلياً للحظات كل بضع سنوات، عندما يرمي الناخبون أوراقهم في صناديق الاقتراع.
فلذلك من الطبيعي ظهور أكثر الديكتاتوريات في ظل الديمقراطيات النيابية، ونماذج الفاشية، النازية. يؤكد ذلك، ولا تختلف الماركسية في ذلك:-
الماركسية جاءت بدكتاتورية الحزب الواحد مؤكدة أنها ابنة الرأسمالية الجديدة.
والرأسمالية تحمل سياسياً بذور النظم التي تعادي الحرية، وتستعبد الإنسان حتى إن مفكري الليبرالية أنفسهم يعترفون بأنه بين النظم الدكتاتورية المباشرة، والنظام النيابي شبه المباشر فاصل هش يمكن تحطيمه بسهولة، والتزام الأطراف المتصارعة بقوانين (اللعبة الديمقراطية) ضمان لاستمرار الفاصل. لكن لا يوجد ما يمنع طرف ما من تسليح مجموعة سريعة ينكرها علانيةً لكنه يدعمها سراً للإطاحة بخصومه إذا لزم الأمر. فعالم اليوم يفتقد جوهره الإنساني، عالم يتحارب فيه الأغنياء فيموت الفقراء!، ولذلك فلباسكال الحق حين قرر إن ضعف الرعية قوة للملوك، وضعف الفقراء قوة للأغنياء؛ فالأقوياء دائماً يحكمون. ولن يكون الحل إلا بالثورة الشعبية لتحطيم هذا العالم المجنون الذي أصبح الانقسام فيه يسود كل شيء، انقسام إلى متعلمين وجهلة، متقدمين، ومتخلفين، سادة وعبيد، حتى الموتى هناك قبور فخمة للأغنياء، وحفر يدفن فيها العامة!!
الثورة هي قوة الضعفاء، وهي أمل اليائسين، وهي حرية المستعبدين، ثورة من أجل مستقبل تتحقق فيه الحرية بالممارسة المباشرة والعلاقات الاجتماعية، في جوهرها الإنساني الصحيح.
إنَّ الحرية السياسية في النظم التي تدّعيها فارغة المحتوى، والإنسان فيها ليس حراً على الإطلاق، وعلاقات الإنتاج الرأسمالية تجعل من ادعاء الحرية وهماً لا معنى له. أما المجتمعات الأخرى التي تدّعي توفير لقمة العيش، فإن انعدام الحرية فيها ينفي وجود أي ضمانة للحصول عليها، كما يعني الحط من قيمة الإنسان فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ولذلك تظهر استحالة التوفيق بين الاثنين، فأيهما يختار، هل يفقد حريته، ويملأ بطنه؟ أم يحصل على حريته ويموت جوعاً؟ أم هل من الممكن أن يكون حراً، ولا يموت جوعاً؟؟؟
لقد صادر النظام الرأسمالي حرية الإنسان اقتصادياً، بتحكم القلة في حاجات الكثرة مقابل حرية التظاهر في الشارع، ولعن الحكومة والأثرياء، أما النظام الماركسي فقد حرمهم من هذه الحرية مقابل الإشباع المادي بحدوده الدنيا، والحرية لا تتجزأ، ولا تستقيم إلا على قاعدتين: قاعدة سياسية، وقاعدة اقتصادية.
بين الرأسمالية والماركسية
إن التعارض بين الماركسية والرأسمالية يكون في المظهر، وليس في الجوهر، فالرأسمالية لم تكن حلاً للمشكلة الاقتصادية، والماركسية لم تقدم حلاً لهذه المشكلة، والرأسمالية لا تقل إلحاداً وماديةً عن الماركسية، فهي تؤمن بذات الرب الذي تعبده الماركسية، وما مظاهر اهتمامها بالكنائس إلا خوفاً من الجماهير.
الماركسية والرأسمالية تعتقدان أنه لا تعارض بين صالح الفرد وصالح الجماعة، فقد أعلن (لينين) بصراحة أنه من واجبنا أن ندخل مدرسة رأسمالية الدولة – الألمانية، وألا نتعفف عن أي تنظيم دكتاتوري، لكي نحققه في روسيا، وحدد هدف البلاشفة في ضمان أداء كل كادح لواجبات الدولة.
وهذا مؤشراً إلى مصالح الجماعة، التي ضمنت الفرد تحت وطأة جهازها الهائل.
أما الرأسمالية فتخالف الماركسية في الاتجاه، فليس ما يصلح للجماعة يصلح للفرد بل العكس ما يصلح للفرد، يصلح للجماعة، وهذا ما جسده وزير دفاع أمريكي سابق، وهو أحد مديري شركة (جنرال موتورز) العالمية، قائلاً: "إن ما يصلح لشركة جنرال موتورز يصلح لأمريكا"، إن بضعة أفراد أصبحوا هم المجتمع.
والعجيب أن منظري الرأسمالية لا يجدوا في تركز الثروة أي تعارض مع مصلحة الأغلبية الساحقة، لكن الكادح والعامل يعلم أن مصلحة (جنرال موتورز) ليست مصلحته، وأن تسرح شركة آلاف العمال ليس في مصلحتهم، وقد أدى تركز الثروة لدرجة أصبحت الشركات متعددة الجنسيات تمتلك من السلطة والنفوذ، ما يفوق سلطة الحكومات (الوطنية) حتى في الدول الصناعية.
وهكذا يظهر جلياً التناقص بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، ويظهر زيف الادعاءات الكاذبة، فلقد اعترف (لينين) وهو، يحتضر: (إن الدولة لم تتحقق كما يريدها، محاولاً الاعتذار عما وصلت إليه الدولة، والتي صار طبيعياً أن يتولاها (ستالين)، وأن يتوّج التضحية بالأفراد في سبيل الجماعة، بينما الرأسمالية لم يكن همها حل المشكلات بل التعايش معها بحلول ٍ وسط، ومساومات، وبالإجبار أحياناً.
وفي نفس السياق قال المنظر الجماهيري الدكتور رجب أبو دبوس: الديمقراطية الليبرالية سخافة عاطفية، والفاشية سخافة انفعالية والماركسية سخافة عقلية لا يمكن لفكرة منها أن تنتصر على الأخرى.
ومن الجدير بالذكر أن الرأسمالية ظهرت على أنقاض الإقطاعية في المجتمع الأوروبي، وأدى ذلك إلى ظهور بعض الممارسات، في المجال الاقتصادي، حاول المفكرون تبريرها، وإيجاد مسوغاً لها، وهي محاولات لم تنطلق من وجود مشكلة، رغم وجود المشكلة التي تفاقمت بسبب الرأسمالية، بعيداً عن الحاجة الملحة لوجود حل إنساني، فالأغلبية الفقيرة مضطهدة ونصيبها من ثروة المجتمع قليل جداً، أو البطالة والبؤس متفشيان، مع ما يترتب على ذلك من انحلال وتفكك في البناء الاجتماعي، وقمع داخلي وخارجي، فالسلطة هنا قمعية مهما تستّرت بشعارات الديمقراطية.
والنتيجة المنطقية لتبرير هذه الممارسات من قبل النظم القائمة هي في فصل الاقتصاد عن الأخلاق ظاهرياً، بدعوى الموضوعية والعلمية، وتطبيق المنهج العلمي على الوضع الاقتصادي، والحقيقة تتلخص في أن:
النشاط الاقتصادي أصبح مؤسساً على علاقات ظالمة، يستعبد فيه الإنسان أخاه الإنسان، ومتعارضاً مع القيم الأخلاقية، فكان لا بد من الابتعاد عن الأخلاق، لإبعاد هذه الحكم القيمي. وهذا ما حصل، وهكذا فقد صار النشاط الاقتصادي يستخدم الأخلاق لمآربه وهي أخلاق صيغت بمفاهيم جديدة أساسها تكريس العلاقات الظالمة، كما أن الثروة صارت مصدر القيم الأخلاقية، فالذي يملك أكثر، أكثر عقلاً وأخلاقاً.
والأخلاق صارت مصدراً اقتصادياً لا يستهان به، ولم يعد أي فحش أو جنون يصدم مجتمعاً جعل من الفحش تجارته الرابحة، وأضفى عليها طابع المؤسسة.
إن الرأسمالية تنظر لهذه المشكلات على أنها طبيعية، ولا بد منها لتقدم المجتمع وزيادة الإنتاج، وقد بذل عباقرة الاقتصاد وآباء الكنائس جهودهم؛ لتبرير ذلك؛ ومن أجل راحة ضمير الرأسمالية لدرجة أن الكنيسة تساءلت يوماً، هل للهنود روح"، كي تبرر الاستنزاف والاستغلال الذي يتعرضون له على يد (شركة الهند)، ونادى (كاتو) باستغلال العبيد بغاية القسوة، لدرجة أن الكنيسة أعلنت صراحة في الرسالة البابوية في العام الأربعين: (إن النظام الرأسمالي ليس شرّاً في ذاته).
ويتوالى الاقتصاديون في تبرير العلاقات الظالمة (فمنديفل) يؤكد: (إن فاقة الجوع ظاهرة طبيعية تقيد المجتمع، ويجب أن تبقى كذلك، ومن السهل أن تعيش دون نقود من أن تعيش دون فقراء)، أما (جون لو) فإنه يصرح: "إن الفقر والبطالة أهم سبب من أسباب ثروتنا".
كل هذه التبريرات سواءً التي تجعل التكفير عن خطيئة آدم من نصيب الرقيق، أو التي تجعل التضحية من أجل تقدم المجتمع من نصيب الأغلبية الساحقة نتيجتها، أن الغالبية العظمى من المجتمع لا تستأثر بأي عائد من تقدم المجتمع، بل تدفع ثمن رفاهيته، وثراء الأقلية من المجتمع، فالمصالح الخاصة تستتر تحت شعار المصالح العامة، ولذلك فإن إعادة طرح المشكلة الاقتصادية لا يمكن أن يكون إلا من زاوية أخلاقية.
والنظريات التي وجدت اعتبرت البطالة أمراً لازماً للصناعة، لأن وجودها يعني وجود احتياطي من العمال يضغط على سوق العمل، وبالتالي تنخفض الأجرة، وتصبح المنافسة بين العمال تنافساً من أجل الحصول على حد الكفاف لتأمين متطلبات الحياة الأساسية، ويصبح مستوى حياة العمال في تدنٍ مستمر، ويؤدي ذلك بالتالي إلى زيادة الأرباح، ورخص الأجور،وقلة الاستهلاك بسبب جيش البطالة، وقلة الاستهلاك تؤدي إلى تكدس البضائع؛ لأن النسبة الغالبة في المجتمع لا تملك أية قوى شرائية وهذا يقود إلى الكساد الاقتصادي؛ والمزيد من البطالة وهذا يعني غياب القوة الشرائية عن السوق (قلة الاستهلاك).
وهذا ما يبرر محاولات الاقتصاديين لحل مشكلة البطالة من باب تأثيرها في الاستهلاك، وعلى ترويج السلع وانعكاسات ذلك على الأرباح، وليس بدافع إنساني لضمان حق كل إنسان في حياة كريمة تشبع فيها حاجات، وهذه النطرة تعرف بـ (مجتمعات الاستهلاك)، والتي ينظر للإنسان فيها على أنه مستهلك.
ولذلك، فإن الموضة تبطل بسرعة، لزيادة الاستهلاك، والمبدأ هنا (استهلك أنت لكي أربح أنا)، سواءً كنت محتاجاً لهذا الاستهلاك أم لا.
والرأسماليون ينظرون للفقر والحاجة على أنها ظواهر ضرورية، ولا بد أن تحدث مثل (آلام الولادة)، والمطلوب من الفقراء الصبر واحتمال كل ما ينجم عن ذلك إسهاماً منهم في تقدم المجتمع؛ لأن الفقر هو قدرهم.
ومعظم النظريات الاقتصادية تعتبر الملكية حقاً طبيعياً لا يجوز مناقشته، بل قررت بعضها إن الملكية غريزة فطرية لا يجوز المساس بها، وأخرى اعتبرتها حقاً مقدساً لا يجوز لمن آمن بالله الطعن فيه، ولكن هذه النظريات جميعاً في تبريرها للملكية تناست أن تفسر لنا إذا كانت الملكية غريزة فَلِمَ القلة تملك، والكثرة لا تملك؟ بينما المنطقي أن يتمكن الجميع من إشباع غريزة التملك، وإذا كانت حقاً مقدساً فلما تتمتع به الأقلية، وتحرم منه الغالبية؟
القليل من المفكرين الاقتصاديين تطرقوا لمسألة الملكية مثل: (ماركس) و (روسو)، لكن تطرقهم كان رد فعل مضاد، وليس في الاتجاه الصحيح، بينما المفكرون التقليديون تطرقوا إلى ظواهر السوق من حيث تأثيرها في الربح، وثروة الرأسمالي.
لقد تمكن الفارون من الإقطاعيات من تكوين ثروة بعد تحولهم إلى وسطاء، وثروتهم ساعدتهم في محاولة السيطرة على الإقطاع، ولكن ملاك العقارات لم يرضهم أن تصبح الأرض في المرتبة الثانية من حيث مصدر الثروة، وما يترتب عليه من أضرار بالربح المتحقق من الأرض، وهناك فريق ثالث بدأ يشق طريقه ببطء ولكن بإصرار، وهو طريق الرأسمال، الذي أصبح يستخدم التجارة والصناعة والأرض، بل يستخدم الرأسمال نفسه، ليضمن الربح في الأرض؛ أو التجارة؛ أو الصناعة.
لقد حاولت النظريات التبريرية أن تجعل من ذلك قدراً، أو وظيفة اجتماعية؛ لأن هذه النظريات اكتفت – بدعوى العلمانية – بما هو واقع، ولم تبحث ولم تفسر لنا كيف وصلنا إلى هذا الواقع، وهل هو واقع دائم لا يتغير، والجواب نجده عند كبار ملاك العقارات، والشركات الذين أسندوا الوظائف العليا إلى هؤلاء الاقتصاديين أصحاب هذه النظريات.
كل النظريات التي ترفض حرية الإنسان، تقلل من مسئوليته عن واقع حياته سواءً نظريات سياسية أو اقتصادية وغيرها، هي في الواقع تبرر الظلم والاضطهاد، لتكريس الوضع القائم سواءً في الحتمية التاريخية، أو الجبرية الدينية، إنها تشير إلى أن الذين تحققت مصالحهم، وسيطروا على السلطة والسلام ضد الجماهير يخشون المستقبل، ولا يثقون به، ويخشون حرية الإنسان؛ لأنها تطيح بهم وبمصالحهم، لذلك فإن معاداة الجماهير هي السمة التي تميز أصحاب هذه النظريات.
كل النظريات التي ترفض حرية الإنسان، وتخفي عنه مسئوليته عن واقع حياته سواء نظريات سياسية، أو اقتصادية، وغيرها، هي في الواقع تبرر الظلم والاضطهاد، لتكريس الوضع القائم سواء بالحتمية التاريخية، أو الجبرية الدينية، إنها تشير إلى أن يخشون المستقبل، ولا يثقون به، ويخشون حرية الإنسان؛ لأنها تطيح بهم، وبمصالحهم، لذلك فإن معاداة الجماهير هي السمة التي تميز أصحاب هذه النظريات.
وفي ظل هذه المفاهيم الرأسمالية المتجبرة بالإنسان، والمجهضة لإبداعاته، فقد أصبح العمل الذي كان يشير إلى علاقة مع البيئة المحيطة، ومع الطبيعة أداة استعباد، ولأن العمل لا يهدف لإشباع الحاجات فقط، بل تحقيق الوجود الإنساني، ولو أشبع الإنسان حاجاته فإنه يبقى في حاجةٍ إلى العمل الذي يتحرر به من سيطرة الطبيعة، ومن سيطرة الصدفة، وفي الإنتاج ينطبع وجود الإنسان، وبالعمل يوجد الإنسان، فالعمل لا يعني إنتاج ما يشبع الحاجات فقط بل يتخطى ذلك إلى قدرة الإنسان على الخلق، فوجود الإنسان ينطبع على كل ما ينتجه، فالباب يجسد يوم عملٍ بالنسبة للحداد؛ لأن جزءاً من وجود هذا الحداد تحول إلى عملٍ جسّده الباب، ويقول مفتخراً: هذا صنعي، هذا مبرر وجودي! وكذلك الحال بالنسبة للمزارع الذي غرس شجرة فإن يداه تعني تجسيداً لعدة سنوات، حتى كبرت الشجرة، وصارت تعطي الثمار، فالعمل يعطي للوجود مبرراً وبدونه يصبح الوجود لا معنى له، فالأغنياء الذين لا يعملون يفقدون الإحساس بالوجود، ولا يستطيعون أن يقتلوا وقتهم بشيء، فيقتلهم وقتهم دون أن يبرروا وجودهم.
بعد كل يوم عمل يشعر الإنسان أنه لم يمر يومه هدراً، وأنه عاش يومه فيشعر بالراحة والرضى، وسيظل شامخاً موجوداً، بالباب الذي صنعه، وبالبناء الذي شيده، والشجرة التي زرعها، في طل إنجازٍ مهما قل شأنه، إن العمل يخلّد الإنسان، وكأنه امتدادٌ له، فالرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يرزقه الله بالبنين، لكن جهده ورسالته خلّدتاه.
وهذا يشير إلى أن يصبح العمل لذة وهواية، لأن الهدف الوجودي يعني أن العمل ممارسة، وتحقيق لهذا الوجود، ونحن نشعر بلذةٍ أمام إنتاجنا، ومتعة أعمالنا تنسينا التعب الجسمي، ولا نعود نشعر معها بمللٍ وإرهاق.
ولكن ما ذُكر يخالف الواقع، فالإنسان يذهب لعمله وهو كارهٌ، وينظر لإنتاجه على أنه عدوه الذي يسرق وجوده، وينتظر انتهاء يومه على أحر من الجمر، ونتساءل لماذا يتعب الإنسان، وهو يعمل – بنفس القدر – ولا يتعب حين يقوم بخدمة نفسه، أو حين يلعب؟؟
عندما نوازن بين حال الإنسان وهو يعمل لنفسه في وقت فراغه لإصلاح أمور بيته، وحاله وهو يزاول العمل الذي يعيش منه، يتضح من ذلك لا معقولية متأصلة؛ لأنه يفترض منطقياً أن يتفانى، ويبدع أكثر في العمل الذي يعيش منه من باب (البقاء على قيد الحياة)، بينما في العمل الخاص يفترض أن يكون أقل جدية، وأقل إبداعاً؛ لأنه لن يحصل على أي عائد، فقد يكون العمل هذا لقضاء وقت الفراغ، ولكن الواقع يخالف ذلك، فالذي يعمل لنفسه نجده يبدع أكثر، ويتفانى أكثر وعمله أكثر صحية من عمله للغير، ويتقن ما يعمله فهو يعمل لاعباً، ويلعب منتجاً حين يتعلق الأمر بإصلاح بيته، ويعمل للغير حين يتعلق الأمر بكسب العيش، مع أنه من المفروض أن يعمل لنفسه في كل الظروف والأحوال، وعندما نفصل بين العمل الخاص، والعمل الرسمي (عمل للغير) نكتشف الداء، فلأن العمل الرسمي عمل للغير، ولأنه في الواقع عملاً أكثر منه (سخرة)، فالعامل يعلم سلفاً أنه باع هذا اليوم مرغماً، وكونه يحياه رغماً عنه، فلا يهمه كيف يحياه؛ لأن العمل تحول للغير؛ وبالتالي فالوجود تحول للغير.
فقد تحول العمل إلى بضاعة، تنتج بضاعة أخرى، وهكذا فالعامل (الإنسان) تحول إلى بضاعة (كم)، وكما يشير الاقتصاديون (قوة العمل)، فما يهم من العامل قدرته على العمل فقط، ووجدت أسواق تباع فيها قوة العمل كما تباع أية بضاعة أخرى، وأصبحت بورصات العمل سوقاً لتصريف القوة العاملة، واستهلاكها، وكل ذلك أصاب العامل في صميم وجوده، وتحول إلى مجرد أداة، فهو من وجهة نظر (ستالين) مكملاً للآلة؛ مما انعكس على الوضع الثقافي، والأخلاقي للعامل، وما يتبعه من مآس اجتماعية، وذلك خدمة لتحويله إلى بضاعة، والبضاعة كما معروف لا ثقافة لها، ولا أخلاق، وكل ذلك على حسابه كإنسان، وكل المحاولات المبذولة لنشر الثقافة والتعليم مرهونة بالقضاء على (الوجود – بضاعة)؛ ليحل محلها (الوجود – إنساناً).
بهذا المفهوم أصبح العامل يخضع لما تخضع له أية بضاعة في السوق الرأسمالي، حسب قانون مالتوس، والذي يعتمد على قانون (العرض – الطلب)، فإذا كان العرض أكثر من الطلب فالفارق بين المعروض والمطلوب مصيره (الفناء)، وهذا الحكم يصبح لا إنسانيا عند تطبيقه عندما يكون المعروض من اليد العاملة أكثر من المطلوب، فعندها لا مكان لهم، وليذهبوا إلى الجحيم، وهم كما ذكر سابقاً كمن يأتي إلى مأدبة، ولا يجد مكاناً يجلس، فليس أمامه إلا الخروج. فحياة العامل ومصيره أصبحت بيد أرباب العمل (القطط السمان)، كما هي بيد خالقه!!
فقرارهم بالاستثمار من عدمه يحيي أناساً، ويعدم آخرين!!
العامل أصبح نتيجة لما سبق يعاني اغتراباً في وجوده النوعي، وتحوله إلى وجوده الكمي جعله تحت رحمة سوق العمل الملحد الذي يبني المساجد والكنائس خوفاً من لناس.
النشاط الاقتصادي عملية ينتج فيها الإنسان ما يشبع حاجاته، وهذا هو الهدف الطبيعي والمنطقي، لأن القاعدة الطبيعية أن الإنسان يعمل ليشبع حاجاته المادية التي تتمثل في تحقيق وجوده، فالعمل من أجل الإشباع المادي هو تحقيق للوجود، والنشاط الاقتصادي في المجتمعات الماركسية، أو الرأسمالية فاقد للهدف الطبيعي والمنطقي، فهو بالنسبة للبعض تكديس للثروة، وللبعض الآخر – وهم الكثرة – البقاء على قيد الحياة، فالذي يتعامل مع الطبيعة لا يملك القرار فيما يعمل، والذي لا يتعامل مع الطبيعة يملك القرار، والعامل هو الذي يفصل بين الطبيعة، وصانع القرار.
العمل بعيداً عن أية اعتبارات هو من أجل الإنتاج، والإنتاج يهدف لإشباع الحاجات، وبين الإنتاج والهدف من الإنتاج نجد أن المنتج هو حلقة الوصل، إذن هو المنتج، وهو الهدف كمستهلك لإنتاجه، فالعلاقة بين الإنتاج وإشباع الحاجات علاقة مباشرة وبسيطة (غير معقدة)، وهذه القاعدة الطبيعية.
النشاط الاقتصادي ليس هدفاً بذاته، بل وسيلة لغاية إشباع الحاجات، لأن الإنسان يعمل لينتج ويشبع حاجاته، فالإنسان الهدف ونشاطه الاقتصادي وسيلة لبلوغه، هذا الهدف، وما انحرفت الجماعة البشرية إلا بعد أن خرجت عن هذه القاعدة الطبيعية فأصبح الإنسان ينتج ولا يعرف لماذا ينتج، ولماذا يعمل،ولم يعد تحقيقاً للوجود، وإشباعاً للحاجة.
انفصلت العلاقة بين العامل وإنتاجه لظروفٍ عدة، ثم بين الإنتاج والإشباع، ولم تعد هذه العلاقة مباشرة، مما يشير إلى أن طرفاً ثالثاً تدخل وهو ليس طرفاً من الأصل، ومكانه الطبيعي ليس هنا، مما أفسد العلاقة عندما فصل الإنتاج عن المنتج، وفصل الإنتاج عن إشباع الحاجات، وأي شكل للعلاقة يتم بوساطته، وهكذا استطاع هذا الطرف الثالث فصل العامل عن موضوع وجوهر عمله، فالحديد أمام الحداد والمطرقة في يده، لكنه مفصول عن الحديد وعن المطرقة بالوسيط صاحب المصنع، ولا يستطيع إشباع حاجته إلا بتدخل من الطرف الغريب عن العملية الإنتاجية وهو المالك، فالحداد لديه القدرة ولديه الحاجة إلى صنع الأبواب والشبابيك، لكنه عاجز لا يستطيع إلا بتوسط الطرف الثالث، لأنه يفترض أن ينتج ليحصل على إنتاجه لا جزء من عائد إنتاجه يمنحه إياه الوسيط، وكل عامل لا يستطيع الحصول على حاجته إلا عن طريق طرف ثالث، بل عليه أن يدفع له رسوماً حتى يسمح له بذلك.
والذي يعمل في مصنع للملابس، يحصل على أجر يعادل جزءاً يسيراً من إنتاجه، مثلاً أربع ساعات من ثمان، معنى هذا أنه يعمل أربع ساعات مجاناً لرب العمل، وإذا رغب في الحصول على كمية من الملابس لسد حاجته، عليه أن يتجه إلى وسيط آخر تحول إليه إنتاج العامل، ويضطر لأن يدفع رسماً (ضريبة) حتى يحصل على حاجته.
وبناءً على ذلك فالإنسان هنا يخسر مرتين:
الأولى: بموافقته تحت ضغط الحاجة للعمل لحساب آخرين، ولا يحصل إلا على نسبة من إنتاجه، الثانية: بقبوله الحصول على حاجته مقابل زيادة على السعر الحقيقي.
الإنسان الذي يقبل التنازل عن جهده لإنسان آخر، أو الذي يعمل أربع ساعات يومياً لصالح طرف آخر دون أي مبرر، لا يمكن أن يكون حراً، لأنه بإرادته لا يقبل أن يدفع أكثر من السعر الحقيقي، لكنه مضطر لقبول الاستغلال إذ (في الحاجة تكمن الحرية).
ونتساءل هنا ما مصدر قوة ربِّ العمل الذي يسلب العامل إنتاجه؟ الجواب نجده عند الوسطاء الذين يستمد منهم رب العمل قوته، فالقانون الذي نصَّ على حق التملك، نصَّ على وجود هذه الفئة، فالتاجر يستند إلى القانون الذي منحه رخصة تتيح له الحصول من أصحاب الحاجة على (أتاوة)؛ ليتمكن من إشباع حاجته.
هذه الإجابة المنطقية، بنفس الوقت تعتبر لا منطقية؛ لأنها تجعلنا نقع بدور منطقي أي أن يصنع الوسطاء القانون الذي يشرع (وساطتهم)، وما يترتب عليه من علاقات ظالمة، وجودها سابق على القانون، والشرعية حيث تؤسس الشرعية على مصالح الطرف الأقوى في العلاقات التي يحكمها منطق الأمر الواقع، ورغم ذلك يدعون تمسكهم بالشرعية والقانون؛ لكي ينجزوا (اغتراب الوعي) حين يتمكنوا من إقناع المحرومين بشرعية اللامشروع!
الهدف الأساسي للإنتاج هو إشباع الحاجات، ولكن ليس على حساب حرية الإنسان، ولن تكون هناك حرية ما دام بين الإنسان وإنتاجه حاجز، وبين إنتاجه وإشباع حاجاته حاجز، ولقد حذر بعض المفكرين من هذه الآثار المترتبة على وجود الوسيط (الحاجز)، يقول (قراكوس بابوف) يعلن بصراحة: (لا، للملكية الخاصة للأرض، إننا نطالب بالتمتع الجماعي بإنتاج الأرض، فالأرض ليست ملكاً لأحد).
وصرح روسو: (لقد ضعتم إذا نسيتم أن متع الأرض هي للجميع، وأن الأرض ليست ملكاً لأحد).
فالحاجة هي توتر يعاني منه الفرد، يحل بالإشباع، وهذا التوتر لا يقتصر على الوظائف البيولوجية، بل يمتد ليشمل الظواهر السيكولوجية، ويتسع ليشمل وجود الفرد ككل، فالحاجة تركيب وجودي، والنفس الإنسانية ما أن تشبع حاجة حتى تتجاوزها وتحاول تحقيق الحاجات الأخرى، فهي تحدد الحاجات التي يجب إشباعها، إن في هذا التجاوز للحاجة بعد إشباعها تحقيقاً؛ للذات؛ وإثباتاً للوجود.
وذلك لا يعني أن الإشباع فقط نفسي، لأن إشباع الحاجة يتطلب توافر عناصر مادية، فإشباع الجوع يحتم تناول الطعام، والملبس يتطلب وجود القماش، وليس من باب أن الحاجة تكون ذاتية، أو لا تكون موضوعية، وسنتناول الحاجة من حيث هي ذاتية موضوعية، وموضوعية ذاتية، أي سنتناولها ليس من حيث ظواهرها التي قد تكون ذاتية أو موضوعية، بل من حيث علاقتها بوجود الإنسان وحريته.
ظاهرياً فإن العلاقة بين الحرية والحاجة واضحة، ولا تحتاج نقاشاً فمن المسلم به أن من يمتلك حاجة فرد ما، فإنه يتحكم في حريته، وتجاربنا الحياتية تعزز ذلك، وتحرر هذا المحتاج مرهون بتحرير حاجاته، والقمع وحده هو الذي يحول دون الصراع بين المتحكمين في حاجات غيرهم، والمتعطشين للحرية الحقيقية، وطالما كان هناك من يتحكم في حاجات الإنسان سواءً أكان شخصاً أو مجتمعاً أو دولة، فستبقى حرية الإنسان ناقصة، فالاستغلال، والاستعباد أساسه الحاجة، ولا بد من تحرير حاجات الإنسان، فالحرية لا تتجزأ، وهذا ما تؤكده النظرية العالمية الثالثة، وقد أدى تجاهل العلاقة بين الحاجة والحرية في مجتمعات مختلفة إلى نتائج سيئة جداً على البشرية.
يجب فهم العلاقة الجدلية بين الحاجة والإشباع، وعلاقتها بوجود الإنسان، فلكي نفهم الحاجة والإشباع يجب، أن تتجاوز نظرتنا النظرة المادية الخارجية، أي من خارج الذات، حتى لا تقع في خطأ الماركسية، التي اعتبرت الإنسان حيواناً اقتصادياً، بل ننظر إليها من داخل الذات نفسها؛ لكي نعرف الطابع الوجودي الذي يطبع الحاجة؛ والذي يهدف إليه الإشباع.
فالحاجة متجددة وباستمرار، فما أن ننتهي من إشباع حاجة حتى نبدأ بإشباع حاجة أخرى، وفي ذلك دفعة للوجود، وهو سبب الرباط الوطيد بين وجود الإنسان وحاجاته، فهو يشبع حاجاته ليعيش، ويعيش ليشبع حاجاته، وفي ذلك التحام بين الوسيلة بالغاية دون تفريق، حيث يتبادل كل منها مكان الآخر، لذلك فإنه من الظلم الفصل بين الإنسان وحاجاته، لأن الإنسان حاجات، والحاجات إنسان، فالحاجة نسيج الوجود الإنساني، والتغيير والتطور في حاجاتنا بين فترة وفترة دليل على صحة ما نقول .
العلاقة الجدلية بين الوجود والحاجة هي التي تدفع التاريخ الإنساني نحو التطور والتقدم، وهي التي ميزت الإنسان عن الحيوان، فوجود الإنسان خالق الحاجة، ليس وجود محتاج.
إن بداية التاريخ بدأت منذ وعى الإنسان على حريته (قدرته على تجاوز الطبيعة)، بل وخضوعها له، وقبل ذلك كان الإنسان يصارع ضد الطبيعة عندما كانت مسيطرة على حاجاته، ثم أصبح صراعه ضد أمثاله الذين سيطروا على حاجاته، إلا أنه استطاع من تحرير حاجاته، وإنتاج أداة الإنتاج الأولى التي فرضت الاستجابة لحاجاته، ولا يعني هذا أن بداية التاريخ بدأ من إنتاج أول أداة إنتاج، فالتاريخ هو تاريخ تحرير الإنسان، وليس تاريخ تطور أدوات الإنتاج والتي هي وسيلة فقط.
إن النظام الاقتصادي في الجماهيرية هو نظام اشتراكي جديد يستند إلى الركن الاقتصادي، الفصل الثاني من الكتاب الأخضر – النظرية العالمية الثالثة – فالإنسان المنتج في المجتمع الاشتراكي الجديد إما أن يعمل لنفسه، وعائد إنتاجه له، وإما أن يعمل في مؤسسة اشتراكية يكن شريكاً في إنتاجها، وليس أجيراً، وإما أن يقدم خدمة للمجتمع، ويوفر المجتمع له حاجاته، وإما أن يكون عاجزاً، فيكفل المجتمع له حاجاته بما يمكنه من الحياة اللائقة الكريمة تحت مظلة الضمان الاجتماعي.
وملكية الحاجات الأساسية للإنسان مثل الدخل الذي يوفر الغذاء والكساء والمسكن والنقل، و كلها حاجات مقدسة، أي أنها حاجات لا بد من أن تتحرر من سيطرة الغير إذ "في الحاجة تكمن الحرية، وفي الحرية تكمن السعادة".
لقد تحول الصراع حول الحرية إلى صراع دام، يُباح فيه استخدام كل الأسلحة لحسم الصراع. فالمنافسة انقلبت إلى تبذير للثروة، وانتصار للكم على الكيف، وبذلك تحولت الثروة إلى المعيار المادي الذي وجَّه كل العلاقات الاجتماعية وجهةً أصبحت العلاقات على أساسها تقيّم مادياً، محدثة خللاً كبيراً في المجتمع، تحول فيه الإنسان إلى مجرد وسيلة لإنتاج الثروة، وإن كانت هذه الثروة تسلب منه، والرأسمالي، والذي أصبح هو نفسه حارساً للثروة ليمنع المحرومين من الوصول إليها، وطالما أن الغاية هي تكديس الثروة، وتحقيق أعلى ربح، فقد أصبح الإنسان وسيلة لغاية إنسانية، مما أفرز مفاهيم جديدة في العلوم الاجتماعية أساسها استغلال الإنسان للإنسان في خدمة مصالحه، ولأجل متعته في الاستغلال.
ونتيجة للمسألة الأولى فقد أصبح النشاط الاقتصادي للإنسان نشاطاً لا معقولاً، وغريباً والإنتاج لهدف لا معقول، وهو الربح الذي يجعل الإنسان في خدمة ما يجب أن يكون في خدمة الإنسان.
لقد تمرد المارد على القيم الأخلاقية، واستخدمها في خدمة أغراضه، وهذا الهدف اللامعقول أصبحت لديه كل الوسائل متاحة، لا فرق فيها بين الصالح وغير الصالح أخلاقياً.
ففي المجال الإجتماعي ،استغلت الرأسمالية القيم الإنسانية أبشع استغلال؛ فقتلت باسم المساواة شعوباً بأكملها، وقضت على ثقافاتها، وأودت دياناتها، ودثرت لغاتها.
وعلى هذه الأسس أصبح استثمار كلِّ شيء من أجل الربح جائزاً بل مطلباً، وكانت المرأة أُولى الضحايا، وتحولت إلى سلعة تستخدم للدعاية والإعلان، وترويج السلع، والدعاية الانتخابية، وأصبحت تجارة الجنس مصدراً للإثراء، وانتشرت الدعارة الرسمية تحت مسميات عديدة (نوادي السهرة)، (مراكز المساج)، (نوادي العزّاب)، وشاعت المجلات والأفلام الإباحية، وحاز الهاجس الجنسي على مساحة واسعة من اهتمامات العديد من شرائح المجتمع، ولا سيما الشباب، مما أفقد العلاقة الأساسية للأسرة قدسيتها وطهارتها، وتحولت لعلاقة تجارية بهدف الإثراء، مما أدى إلى البحث عن علاقات أخرى على حساب العلاقة الطبيعية، بعد أن أصيبت المرأة بالبرود رغم كل ظواهر عريها وتبرجها، وكذلك الرجال أيضاً، فانتشر الشذوذ الجنسي بكل أنواعه في المجتمعات الغربية محدثاً زلزالاً اجتماعياً.
وكل ذلك أدى إلى خروج المرأة للعمل في ظل الانقلاب الصناعي؛ وذلك للحاجة للأيدي العاملة، وبحجة حاجة المرأة إلى التحرر من العبودية، لكن ذلك أوقعها في عبودية أشد، وأفقدها ما يميزها عن الرجل من أُنوثة ورقة ودفء، وتعاني ما يعانيه الرجل، دون أي اعتبار لتكوينها البيولوجي، ولكن بالرغم هذه التضحية بأنوثتها، فالمرأة تحصل على أجرة أقل من الرجال دائماً، ناهيك على أَنَّ خروجها للمصنع دمر الأسرة، وشتت الأطفال، وظهرت الجرائم الاجتماعية بشكل أكثر وضوحاً، وكل ذلك بسبب فقدان العلاقة الأسرية السليمة؛ حيث حُرم الأطفال من براءة الطفولة، ومن دفء الأبوة، وحنان الأمومة، وحُرموا من قيم المجتمع وأخلاقه، مما أفقدهم أي ارتباط بالمجتمع وبالتالي سهل التمرد عليه.
لقد أصبحت الجريمة مربحة، بل صارت مشروعاً اقتصادياً له موازنته الخاصة، وأرباحه الطائلة، وعلى مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، أصبح انتشار الجريمة بكل أنواعها أمراً بديهياً، ولم يعد هناك فرق بين سرقة نقود المستهلكين في المتاجر والمحلات، وبين السطو على المتاجر والمصارف، واستغلال المرأة كأداة للمتعة، وإشباع الشهوة، لا يختلف ذلك عن استغلالها في المصنع.
الرأسمالية الجشعة شتت أفراد المجتمع، وجعلتهم أنانيين باحثين عن مصالحهم، فلأن التقييم مادي، أصبحت أي علاقة اجتماعية علاقة مادية بحتة، فالرجل يبحث عن المرأة التي لها دخل حتى تقاسمه الإنفاق على البيت، والفتاة عندما تبلغ سن الرشد تبحث عن مصدر رزقها بأية طريقة كانت!!
فقد طحنهم السوق الرأسمالي، ومزقهم الطمع والجشع؛ لأن معيارهم المادي هو أساس تقييم أية علاقة، وقد جسّد ذلك المثل الأمريكي: (الوقت نقود)، فيجب أن يستغل؛ لتحقيق أعلى عائد ربحي، حتى العجزة وكبار السن لا يجدون من يحادثهم؛ لأن محادثتهم غير مجدية اقتصادياً؛ ولا تحقق عائداً نقدياً، ولا المحتاج لمعونة يجد آذاناً صاغية فامتلأت الملاجئ بالأطفال والآباء والأمهات الذين أصبحوا عبئاً على ذويهم، ولا وقت للاهتمام بهم.
إن المارد الاقتصادي ارتد على صانعه، والمجتمع الرأسمالي أصبح من المجتمعات ذات الهرم السكاني المقلوب؛ بحيث أصبح العجزة وكبار السن خمسة أضعاف الأطفال، فالفلسفة الرأسمالية أظهرت سمات جديدة للمجتمعات الرأسمالية من أهمها:
المرأة البرجوازية التي تميل إلى النسل القليل؛ حفاظاً على جمالها ورشاقتها، كما أن وقتها لا يسعفها؛ لأن لديها الحفلات والسهرات والجري وراء الموضة، وكل ذلك على حساب الأطفال؛ والمسؤولية المترتبة عليها لهم.
تغليب الجانب الأناني أدى إلى انتشار نوع من العلاقات الحرة، والتي لا تؤدي للزواج ولا إلى أطفال، فقد ساد هذا النوع من العلاقات لدى الطبقة الوسطى (البرجوازية الصغيرة)؛ مما أدى إلى انعدام الثقة في المستقبل تطبيقاً لمقولة (عش يومك).
بالنسبة للطبقة الفقيرة فإن ولادة أي طفل جديد تعني عبئاً اقتصادياً: (مأكل، مشرب، تعليم، علاج...).
فالدخل ثابت، ولا يتناسب مع حجم الأسرة مما يؤثر سلباً انخفاض مستوى المعيشة بالنسبة للأسرة، وزيادة الأجور لا تحل المشكلة؛ لأن ارتفاع الأسعار يجعلها عديمة الفائدة.
أما في المجال الثقافي فإن القاعدة التي تسيّر العلم والثقافة، هي: "إن لكل شيء ثمن، ومن لا يملك الثمن لا يحصل على شيء"، فمن لا يملك ثمن الكتاب لا يحصل عليه، وما عليه إلا التشرد، وبيع عضلاته في سوق العمل، فقد أصبح التعليم لرؤوس الأموال، والطالب مشروعاً استثمارياً، حيث تمنح بعض المصاريف سلفاً؛ للقيام بالدراسات، العليا في تخصصات معينة (مضمونة الدخل) على أن تسدد السلفة بفوائدها بعد التخرج، حيث يضطر المتعلم بعد إنهاء الدراسة إلى إعادة النقود، وتحقيق الأرباح اللازمة وبكل الوسائل المتاحة، وهكذا يتحول الطب والهندسة والمحاماة إلى وسائل لتحقيق الثروة، فالعلم في هذه المجتمعات رأسمالي المنشأ والهدف، كونه تمرد على القيم الأخلاقية، مثله مثل النشاط الاقتصادي، وأنَّ دعوة موضوعية العلم لا تغني أكثر من إبعاده عن القيم الأخلاقية، والتي أدّى غيابها إلى:
أن يقوم الصيادلة ببيع المواد المخدرة لمدمني المخدرات؛ لنسيان الواقع الأليم الذي يعيشون.
أن يتحول المحامون إلى باحثين عن ثغرات في القانون لصالح من يمتلكون ثمن أتعاب المحاماة، وكثيراً ما ينجحون في تبرئة مجرم، لتتضاعف الأتعاب.
أن يقوم الأطباء سراً بإجهاض الحوامل اللاتي حملن بلا إرادة، أو نتيجة علاقة غير شرعية مقابل المال.
أن تستحدث الأجهزة، وتقام بنوك للأعضاء الطبيعية، وأن يكون هناك متخصصون في أدق العمليات الباهظة الثمن من أجل علاج الذين يمتلكون المال، بينما يموت الذين فقدوا الحد الأدنى من العلاج لأنهم؛ لا يملكون الثمن.
أن يبني المهندسون مدناً كالسردين، تخنق الإنسان وتحرمه من الخضرة ومن الفضاء، ويصيبه الدوار من العمارات الشاهقة.
والعلم الذي كان وسيلة لسعادة الإنسان وراحته، وإشباع حاجاته أصبح في النظام الرأسمالي خادماً للرأسمال، وغابت القيم الأخلاقية، وهكذا تحول العلم إلى وحشٍ يقتل الإنسان، ويدمر حياته، فالآلة حلت محل الإنسان، وجعلت مئات الآلاف من العمال بلا مأوى مما قادهم إلى تدمير الآلات، والنقمة على العلم لجهلهم بالأسباب الحقيقية لهذه الوضعية المؤلمة.
وهكذا فالبطالة انعكست سلباً على الاستهلاك وانخفضت القوة الشرائية، وزحف الكساد الذي يعني المزيد من البطالة، فالأزمة الاقتصادية يذهب ضحيتها من ليس السبب فيها.
فالتقدم العلمي يفترض أن يقود الإنسان للسعادة، ويوفر له الأمن الغذائي والسكن المريح ووسيلة التنقل، ولكن هذا لم يحدث؛ لأن غياب القيم الإنسانية جعلت الإنسان يعيش أوضاعاً خطرة على الإنسانية كلها، فقد تحولت الذرة إلى سلاح يهدد العالم كله بالدمار، والطائرات ناقل لهذه الأسلحة الفتاكة، بدلاً من الاختراعات التي تكافح الفقر والمرض والجوع، فالعالم غير آمن، والسلام القائم الآن سلامٌ هش قائم على (توازن الرعب)؛ فمصير البشرية بأكملها مرتبط بشخصٍ ما في البنتاغون أو في مكان آخر، بضغطة زر ينهي العالم.
كل ذلك ما كان ليحدث لولا النظم التي جعلت هدفها تكديس الثروة على حساب القيم الإنسانية، فأين الحضارة إذن من كل ذلك؟!.
لقد حولت الرأسمالية الإنسان إلى عبد بسلاسل جديدة ناصعة وقوية، ازدادت متانتها، واختلف شكلها، وتحول الإنسان في المجتمع الرأسمالي إلى آلة فاقد للحرية والعدل، وحاجته غير مشبعة، فالقاعدة السائدة، هي: من يملك فقط يتمكن من إشباع حاجاته على حساب غيره صاحب الحاجة، ومن يملك الثمن يتعلم، والآخرون لهم الجهل، ومن يملك الثمن يحكم، فالانتخابات في المجتمع الرأسمالي مشروع تجاري؛ لأن المرشح لرئاسة الجمهورية ينفق أو تُنفق بالنيابة عنه المبالغ الباهظة، يُفعل ذلك لصالح من دفع الثمن، وليس لصالح المجتمع.
أما في البرلمانات فالصورة أيضاً بشعة، فنواب الرأسمالية ينطبق عليهم قول:
ادفع اليوم لتحصل غداً على أضعاف ما دفعته، حتى السياسة أصبحت غطاءً شرعياً، يخفي عمليات غير مشروعة؛ لتحقيق أرباحٍ خاصةٍ، وتحول الإطلاع على أسرار الدولة إلى وسيلة للثراء السريع، وتتحول سلطة التشريع إلى وسيلة للضغط أو المساومة، من أجل المصلحة الخاصة، لا للمطالبة بمصالح الشعب الغائب مستعيضاً عنه بالنائب.
أضف لذلك أن التنظيم الحزبي تحول الفرد فيه إلى أداة بيد الحزب الذي يلتهم أعضاءه الذين أسسوه رغم أنهي يفترض أن يكون وسيلة، إلا أنه يتحول بمجرد وجوده إلى هدف يلتهم حرية أعضائه. وتحتدم الصراعات ويظهر الأمين العام فرداً متجبراً ينيب نفسه عن كل الحزب، وهنا لا فرق بين الحزب الواحد، وتعدد الأحزاب؛ لأن هذا التعدد يظهر جلياً للحظات كل بضع سنوات، عندما يرمي الناخبون أوراقهم في صناديق الاقتراع.
فلذلك من الطبيعي ظهور أكثر الديكتاتوريات في ظل الديمقراطيات النيابية، ونماذج الفاشية، النازية. يؤكد ذلك، ولا تختلف الماركسية في ذلك:-
الماركسية جاءت بدكتاتورية الحزب الواحد مؤكدة أنها ابنة الرأسمالية الجديدة.
والرأسمالية تحمل سياسياً بذور النظم التي تعادي الحرية، وتستعبد الإنسان حتى إن مفكري الليبرالية أنفسهم يعترفون بأنه بين النظم الدكتاتورية المباشرة، والنظام النيابي شبه المباشر فاصل هش يمكن تحطيمه بسهولة، والتزام الأطراف المتصارعة بقوانين (اللعبة الديمقراطية) ضمان لاستمرار الفاصل. لكن لا يوجد ما يمنع طرف ما من تسليح مجموعة سريعة ينكرها علانيةً لكنه يدعمها سراً للإطاحة بخصومه إذا لزم الأمر. فعالم اليوم يفتقد جوهره الإنساني، عالم يتحارب فيه الأغنياء فيموت الفقراء!، ولذلك فلباسكال الحق حين قرر إن ضعف الرعية قوة للملوك، وضعف الفقراء قوة للأغنياء؛ فالأقوياء دائماً يحكمون. ولن يكون الحل إلا بالثورة الشعبية لتحطيم هذا العالم المجنون الذي أصبح الانقسام فيه يسود كل شيء، انقسام إلى متعلمين وجهلة، متقدمين، ومتخلفين، سادة وعبيد، حتى الموتى هناك قبور فخمة للأغنياء، وحفر يدفن فيها العامة!!
الثورة هي قوة الضعفاء، وهي أمل اليائسين، وهي حرية المستعبدين، ثورة من أجل مستقبل تتحقق فيه الحرية بالممارسة المباشرة والعلاقات الاجتماعية، في جوهرها الإنساني الصحيح.
إنَّ الحرية السياسية في النظم التي تدّعيها فارغة المحتوى، والإنسان فيها ليس حراً على الإطلاق، وعلاقات الإنتاج الرأسمالية تجعل من ادعاء الحرية وهماً لا معنى له. أما المجتمعات الأخرى التي تدّعي توفير لقمة العيش، فإن انعدام الحرية فيها ينفي وجود أي ضمانة للحصول عليها، كما يعني الحط من قيمة الإنسان فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ولذلك تظهر استحالة التوفيق بين الاثنين، فأيهما يختار، هل يفقد حريته، ويملأ بطنه؟ أم يحصل على حريته ويموت جوعاً؟ أم هل من الممكن أن يكون حراً، ولا يموت جوعاً؟؟؟
لقد صادر النظام الرأسمالي حرية الإنسان اقتصادياً، بتحكم القلة في حاجات الكثرة مقابل حرية التظاهر في الشارع، ولعن الحكومة والأثرياء، أما النظام الماركسي فقد حرمهم من هذه الحرية مقابل الإشباع المادي بحدوده الدنيا، والحرية لا تتجزأ، ولا تستقيم إلا على قاعدتين: قاعدة سياسية، وقاعدة اقتصادية.
بين الرأسمالية والماركسية
إن التعارض بين الماركسية والرأسمالية يكون في المظهر، وليس في الجوهر، فالرأسمالية لم تكن حلاً للمشكلة الاقتصادية، والماركسية لم تقدم حلاً لهذه المشكلة، والرأسمالية لا تقل إلحاداً وماديةً عن الماركسية، فهي تؤمن بذات الرب الذي تعبده الماركسية، وما مظاهر اهتمامها بالكنائس إلا خوفاً من الجماهير.
الماركسية والرأسمالية تعتقدان أنه لا تعارض بين صالح الفرد وصالح الجماعة، فقد أعلن (لينين) بصراحة أنه من واجبنا أن ندخل مدرسة رأسمالية الدولة – الألمانية، وألا نتعفف عن أي تنظيم دكتاتوري، لكي نحققه في روسيا، وحدد هدف البلاشفة في ضمان أداء كل كادح لواجبات الدولة.
وهذا مؤشراً إلى مصالح الجماعة، التي ضمنت الفرد تحت وطأة جهازها الهائل.
أما الرأسمالية فتخالف الماركسية في الاتجاه، فليس ما يصلح للجماعة يصلح للفرد بل العكس ما يصلح للفرد، يصلح للجماعة، وهذا ما جسده وزير دفاع أمريكي سابق، وهو أحد مديري شركة (جنرال موتورز) العالمية، قائلاً: "إن ما يصلح لشركة جنرال موتورز يصلح لأمريكا"، إن بضعة أفراد أصبحوا هم المجتمع.
والعجيب أن منظري الرأسمالية لا يجدوا في تركز الثروة أي تعارض مع مصلحة الأغلبية الساحقة، لكن الكادح والعامل يعلم أن مصلحة (جنرال موتورز) ليست مصلحته، وأن تسرح شركة آلاف العمال ليس في مصلحتهم، وقد أدى تركز الثروة لدرجة أصبحت الشركات متعددة الجنسيات تمتلك من السلطة والنفوذ، ما يفوق سلطة الحكومات (الوطنية) حتى في الدول الصناعية.
وهكذا يظهر جلياً التناقص بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، ويظهر زيف الادعاءات الكاذبة، فلقد اعترف (لينين) وهو، يحتضر: (إن الدولة لم تتحقق كما يريدها، محاولاً الاعتذار عما وصلت إليه الدولة، والتي صار طبيعياً أن يتولاها (ستالين)، وأن يتوّج التضحية بالأفراد في سبيل الجماعة، بينما الرأسمالية لم يكن همها حل المشكلات بل التعايش معها بحلول ٍ وسط، ومساومات، وبالإجبار أحياناً.
وفي نفس السياق قال المنظر الجماهيري الدكتور رجب أبو دبوس: الديمقراطية الليبرالية سخافة عاطفية، والفاشية سخافة انفعالية والماركسية سخافة عقلية لا يمكن لفكرة منها أن تنتصر على الأخرى.
ومن الجدير بالذكر أن الرأسمالية ظهرت على أنقاض الإقطاعية في المجتمع الأوروبي، وأدى ذلك إلى ظهور بعض الممارسات، في المجال الاقتصادي، حاول المفكرون تبريرها، وإيجاد مسوغاً لها، وهي محاولات لم تنطلق من وجود مشكلة، رغم وجود المشكلة التي تفاقمت بسبب الرأسمالية، بعيداً عن الحاجة الملحة لوجود حل إنساني، فالأغلبية الفقيرة مضطهدة ونصيبها من ثروة المجتمع قليل جداً، أو البطالة والبؤس متفشيان، مع ما يترتب على ذلك من انحلال وتفكك في البناء الاجتماعي، وقمع داخلي وخارجي، فالسلطة هنا قمعية مهما تستّرت بشعارات الديمقراطية.
والنتيجة المنطقية لتبرير هذه الممارسات من قبل النظم القائمة هي في فصل الاقتصاد عن الأخلاق ظاهرياً، بدعوى الموضوعية والعلمية، وتطبيق المنهج العلمي على الوضع الاقتصادي، والحقيقة تتلخص في أن:
النشاط الاقتصادي أصبح مؤسساً على علاقات ظالمة، يستعبد فيه الإنسان أخاه الإنسان، ومتعارضاً مع القيم الأخلاقية، فكان لا بد من الابتعاد عن الأخلاق، لإبعاد هذه الحكم القيمي. وهذا ما حصل، وهكذا فقد صار النشاط الاقتصادي يستخدم الأخلاق لمآربه وهي أخلاق صيغت بمفاهيم جديدة أساسها تكريس العلاقات الظالمة، كما أن الثروة صارت مصدر القيم الأخلاقية، فالذي يملك أكثر، أكثر عقلاً وأخلاقاً.
والأخلاق صارت مصدراً اقتصادياً لا يستهان به، ولم يعد أي فحش أو جنون يصدم مجتمعاً جعل من الفحش تجارته الرابحة، وأضفى عليها طابع المؤسسة.
إن الرأسمالية تنظر لهذه المشكلات على أنها طبيعية، ولا بد منها لتقدم المجتمع وزيادة الإنتاج، وقد بذل عباقرة الاقتصاد وآباء الكنائس جهودهم؛ لتبرير ذلك؛ ومن أجل راحة ضمير الرأسمالية لدرجة أن الكنيسة تساءلت يوماً، هل للهنود روح"، كي تبرر الاستنزاف والاستغلال الذي يتعرضون له على يد (شركة الهند)، ونادى (كاتو) باستغلال العبيد بغاية القسوة، لدرجة أن الكنيسة أعلنت صراحة في الرسالة البابوية في العام الأربعين: (إن النظام الرأسمالي ليس شرّاً في ذاته).
ويتوالى الاقتصاديون في تبرير العلاقات الظالمة (فمنديفل) يؤكد: (إن فاقة الجوع ظاهرة طبيعية تقيد المجتمع، ويجب أن تبقى كذلك، ومن السهل أن تعيش دون نقود من أن تعيش دون فقراء)، أما (جون لو) فإنه يصرح: "إن الفقر والبطالة أهم سبب من أسباب ثروتنا".
كل هذه التبريرات سواءً التي تجعل التكفير عن خطيئة آدم من نصيب الرقيق، أو التي تجعل التضحية من أجل تقدم المجتمع من نصيب الأغلبية الساحقة نتيجتها، أن الغالبية العظمى من المجتمع لا تستأثر بأي عائد من تقدم المجتمع، بل تدفع ثمن رفاهيته، وثراء الأقلية من المجتمع، فالمصالح الخاصة تستتر تحت شعار المصالح العامة، ولذلك فإن إعادة طرح المشكلة الاقتصادية لا يمكن أن يكون إلا من زاوية أخلاقية.
والنظريات التي وجدت اعتبرت البطالة أمراً لازماً للصناعة، لأن وجودها يعني وجود احتياطي من العمال يضغط على سوق العمل، وبالتالي تنخفض الأجرة، وتصبح المنافسة بين العمال تنافساً من أجل الحصول على حد الكفاف لتأمين متطلبات الحياة الأساسية، ويصبح مستوى حياة العمال في تدنٍ مستمر، ويؤدي ذلك بالتالي إلى زيادة الأرباح، ورخص الأجور،وقلة الاستهلاك بسبب جيش البطالة، وقلة الاستهلاك تؤدي إلى تكدس البضائع؛ لأن النسبة الغالبة في المجتمع لا تملك أية قوى شرائية وهذا يقود إلى الكساد الاقتصادي؛ والمزيد من البطالة وهذا يعني غياب القوة الشرائية عن السوق (قلة الاستهلاك).
وهذا ما يبرر محاولات الاقتصاديين لحل مشكلة البطالة من باب تأثيرها في الاستهلاك، وعلى ترويج السلع وانعكاسات ذلك على الأرباح، وليس بدافع إنساني لضمان حق كل إنسان في حياة كريمة تشبع فيها حاجات، وهذه النطرة تعرف بـ (مجتمعات الاستهلاك)، والتي ينظر للإنسان فيها على أنه مستهلك.
ولذلك، فإن الموضة تبطل بسرعة، لزيادة الاستهلاك، والمبدأ هنا (استهلك أنت لكي أربح أنا)، سواءً كنت محتاجاً لهذا الاستهلاك أم لا.
والرأسماليون ينظرون للفقر والحاجة على أنها ظواهر ضرورية، ولا بد أن تحدث مثل (آلام الولادة)، والمطلوب من الفقراء الصبر واحتمال كل ما ينجم عن ذلك إسهاماً منهم في تقدم المجتمع؛ لأن الفقر هو قدرهم.
ومعظم النظريات الاقتصادية تعتبر الملكية حقاً طبيعياً لا يجوز مناقشته، بل قررت بعضها إن الملكية غريزة فطرية لا يجوز المساس بها، وأخرى اعتبرتها حقاً مقدساً لا يجوز لمن آمن بالله الطعن فيه، ولكن هذه النظريات جميعاً في تبريرها للملكية تناست أن تفسر لنا إذا كانت الملكية غريزة فَلِمَ القلة تملك، والكثرة لا تملك؟ بينما المنطقي أن يتمكن الجميع من إشباع غريزة التملك، وإذا كانت حقاً مقدساً فلما تتمتع به الأقلية، وتحرم منه الغالبية؟
القليل من المفكرين الاقتصاديين تطرقوا لمسألة الملكية مثل: (ماركس) و (روسو)، لكن تطرقهم كان رد فعل مضاد، وليس في الاتجاه الصحيح، بينما المفكرون التقليديون تطرقوا إلى ظواهر السوق من حيث تأثيرها في الربح، وثروة الرأسمالي.
لقد تمكن الفارون من الإقطاعيات من تكوين ثروة بعد تحولهم إلى وسطاء، وثروتهم ساعدتهم في محاولة السيطرة على الإقطاع، ولكن ملاك العقارات لم يرضهم أن تصبح الأرض في المرتبة الثانية من حيث مصدر الثروة، وما يترتب عليه من أضرار بالربح المتحقق من الأرض، وهناك فريق ثالث بدأ يشق طريقه ببطء ولكن بإصرار، وهو طريق الرأسمال، الذي أصبح يستخدم التجارة والصناعة والأرض، بل يستخدم الرأسمال نفسه، ليضمن الربح في الأرض؛ أو التجارة؛ أو الصناعة.
لقد حاولت النظريات التبريرية أن تجعل من ذلك قدراً، أو وظيفة اجتماعية؛ لأن هذه النظريات اكتفت – بدعوى العلمانية – بما هو واقع، ولم تبحث ولم تفسر لنا كيف وصلنا إلى هذا الواقع، وهل هو واقع دائم لا يتغير، والجواب نجده عند كبار ملاك العقارات، والشركات الذين أسندوا الوظائف العليا إلى هؤلاء الاقتصاديين أصحاب هذه النظريات.
كل النظريات التي ترفض حرية الإنسان، تقلل من مسئوليته عن واقع حياته سواءً نظريات سياسية أو اقتصادية وغيرها، هي في الواقع تبرر الظلم والاضطهاد، لتكريس الوضع القائم سواءً في الحتمية التاريخية، أو الجبرية الدينية، إنها تشير إلى أن الذين تحققت مصالحهم، وسيطروا على السلطة والسلام ضد الجماهير يخشون المستقبل، ولا يثقون به، ويخشون حرية الإنسان؛ لأنها تطيح بهم وبمصالحهم، لذلك فإن معاداة الجماهير هي السمة التي تميز أصحاب هذه النظريات.
كل النظريات التي ترفض حرية الإنسان، وتخفي عنه مسئوليته عن واقع حياته سواء نظريات سياسية، أو اقتصادية، وغيرها، هي في الواقع تبرر الظلم والاضطهاد، لتكريس الوضع القائم سواء بالحتمية التاريخية، أو الجبرية الدينية، إنها تشير إلى أن يخشون المستقبل، ولا يثقون به، ويخشون حرية الإنسان؛ لأنها تطيح بهم، وبمصالحهم، لذلك فإن معاداة الجماهير هي السمة التي تميز أصحاب هذه النظريات.
وفي ظل هذه المفاهيم الرأسمالية المتجبرة بالإنسان، والمجهضة لإبداعاته، فقد أصبح العمل الذي كان يشير إلى علاقة مع البيئة المحيطة، ومع الطبيعة أداة استعباد، ولأن العمل لا يهدف لإشباع الحاجات فقط، بل تحقيق الوجود الإنساني، ولو أشبع الإنسان حاجاته فإنه يبقى في حاجةٍ إلى العمل الذي يتحرر به من سيطرة الطبيعة، ومن سيطرة الصدفة، وفي الإنتاج ينطبع وجود الإنسان، وبالعمل يوجد الإنسان، فالعمل لا يعني إنتاج ما يشبع الحاجات فقط بل يتخطى ذلك إلى قدرة الإنسان على الخلق، فوجود الإنسان ينطبع على كل ما ينتجه، فالباب يجسد يوم عملٍ بالنسبة للحداد؛ لأن جزءاً من وجود هذا الحداد تحول إلى عملٍ جسّده الباب، ويقول مفتخراً: هذا صنعي، هذا مبرر وجودي! وكذلك الحال بالنسبة للمزارع الذي غرس شجرة فإن يداه تعني تجسيداً لعدة سنوات، حتى كبرت الشجرة، وصارت تعطي الثمار، فالعمل يعطي للوجود مبرراً وبدونه يصبح الوجود لا معنى له، فالأغنياء الذين لا يعملون يفقدون الإحساس بالوجود، ولا يستطيعون أن يقتلوا وقتهم بشيء، فيقتلهم وقتهم دون أن يبرروا وجودهم.
بعد كل يوم عمل يشعر الإنسان أنه لم يمر يومه هدراً، وأنه عاش يومه فيشعر بالراحة والرضى، وسيظل شامخاً موجوداً، بالباب الذي صنعه، وبالبناء الذي شيده، والشجرة التي زرعها، في طل إنجازٍ مهما قل شأنه، إن العمل يخلّد الإنسان، وكأنه امتدادٌ له، فالرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يرزقه الله بالبنين، لكن جهده ورسالته خلّدتاه.
وهذا يشير إلى أن يصبح العمل لذة وهواية، لأن الهدف الوجودي يعني أن العمل ممارسة، وتحقيق لهذا الوجود، ونحن نشعر بلذةٍ أمام إنتاجنا، ومتعة أعمالنا تنسينا التعب الجسمي، ولا نعود نشعر معها بمللٍ وإرهاق.
ولكن ما ذُكر يخالف الواقع، فالإنسان يذهب لعمله وهو كارهٌ، وينظر لإنتاجه على أنه عدوه الذي يسرق وجوده، وينتظر انتهاء يومه على أحر من الجمر، ونتساءل لماذا يتعب الإنسان، وهو يعمل – بنفس القدر – ولا يتعب حين يقوم بخدمة نفسه، أو حين يلعب؟؟
عندما نوازن بين حال الإنسان وهو يعمل لنفسه في وقت فراغه لإصلاح أمور بيته، وحاله وهو يزاول العمل الذي يعيش منه، يتضح من ذلك لا معقولية متأصلة؛ لأنه يفترض منطقياً أن يتفانى، ويبدع أكثر في العمل الذي يعيش منه من باب (البقاء على قيد الحياة)، بينما في العمل الخاص يفترض أن يكون أقل جدية، وأقل إبداعاً؛ لأنه لن يحصل على أي عائد، فقد يكون العمل هذا لقضاء وقت الفراغ، ولكن الواقع يخالف ذلك، فالذي يعمل لنفسه نجده يبدع أكثر، ويتفانى أكثر وعمله أكثر صحية من عمله للغير، ويتقن ما يعمله فهو يعمل لاعباً، ويلعب منتجاً حين يتعلق الأمر بإصلاح بيته، ويعمل للغير حين يتعلق الأمر بكسب العيش، مع أنه من المفروض أن يعمل لنفسه في كل الظروف والأحوال، وعندما نفصل بين العمل الخاص، والعمل الرسمي (عمل للغير) نكتشف الداء، فلأن العمل الرسمي عمل للغير، ولأنه في الواقع عملاً أكثر منه (سخرة)، فالعامل يعلم سلفاً أنه باع هذا اليوم مرغماً، وكونه يحياه رغماً عنه، فلا يهمه كيف يحياه؛ لأن العمل تحول للغير؛ وبالتالي فالوجود تحول للغير.
فقد تحول العمل إلى بضاعة، تنتج بضاعة أخرى، وهكذا فالعامل (الإنسان) تحول إلى بضاعة (كم)، وكما يشير الاقتصاديون (قوة العمل)، فما يهم من العامل قدرته على العمل فقط، ووجدت أسواق تباع فيها قوة العمل كما تباع أية بضاعة أخرى، وأصبحت بورصات العمل سوقاً لتصريف القوة العاملة، واستهلاكها، وكل ذلك أصاب العامل في صميم وجوده، وتحول إلى مجرد أداة، فهو من وجهة نظر (ستالين) مكملاً للآلة؛ مما انعكس على الوضع الثقافي، والأخلاقي للعامل، وما يتبعه من مآس اجتماعية، وذلك خدمة لتحويله إلى بضاعة، والبضاعة كما معروف لا ثقافة لها، ولا أخلاق، وكل ذلك على حسابه كإنسان، وكل المحاولات المبذولة لنشر الثقافة والتعليم مرهونة بالقضاء على (الوجود – بضاعة)؛ ليحل محلها (الوجود – إنساناً).
بهذا المفهوم أصبح العامل يخضع لما تخضع له أية بضاعة في السوق الرأسمالي، حسب قانون مالتوس، والذي يعتمد على قانون (العرض – الطلب)، فإذا كان العرض أكثر من الطلب فالفارق بين المعروض والمطلوب مصيره (الفناء)، وهذا الحكم يصبح لا إنسانيا عند تطبيقه عندما يكون المعروض من اليد العاملة أكثر من المطلوب، فعندها لا مكان لهم، وليذهبوا إلى الجحيم، وهم كما ذكر سابقاً كمن يأتي إلى مأدبة، ولا يجد مكاناً يجلس، فليس أمامه إلا الخروج. فحياة العامل ومصيره أصبحت بيد أرباب العمل (القطط السمان)، كما هي بيد خالقه!!
فقرارهم بالاستثمار من عدمه يحيي أناساً، ويعدم آخرين!!
العامل أصبح نتيجة لما سبق يعاني اغتراباً في وجوده النوعي، وتحوله إلى وجوده الكمي جعله تحت رحمة سوق العمل الملحد الذي يبني المساجد والكنائس خوفاً من لناس.
النشاط الاقتصادي عملية ينتج فيها الإنسان ما يشبع حاجاته، وهذا هو الهدف الطبيعي والمنطقي، لأن القاعدة الطبيعية أن الإنسان يعمل ليشبع حاجاته المادية التي تتمثل في تحقيق وجوده، فالعمل من أجل الإشباع المادي هو تحقيق للوجود، والنشاط الاقتصادي في المجتمعات الماركسية، أو الرأسمالية فاقد للهدف الطبيعي والمنطقي، فهو بالنسبة للبعض تكديس للثروة، وللبعض الآخر – وهم الكثرة – البقاء على قيد الحياة، فالذي يتعامل مع الطبيعة لا يملك القرار فيما يعمل، والذي لا يتعامل مع الطبيعة يملك القرار، والعامل هو الذي يفصل بين الطبيعة، وصانع القرار.
العمل بعيداً عن أية اعتبارات هو من أجل الإنتاج، والإنتاج يهدف لإشباع الحاجات، وبين الإنتاج والهدف من الإنتاج نجد أن المنتج هو حلقة الوصل، إذن هو المنتج، وهو الهدف كمستهلك لإنتاجه، فالعلاقة بين الإنتاج وإشباع الحاجات علاقة مباشرة وبسيطة (غير معقدة)، وهذه القاعدة الطبيعية.
النشاط الاقتصادي ليس هدفاً بذاته، بل وسيلة لغاية إشباع الحاجات، لأن الإنسان يعمل لينتج ويشبع حاجاته، فالإنسان الهدف ونشاطه الاقتصادي وسيلة لبلوغه، هذا الهدف، وما انحرفت الجماعة البشرية إلا بعد أن خرجت عن هذه القاعدة الطبيعية فأصبح الإنسان ينتج ولا يعرف لماذا ينتج، ولماذا يعمل،ولم يعد تحقيقاً للوجود، وإشباعاً للحاجة.
انفصلت العلاقة بين العامل وإنتاجه لظروفٍ عدة، ثم بين الإنتاج والإشباع، ولم تعد هذه العلاقة مباشرة، مما يشير إلى أن طرفاً ثالثاً تدخل وهو ليس طرفاً من الأصل، ومكانه الطبيعي ليس هنا، مما أفسد العلاقة عندما فصل الإنتاج عن المنتج، وفصل الإنتاج عن إشباع الحاجات، وأي شكل للعلاقة يتم بوساطته، وهكذا استطاع هذا الطرف الثالث فصل العامل عن موضوع وجوهر عمله، فالحديد أمام الحداد والمطرقة في يده، لكنه مفصول عن الحديد وعن المطرقة بالوسيط صاحب المصنع، ولا يستطيع إشباع حاجته إلا بتدخل من الطرف الغريب عن العملية الإنتاجية وهو المالك، فالحداد لديه القدرة ولديه الحاجة إلى صنع الأبواب والشبابيك، لكنه عاجز لا يستطيع إلا بتوسط الطرف الثالث، لأنه يفترض أن ينتج ليحصل على إنتاجه لا جزء من عائد إنتاجه يمنحه إياه الوسيط، وكل عامل لا يستطيع الحصول على حاجته إلا عن طريق طرف ثالث، بل عليه أن يدفع له رسوماً حتى يسمح له بذلك.
والذي يعمل في مصنع للملابس، يحصل على أجر يعادل جزءاً يسيراً من إنتاجه، مثلاً أربع ساعات من ثمان، معنى هذا أنه يعمل أربع ساعات مجاناً لرب العمل، وإذا رغب في الحصول على كمية من الملابس لسد حاجته، عليه أن يتجه إلى وسيط آخر تحول إليه إنتاج العامل، ويضطر لأن يدفع رسماً (ضريبة) حتى يحصل على حاجته.
وبناءً على ذلك فالإنسان هنا يخسر مرتين:
الأولى: بموافقته تحت ضغط الحاجة للعمل لحساب آخرين، ولا يحصل إلا على نسبة من إنتاجه، الثانية: بقبوله الحصول على حاجته مقابل زيادة على السعر الحقيقي.
الإنسان الذي يقبل التنازل عن جهده لإنسان آخر، أو الذي يعمل أربع ساعات يومياً لصالح طرف آخر دون أي مبرر، لا يمكن أن يكون حراً، لأنه بإرادته لا يقبل أن يدفع أكثر من السعر الحقيقي، لكنه مضطر لقبول الاستغلال إذ (في الحاجة تكمن الحرية).
ونتساءل هنا ما مصدر قوة ربِّ العمل الذي يسلب العامل إنتاجه؟ الجواب نجده عند الوسطاء الذين يستمد منهم رب العمل قوته، فالقانون الذي نصَّ على حق التملك، نصَّ على وجود هذه الفئة، فالتاجر يستند إلى القانون الذي منحه رخصة تتيح له الحصول من أصحاب الحاجة على (أتاوة)؛ ليتمكن من إشباع حاجته.
هذه الإجابة المنطقية، بنفس الوقت تعتبر لا منطقية؛ لأنها تجعلنا نقع بدور منطقي أي أن يصنع الوسطاء القانون الذي يشرع (وساطتهم)، وما يترتب عليه من علاقات ظالمة، وجودها سابق على القانون، والشرعية حيث تؤسس الشرعية على مصالح الطرف الأقوى في العلاقات التي يحكمها منطق الأمر الواقع، ورغم ذلك يدعون تمسكهم بالشرعية والقانون؛ لكي ينجزوا (اغتراب الوعي) حين يتمكنوا من إقناع المحرومين بشرعية اللامشروع!
الهدف الأساسي للإنتاج هو إشباع الحاجات، ولكن ليس على حساب حرية الإنسان، ولن تكون هناك حرية ما دام بين الإنسان وإنتاجه حاجز، وبين إنتاجه وإشباع حاجاته حاجز، ولقد حذر بعض المفكرين من هذه الآثار المترتبة على وجود الوسيط (الحاجز)، يقول (قراكوس بابوف) يعلن بصراحة: (لا، للملكية الخاصة للأرض، إننا نطالب بالتمتع الجماعي بإنتاج الأرض، فالأرض ليست ملكاً لأحد).
وصرح روسو: (لقد ضعتم إذا نسيتم أن متع الأرض هي للجميع، وأن الأرض ليست ملكاً لأحد).
فالحاجة هي توتر يعاني منه الفرد، يحل بالإشباع، وهذا التوتر لا يقتصر على الوظائف البيولوجية، بل يمتد ليشمل الظواهر السيكولوجية، ويتسع ليشمل وجود الفرد ككل، فالحاجة تركيب وجودي، والنفس الإنسانية ما أن تشبع حاجة حتى تتجاوزها وتحاول تحقيق الحاجات الأخرى، فهي تحدد الحاجات التي يجب إشباعها، إن في هذا التجاوز للحاجة بعد إشباعها تحقيقاً؛ للذات؛ وإثباتاً للوجود.
وذلك لا يعني أن الإشباع فقط نفسي، لأن إشباع الحاجة يتطلب توافر عناصر مادية، فإشباع الجوع يحتم تناول الطعام، والملبس يتطلب وجود القماش، وليس من باب أن الحاجة تكون ذاتية، أو لا تكون موضوعية، وسنتناول الحاجة من حيث هي ذاتية موضوعية، وموضوعية ذاتية، أي سنتناولها ليس من حيث ظواهرها التي قد تكون ذاتية أو موضوعية، بل من حيث علاقتها بوجود الإنسان وحريته.
ظاهرياً فإن العلاقة بين الحرية والحاجة واضحة، ولا تحتاج نقاشاً فمن المسلم به أن من يمتلك حاجة فرد ما، فإنه يتحكم في حريته، وتجاربنا الحياتية تعزز ذلك، وتحرر هذا المحتاج مرهون بتحرير حاجاته، والقمع وحده هو الذي يحول دون الصراع بين المتحكمين في حاجات غيرهم، والمتعطشين للحرية الحقيقية، وطالما كان هناك من يتحكم في حاجات الإنسان سواءً أكان شخصاً أو مجتمعاً أو دولة، فستبقى حرية الإنسان ناقصة، فالاستغلال، والاستعباد أساسه الحاجة، ولا بد من تحرير حاجات الإنسان، فالحرية لا تتجزأ، وهذا ما تؤكده النظرية العالمية الثالثة، وقد أدى تجاهل العلاقة بين الحاجة والحرية في مجتمعات مختلفة إلى نتائج سيئة جداً على البشرية.
يجب فهم العلاقة الجدلية بين الحاجة والإشباع، وعلاقتها بوجود الإنسان، فلكي نفهم الحاجة والإشباع يجب، أن تتجاوز نظرتنا النظرة المادية الخارجية، أي من خارج الذات، حتى لا تقع في خطأ الماركسية، التي اعتبرت الإنسان حيواناً اقتصادياً، بل ننظر إليها من داخل الذات نفسها؛ لكي نعرف الطابع الوجودي الذي يطبع الحاجة؛ والذي يهدف إليه الإشباع.
فالحاجة متجددة وباستمرار، فما أن ننتهي من إشباع حاجة حتى نبدأ بإشباع حاجة أخرى، وفي ذلك دفعة للوجود، وهو سبب الرباط الوطيد بين وجود الإنسان وحاجاته، فهو يشبع حاجاته ليعيش، ويعيش ليشبع حاجاته، وفي ذلك التحام بين الوسيلة بالغاية دون تفريق، حيث يتبادل كل منها مكان الآخر، لذلك فإنه من الظلم الفصل بين الإنسان وحاجاته، لأن الإنسان حاجات، والحاجات إنسان، فالحاجة نسيج الوجود الإنساني، والتغيير والتطور في حاجاتنا بين فترة وفترة دليل على صحة ما نقول .
العلاقة الجدلية بين الوجود والحاجة هي التي تدفع التاريخ الإنساني نحو التطور والتقدم، وهي التي ميزت الإنسان عن الحيوان، فوجود الإنسان خالق الحاجة، ليس وجود محتاج.
إن بداية التاريخ بدأت منذ وعى الإنسان على حريته (قدرته على تجاوز الطبيعة)، بل وخضوعها له، وقبل ذلك كان الإنسان يصارع ضد الطبيعة عندما كانت مسيطرة على حاجاته، ثم أصبح صراعه ضد أمثاله الذين سيطروا على حاجاته، إلا أنه استطاع من تحرير حاجاته، وإنتاج أداة الإنتاج الأولى التي فرضت الاستجابة لحاجاته، ولا يعني هذا أن بداية التاريخ بدأ من إنتاج أول أداة إنتاج، فالتاريخ هو تاريخ تحرير الإنسان، وليس تاريخ تطور أدوات الإنتاج والتي هي وسيلة فقط.
إن النظام الاقتصادي في الجماهيرية هو نظام اشتراكي جديد يستند إلى الركن الاقتصادي، الفصل الثاني من الكتاب الأخضر – النظرية العالمية الثالثة – فالإنسان المنتج في المجتمع الاشتراكي الجديد إما أن يعمل لنفسه، وعائد إنتاجه له، وإما أن يعمل في مؤسسة اشتراكية يكن شريكاً في إنتاجها، وليس أجيراً، وإما أن يقدم خدمة للمجتمع، ويوفر المجتمع له حاجاته، وإما أن يكون عاجزاً، فيكفل المجتمع له حاجاته بما يمكنه من الحياة اللائقة الكريمة تحت مظلة الضمان الاجتماعي.
وملكية الحاجات الأساسية للإنسان مثل الدخل الذي يوفر الغذاء والكساء والمسكن والنقل، و كلها حاجات مقدسة، أي أنها حاجات لا بد من أن تتحرر من سيطرة الغير إذ "في الحاجة تكمن الحرية، وفي الحرية تكمن السعادة".












